برأيك هل نعيش حياتنا… #أم_نصممها؟

الدكتور سليم الحسنية

أستاذ جامعي وخبير في الإدارة
 
هل يمكن أن تكون الحياة مشروعًا نصممه، لا مجرد رحلة نعيشها؟
الحياة لا يصممها الذكاء الاصطناعي، بل يصممها الشخص نفسه، بوصفها نشاطاً واعياً ومتجدداً.
سواء قرأنا الكتب ورقيًا، أو رقميًا، أو استعنّا بالذكاء التوليدي في فهمها وتحليلها…هذا لا يمنحنا إجابات جديدة فحسب، بل يمنحنا طريقة جديدة للتفكير ورؤية مختلفة للعالم بعدسة أوضح. هذا ما أبحث عنه دائمًا في مشروع إدارة الحياة والعمل #رؤية_جديدة_بعدسة_أوضح.
أما الآن فأنا أنكب على دراسة إدارة المعرفة و”المعرفة الاصطناعية المتجددة”، بشكل خاص. ذلك من خلال تحويل المعرفة، من أخبار ومعلومات نستهلكها آنياً، إلى قوة نصمم بها حياتنا، ونبني بها مؤسساتنا ومستقبلنا، ونصنع بها أثرًا يتجاوز ذواتنا، إلى الأخرين والأجيال القادمة.
 
📖 نعيش الحياة أم نبنيها؟
هناك فرق كبير بين أن نعيش الحياة كما تأتي إلينا على غاربها، وأن نعيشها كما نريدها أن تكون. هذه هي الفكرة المحورية التي يدور حولها كتاب “صمم حياتك المزدهرة Design Your Good Life ” للمؤلف Charles T. Lee.
فالكتاب لا يتحدث عن النجاح بمعناه التقليدي، ولا يقدم وصفات سريعة لتحقيق السعادة. هذا المنهج ليس جديدًا؛ فقد كان سقراط يرى أن «الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش»، بينما انشغل أفلاطون وأرسطو بالبحث في الكيفية التي يمكن للإنسان أن يبني بها حياة فاضلة وذات معنى.
غير أن مفهوم «#تصميم_الحياة» بوصفه منهجًا عمليًا لم يتبلور إلا في العقود الأخيرة، متأثرًا بمبادئ التفكير التصميميDesign Thinking ، التي تدعو إلى التعامل مع الحياة كما يتعامل المصمم مع مشروعه: بالتفكير والـأمل، وبالتجربة، والتعلم، وإعادة التصميم، والتحسين المستمر.
 
من هذا المنظور، لا يقدم كتاب تصميم جودة الحياة Design Your Good Life فكرة جديدة بقدر ما يعيد إحياء سؤال فلسفي قديم بلغة معاصرة وأدوات عملية: كيف لا نكتفي بعيش الحياة كما تأتي، بل نصممها بوعي، ونبنيها وفق قيمنا ورسالتنا، لنمنحها معنى أعمق وأثرًا أبقى؟
بل يدعو القارئ إلى إعادة النظر في السؤال الأهم: كيف أصمم حياة تستحق أن تُعاش؟
هكذا يلتقي السؤال الفلسفي القديم مع منهج التفكير الحديث: فالحياة لا تُبنى بالتمنيات، ولا تُدار بردود الأفعال، بل تُصمَّم بالمعرفة المتجددة، والتفكير الواعي، والمراجعة المستمرة، والعمل الهادف.
ينطلق المؤلف، للإجابة عن هذا السؤال، من ثلاثة محاور مترابطة:
🔹 #اكتشاف_الرسالة_الشخصية، وهذا السؤال الذي كنت اطرحه على طلابي، في أول لقاء، طوال مسيرتي الجامعية، كنت أبدأ أول لقاء بسؤال واحد… ولا زلت: ما هي رسالتك في الحياة؟ وللأسف كان بعض طلاب الدراسات العليا، يقول لي: هذه أول مرة أطرح على نفسي هذا السؤال! كم كان هذا مفيداً لو طرحت على نفسي من قبل!
على الرغم من أن هذا السؤال هو البوصلة الكبرى التي تحكم مساراتنا المستقبلية.
🔹 #تحويل_الرؤية_إلى_واقع من خلال خطة واضحة، وأيضاً كنت ولا زلت في الجامعة الافتراضية اطرح في بداية الدرس مفهوم التفكير الاستراتيجي والخطوات الاستراتيجية اللازمة لوضع استراتيجية قابلة للتنفيذ.
🔹#تعظيم_الأثر الذي نتركه في الآخرين وفي المجتمع، وكان هذا المبدأ حاضرًا في معظم ما قمت به في حياتي من خلال كتابة الكتب الأكاديمية والثقافية، والمقالات العلمية، والندوات والمؤتمرات، وورشات العمل والاستشارات المهنية والاجتماعية والتربوية.
لكن ما شدّ انتباهي في طرح كتاب “صمم حياتك المزدهرة” هو أنه ينسجم مع فكرة أؤمن بها منذ بدايات وعيي بالعالم. الحياة لا تتغير بمجرد امتلاك المعلومات أو الشهادات، بل تتغير عندما تتغير طريقة تفكيرنا وعملنا؛ وتجديد طريقة اتخاذ القرار والسلوك الذي يتبعه. (اتذكر بكل وضح عند أول حضور في المدرسة، وجلسنا على حجارة داخل الصف، وقد قال المعلم بما معناه سنتعلم القراءة والكتابة: وتساءلت في نفسي: كيف سأقرأ وأكتب!؟)
فالرؤية والاستراتيجية لا تُبنى على الأمنيات، بل على معرفة تتجدد باستمرار، وعمل دؤوب يتجدد كل يوم. لأن الهدف لا يتحقق بالحماس وحده، بل بالتعلم المستمر، والتجربة الثرية، والمراجعة المستمرة، والتكيف الحذر مع الواقع.
الأثر الحقيقي لا يصنعه من يمتلك الإجابات النهائية، بل من يواصل طرح الأسئلة الصحيحة، ويتعلم من أخطائه، ويحوّل المعرفة إلى ممارسة، ثم إلى قيمة مضافة له وللآخرين.
لهذا وأنا أقرأ خلاصة هذا الكتاب شعرت وكأنه يعبر عن كثير من الأفكار التي أؤمن بها. فهو لا يدعونا إلى تصميم “حياة ناجحة” لا غير، بل إلى بناء منظومة شخصية للتعلم والنمو المستمرين؛ وهي الفكرة التي تشكل جوهر ما أسميه “نهج المعرفة المتجددة”، والحياة الغنية بالحيوية والعطاء.
فالحياة ليست مشروعًا يُنجز مرة واحدة، بل عملية تصميم مستمرة للحياة. نعيد فيها، كل يوم؛ بل كل ساعة، اكتشاف أنفسنا من جديد، وتحديث رؤيتنا، وتحسين قراراتنا، وتوسيع أثرنا، مع كل تجربة جديدة.
ربما لا يكون السؤال الأهم في حياتنا:
ماذا أريد أن أحقق؟ بل: ماذا أريد أن أصبح؟ وما هو الأثر الذي سأتركه ليتحدث عنه الأخرون؟
هذا سؤال لا تجيب عنه الأيام وتكرارها… بل تجيب عنه الطريقة التي نصمم بها حياتنا كل يوم. قد لا يغيّر هذا الكتاب حياتك بمجرد قراءته، لكنه قد يغيّر الطريقة التي تنظر بها إلى حياتك. وربما تكون هذه بداية كل تغيير حقيقي. فالكتب العظيمة لا تضيف معلومات إلى عقولنا فحسب، بل تضيف اتجاهًا جديدًا إلى حياتنا.
 

للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:

https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB