النحاتة السورية بلقيس الجرماني لـ “حرمون”: الفن توازن بين الصلابة والهشاشة

بالفن نقدر على رتق الشروخ وبناء جسور من الحب والتعاطف الإنساني اللامحدود

 

في عالم يضجّ بالتحولات والانكسارات، يصبح الفن المرفأ الآمن والجسر الذي نعبُر عليه نحو النجاة الروحية، ومساحة حرة لإعادة ترميم شروخ الذاكرة الجماعية. وفي هذا السياق، يسعدنا في منصة “حرمون” أن نلتقي اليوم بقامة فنية سورية استطاعت أن تطوّع الطين والمعادن والمرايا المتشظية لتبني لغة بصرية شديدة الخصوصية، تجمع بين صلابة المادة وهشاشة الروح الإنسانية، وتنقل الوجدان السوري إلى المحافل الدوليّة بصوت بصريّ صادق ومؤثر.

نرحب بالفنانة التشكيلية والنحاتة والباحثة بلقيس أيسر الجرماني، المتخرّجة من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، والتي توجت مسيرتها مؤخراً بنيل جائزة “أفضل فنانة” في المعرض المفتوح لصالح صالة (No.35 Gallery) البريطانية. وفي هذا اللقاء الشيّق – الذي نسقته وأعدته الأستاذة فادية الجرماني الحلبي – نغوص في تفاصيل عالم بلقيس الإبداعي؛ لنكتشف كواليس رحلتها، وفلسفتها في تطويع الكتلة والفراغ، ورؤيتها العميقة لدور الفن في مواجهة قضايا المجتمع، والنساء، والحرية.

وبرنامج هذه المقابلات منسّق بين منصة حرمون ومركز سميح للتنمية والثقافة والفنون.

 

حوار وإعداد: فادية الجرماني الحلبي

 

البدايات وتشكيل الهوية الفنية

  • ممكن تعريف قرّاء ومتابعي منصة “حرمون” إليكم؟

أنا بلقيس الجرماني، فنانة تشكيلية ونحاتة وباحثة سورية. أتلمّس طريقي في الفن كأداة للنجاة الروحية، وأسعى من خلال دمج النحت والتركيب والمواد اليومية إلى صياغة لغة بصرية تلامس جوهر الإنسان، ذاكرته، وهشاشته.

 

  • حبذا أن تحدّثينا عن النشأة؟ وما أبرز ما حفر في وجدانك من مواقف أو تحدّيات جعلتك تكتشفين نفسك؟

نشأت وشغفي ينمو بين تفاصيل الكتلة والفراغ؛ فالمحيط البصري والواقع المعاش بكل تعقيداته كانا المعلم الأول لي. حفرت في وجداني قدرة الروح البشرية على الصمود رغم الانكسار، وهذا التحدّي المستمر لتحويل المشاعر القاسية والصدمات الوجودية إلى لغة بصرية صامتة هو ما جعلني أدرك أن الفن ليس ترفاً، بل هو طريقتي الخاصة لفهم الحياة ومواجهتها.

 

  • كيف أثرت دراستكِ في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق على هويتكِ الفنية؟

جامعة دمشق منحتني المفاتيح الأكاديمية الأولى وعمقت علاقتي التأسيسية بالمادة والمنظور. كانت المختبر الذي تعلمت فيه كيف أطوّع الطين والجبس والمعدن، وكيف أحرر الفكرة من حدود الخيال لتتجسد ملموسة في الفراغ، مما أرسى القواعد الصلبة التي انطلقت منها لتجريبي المعاصر.

 

  • كيف بدأت رحلتكِ مع النحت، ومتى أدركتِ أنه مسار حياة وليس مجرد هواية؟

بدأت الرحلة كحوار عفويّ مع الطين؛ شعرت حينها أن يدي لا تشكلان مادة صماء، بل تعيدان صياغة مشاعر إنسانية دافئة. أدركت أن النحت مسار حياة عندما وجدت نفسي ألجأ إلى المحترف في أصعب لحظاتي، باحثة عن الصدق والسلام الروحي؛ هناك فهمت أن الطين هو مرآتي، وأن النحت هو هويتي وحقيقتي المطلقة.

 

فلسفة الكتلة: حوار الخامة بين الصلابة والهشاشة

 

  • ما الذي أضافته لكِ تجربة التدريس في فرع السويداء على المستوى الإبداعي؟

بالرغم من أن تجربتي في التدريس بكلية الفنون الجميلة بالسويداء كانت مكثفة واقتصرت على فصل دراسي واحد فقط، إلا أن أثرها الإبداعي كان عميقاً وممتداً. إن العطاء التفاعلي ونقل المعرفة للطلاب في تلك الفترة الوجيزة أعادا إليّ شغف الاكتشاف الأول، وجعلاني أرى الكتلة والفراغ بعيون متعدّدة، مما عمق مسؤوليتي الفنية وجعلني أدرك أن الأثر الإبداعي الحقيقي لا يقاس بالزمن، بل بعمق المشاركة الإنسانية.

 

  • لماذا “الجسد” مركز علاقتكِ مع الخامة؟

الجسد بالنسبة لي ليس مجرد تشريح فيزيائي، بل هو الحامل الأول لكل مشاعر الهشاشة، التوازن، والقوة في التجربة الإنسانية. إنه الوعاء الروحيّ الذي تنطبع عليه آثار الزمن والذاكرة، ووضعه في قلب المادة هو محاولة لتقريب المسافة بين الفكرة المجرّدة وحقيقتنا الملموسة.

 

  • ما رمزيّة استخدامكِ للمرايا المنكسرة إلى جانب المعدن؟

المعدن يمثل الصلابة، الثبات، والقدرة على الصمود؛ بينما المرايا المنكسرة ترمز للرؤى المتشظية والذاكرة المصابة. الدمج بينهما يخلق حواراً بصرياً دافعاً للتأمل؛ فالمرآة المكسورة لا تعكس صورة كاملة بل تدعو المشاهد لجمع شتات نفسه والبحث عن توازنه الخاص وسط انكسارات الواقع.

 

  • كيف توفقين بين الصلابة (المعدن) والهشاشة (الزجاج/الذاكرة) في أعمالكِ؟

هذا التوفيق هو جوهر التوازن البشري؛ فنحن كبشر نملك صلابة قادرة على مواجهة الصعاب، وفي الوقت ذاته نحمل هشاشة داخلية رقيقة كخيط صوف أو مرآة قابلة للكسر. في أعمالي، تتدخّل الخامات المتناقضة لتصنع توازناً مدروساً؛ حيث تسند الكتلة الصلبة وهن الأجزاء الهشة وتمنحها ملاذاً آمناً لتستمر.

 

  • ما الذي يجذبكِ إلى التجريد واللغة التكعيبيّة في النحت؟

التجريد يمنحني الحرية الكاملة للتعبير عن جوهر الأشياء دون قيود التفاصيل المباشرة، بينما تجذبني التكعيبيّة لقدرتها الفريدة على تحليل الحالات الإنسانيّة المعقدة وتوزيعها بذكاء وهندسة واعية بين السطوح البارزة والغائرة. إنّهما وسيلتي للبحث عن الحقيقة المطلقة وتوثيق المشاعر بأبسط تكوين وأعمق أثر.

 

الفن في مواجهة قضايا المجتمع والحرية

 

  • حدّثينا عن مشاركتكِ في عمل “لكِ” في خان أسعد باشا، وكيف عالجتِ قضيّة العنف القائم على النوع الاجتماعيّ فنياً؟ وكيف واجهتِ نظرة مجتمعنا القيميّة للمرأة فنياً؟

مشاركتي في “لكِ” ركزت على تحويل الألم الصامت للمرأة إلى لغة بصرية قوية تعبر عن التوازن والنجاة الروحيّة. واجهت النظرة النمطية للمجتمع بطرح فنيّ غير مباشر يعزّز فكرة القوة الكامنة داخل الهشاشة؛ فالفن هنا لا يقدّم شكوى بل يُعيد بناء الوعي الإنساني حول قيمة المرأة كرمز للسلام والحياة، متجاوزاً خطابات العنف نحو آفاق أرحب من التقدير والحرية.

 

  • في معرض “صرخة”، كيف ترجمتِ مفهوم الحرية إلى كتلة أو شكل بصريّ؟

ترجمت الحرية في “صرخة” من خلال حوار حركيّ جريء بين الكتلة والفراغ؛ حيث استلهمت حركة اليدين وصيغت الأجنحة كرمز صريح للانعتاق والتحليق نحو السلام المطلق. الكتلة في هذا العمل لم تكن سجينة لثقلها، بل بدت وكأنها تستطيل وتتحدّى الجاذبية لتعبر عن الروح التائقة للحرية مهما كانت الخامات قاسية.

 

  • ما أهميّة العمل التطوعيّ والهويّة البصريّة في مسيرتكِ كفنانة؟

العمل التطوعيّ يبقيني على صلة وثيقة بنبض المجتمع وقضاياه الحية. أما العمل في تصميم الهويات البصرية والغرافيك، فقد وهبني أبعاداً بصرية معاصرة وقدرة عالية على تنظيم طاقتي الإبداعية؛ فكل هوية بصريّة أصمّمها هي بمثابة تبسيط لفكرة معقدة، وهو ما ينعكس إيجاباً على اختزالي الفني في النحت والتجهيز.

 

  • كيف وُلدت فكرة معرضكِ “ضوء”، وما الرسالة التي أردتِ إيصالها من خلال الإنستليشن؟

ولد “ضوء” كاستجابة وجدانيّة عميقة لألم الفقد والنزوح، ومحاكاة لحكايات أولئك الذين سُلبت منهم بيوتهم. وظفت فيه “المفتاح” كرمز مكثف لأمل العودة والتمسك بالبيت الذي يمثل السكينة والأمان الداخليّ، بينما كانت “خيوط الصوف” الممتدة تجسيداً لطاقة الانتماء والصلة الأبديّة بالأرض. الرسالة هي أن جدران البيت قد تغيب، لكن روحه تبقى حية بانتظار العودة.

 

التكامل الفني، التكوينات السبعة، والإنجازات الدولية

 

  • ماذا يضيف دمج النحت مع الغرافيك والـ Illustration إلى تجربتكِ الفنية؟

هذا الدمج يمنحني لغة تعبيرية معاصرة ومساحة هجينة تتجاوز الحدود التقليدية للمادة. الغرافيك والـ Illustration يرفدان أعمالي النحتية بخطوط واضحة ورؤى بصرية متجددة، مما يتيح لي خلق تجارب بصريّة تتراوح بمرونة وسلاسة بين الأبعاد الثلاثة والسطح الثنائي، لتجسيد ثنائية القوة والضعف بدقة مدهشة.

 

  • مشروعكِ “التكوينات السبعة” يتناول سيكولوجية الكتلة، كيف جسّدتِ التحولات النفسية عبر السطوح التكعيبيّة؟

في “التكوينات السبعة” (مشروع تخرّجي الذي نال تقييم 83%)، تعاملت مع الكتلة كمفهوم سيكولوجي حي يعبر عن حالاتنا الداخلية. السطوح البارزة جسّدت لحظات الصمود والمواجهة، بينما مثلت السطوح الغائرة والتداخلات الفراغية جوانب الانكسار، الحزن، والبحث عن الأمان. التحوّلات النفسيّة ظهرت بوضوح من خلال التناقض البصري والتوازن المدروس بين هذين القطبين.

 

  • ما التحدّي الأكبر الذي واجهكِ في تنفيذ مشروع التخرّج؟

التحدّي الأكبر كان تحدياً تقنياً وفلسفياً في آن واحد: كيف يمكنني صياغة سبع حالات إنسانية معقدة ومختلفة بالاعتماد على المدرسة التكعيبية دون الوقوع في التكرار أو جمود الكتلة. كان عليّ ضبط التوازن الدقيق بين تماسك الجبس كخامة صلبة، وبين إضفاء روح من الحيوية والهشاشة الإنسانية المعبّرة على السطوح.

 

  • كيف تتوقعين تطور تجربتكِ في السنوات المقبلة، وما المشروع الذي تحلمين بتحقيقه؟

أتوقع أن تتجه تجربتي نحو مزيد من البحث الأكاديمي والعملي عبر دراسة الماجستير لتوسيع أبحاثي النظرية والعملية. أما طموحي الأكبر، فهو ألا أتوقف عن السعي لنشر رسالة الفن والسلام وتطوير أدواتي؛ أن أحقق يوماً تجهيزاً تفاعليّاً عابراً للحدود يجمع القلوب تحت مظلة إنسانيّة واحدة، ويؤكد أن الإبداع قادر على رتق شروخ الذاكرة أينما وجدنا.

 

رحلتي نجاة

 

  • لو أردتِ أن تختصري رحلتكِ بكلمة واحدة، ماذا تختارين؟ ولماذا؟

سأختار كلمة: “نجاة”. لأن الفن بالنسبة لي لم يكن يوماً مجرد خيار تجميليّ أو مهنة، بل كان المرفأ الآمن الذي أنقذ روحي وحافظ على صدقها وسلامها الداخلي في مواجهة كل عواصف وتحديات الحياة.

 

  • إذا تحقق حلمكِ بمجتمع أكثر وعيًا وعدالة وسلامًا واحتراماً للمرأة بخاصة، وللإنسان بعامة، كيف تتخيّلين لوحة هذا المجتمع؟

أتخيّلها لوحة مفعمة بالانسجام والتوازن البصري؛ حيث تختفي الزوايا الحادة والجدران العازلة لتتحوّل إلى خطوط ناعمة ومنحنيات تتداخل فيها الألوان وتتعانق فيها الكتل دون تصادم. لوحة يسودها شعور عارم بالدفء والأمان، تماماً كشخص يحضن بيته بقلبه، وتملأ الفراغات فيها مساحات شاسعة من الضوء والحرية.

 

بناء الذاكرة الجماعيّة المشتركة

 

  • مع حلول العام 2025 حلّت مئويّة الثورة السوريّة الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية حول المئوية، ماذا ترين في مناسبة المئوية وكيف يمكن الاحتفاء بما يليق بها وتطويرها؟

أرى في المئوية مناسبة هامة للتأمل الإنساني وبناء الذاكرة الجماعية المشتركة. الاحتفاء الحقيقي واللائق بها يتجسّد في تحويل هذه المحطات التاريخية إلى طاقة إبداعية وثقافية تجمع البشر وتدعو للسلام؛ وذلك عبر إقامة فعاليّات ومشاريع فنية معاصرة وجامعة تركز على قيم التضامن، الحب، والتسامح الإنساني المشترك لبناء غدٍ أفضل.

 

  • ينشط مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، في السويداء، بندوات ورعاية إصدارات كتب مشتركة وأبحاث وموسوعات، إحياء لمئوية الثورة منذ سنتين. ما تعليقكم؟

 أدعم وأشجع أي مبادرة تخدم الثقافة والفنون عموماً، وأرى في هذه الأنشطة والتوثيقات البحثية جهداً إيجابياً لإغناء المكتبة التاريخية وتنشيط الوعي الفكري للمجتمع.

 

رسالتي لهم: ابحثوا عن مساحات النور

 

  • إن كانت لكِ فرصة من دقيقتين لتوجيه كلمة للشباب السوري، ماذا تقولين؟

ابحثوا عن مساحات النور داخل أرواحكم ولا تدعوا الانكسارات الخارجيّة تطفئ شغفكم. تمسّكوا بالوعي وبثقافة الحب والسلام كسبيل وحيد للعبور نحو المستقبل.

 

جائزة “أفضل فنانة”

 

  • نبارك لكِ فوزكِ بالجائزة الأولى في المعرض المفتوح في بريطانيا؛ حدّثينا عن هذا الإنجاز وما يمثله لتجربتكِ؟

الفوز بجائزة “أفضل فنانة” في المعرض المفتوح لصالح صالة “No.35 Gallery” البريطانية هو امتداد طبيعي للحوار الإنساني الذي أطرحه.

هذا الإنجاز أكد لي أن الفن الصادق يعبر الحدود دون استئذان، وهو اعتراف دوليّ ملهِم يثبت أن حكايتنا وهوية نبضنا قادرة على ملامسة وجدان المتلقي أينما كان في هذا العالم.

 

  • ما هي الآفاق والجوائز الملموسة التي قدمها لكِ هذا الفوز لتطوير مسيرتكِ فنية؟

الجائزة الأثمن التي قدّمها لي هذا الفوز هي فرصة إقامة معرضي الفردي الرقمي الأول مع الصالة، لتقديم سلسلة (الرؤية المتشظية)، بالإضافة إلى مقابلة صحافية إلكترونية مخصصة للحديث عن فلسفة أعمالي. هذه الفرص تمنحني منصة انتشار رقمية معاصرة، وتفتح قنوات تواصل مباشر مع جمهور ونقاد من مختلف أنحاء العالم.

 

  • كلمة أخيرة ترغبين بتوجيهها عبر منصة حرمون؟

كل الشكر لمنصة حرمون على هذه المساحة الراقية والحوار العميق. رسالتي الأخيرة هي دعوة دائمة ومستمرّة لكل منا ليصنع سلامه الخاص، ولنؤمن جميعاً بأن الفن قادر على رتق الشروخ وبناء جسور من الحب والتعاطف الإنساني اللامحدود.

 

 

للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:

https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB