
سيناريو افتراضي للاجتماع الثلاثي في البنتاغون*
ورد في التعليق السياسي اليوم:
- هذا سيناريو افتراضي لما قد يدور في الاجتماع العسكري اللبناني الإسرائيلي الأميركي في البنتاغون، نأمل أن يقرأه المعنيون بالوفد اللبناني العسكري المفاوض. للإجابة على سؤال: ما دام قرار المشاركة بيد السلطة السياسية، والعسكريون مجبرون على شرب هذه الكأس المرّة فماذا يستطيعون؟ أهمية هذا السيناريو أنه يختبر السؤال الأخطر: هل يذهب الوفد اللبناني إلى واشنطن تحت تأثير رسالة العقوبات الأميركية والضغوط السياسية، أم يذهب حاملاً منطقاً مختلفاً يُعيد تعريف معنى الأمن والاستقرار جنوب الليطاني؟
- الاجتماع لا يأتي في فراغ؛ لقد سبقته عقوبات ورسائل ضغط وتسريبات عن مشروع أميركي – إسرائيلي يريد نقل الجيش والأمن اللبنانيين إلى نموذج يشبه تجربة الضفة الغربية، حيث تتحوّل الدولة إلى شريك في الأمن الإسرائيلي ومطاردة المقاومة. وهنا تصبح أهمية رد قائد الجيش العماد رودولف هيكل على قرار العقوبات دفاعاً عن مكانة المؤسسة العسكرية ومعنوياتها ومفهوم السيادة، وقد تحدّث عن حماية الاستقرار الداخلي ورفض التشكيك بالمؤسسة، وعن أولوية استعادة الأرض ووقف الاعتداءات، بدا كأنه يرسم حدود الدور الذي يمكن أن يقبل به الجيش اللبناني.
- في هذا السيناريو الافتراضي قد يفاجئ الوفد اللبناني الأميركيين والإسرائيليين بالسؤال: ماذا تتوقعون من استمرار الاحتلال والاعتداءات؟ هل تتوقعون من الجيش اللبناني أن يقف متفرّجاً بينما تتوسّع المواجهة ويتصاعد الضغط الشعبي وتتراكم إنجازات المقاومة بصورة بدأت تثير داخل “إسرائيل” نفسها نقاشاً يذكّر بأجواء السنوات الأخيرة قبل انسحاب عام 2000؟
- قد يقول اللبنانيون للأميركيين والإسرائيليين: أنتم تسيرون نحو النتيجة نفسها التي انتهيتم إليها عام 2000. يومها بدأ الرأي العام الإسرائيلي والجيش الإسرائيلي نفسه يقولان إن البقاء في الجنوب بلا أفق، وإن الانسحاب صار حتمياً. فلماذا تريدون الوصول إلى النتيجة ذاتها بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة من الاستنزاف الإضافي؟
- انسحبوا الآن وسلّموا الأرض للجيش اللبناني. هذه ليست هزيمة لكم، بل فرصة لمنع هزيمة أكبر. والجيش اللبناني لا يستطيع أن يتحول إلى شريك في تهجير شعبه أو تثبيت احتلال أرضه. أي جيش في العالم يمكن أن يقبل بأن يُطلب منه التعاون بينما عشرات آلاف اللبنانيين ممنوعون من العودة إلى قراهم وبيوتهم؟
- ويطرح الوفد اللبناني معادلته الأساسية: انسحاب إسرائيلي كامل، ووقف كامل للاعتداءات، وعودة الأهالي، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، واستعداد لقبول قوة دولية مساندة تعمل تحت سقف الدولة اللبنانية. ثم يأتي السؤال: أي مرحلة كانت أكثر أمناً في مستوطنات الشمال؟ مرحلة ما بعد تفاهمات 2024 حين كان بالإمكان تثبيت التهدئة لو التزمت “إسرائيل” الانسحاب ووقف الاعتداءات، أم مرحلة ما بعد حرب 2026 حيث عاد الشمال إلى القلق اليومي من مسيّرة أو صاروخ أو عملية حدودية رغم كل التفوق العسكري الإسرائيلي؟
- ضبط السلاح يصبح ممكناً عندما تنجح الدولة والدبلوماسية، لا عندما يتوسع الاحتلال وتستمر الغارات. لو نفذت “إسرائيل” ما عليها بعد تفاهمات 2024، لكانت الدولة اللبنانية أصبحت أقوى في مخاطبة المقاومة بمنطق: قمتم بما عليكم، الاحتلال انسحب، الناس عادوا، الجيش انتشر، دعوا المجال للدبلوماسية والدولة. عندها تبدأ مراحل ثانية وثالثة من النقاش الهادئ حول السلاح وتعزيز سلطة الدولة.
- أما استمرار الاحتلال والاغتيالات والطيران، فقد أنتج العكس تماماً: تعزيز منطق المقاومة لا إضعافه. وقد يقول الوفد اللبناني للأميركيين بوضوح أكبر: أنتم اختبرتم فرضيتكم. قلتم إن الحرب ستكسر المقاومة وإن الضغط والاحتلال سيصنعان الأمن، لكن النتيجة أمامكم؛ الشمال الإسرائيلي يعيش القلق، والجيش الإسرائيلي يعيش الاستنزاف، والخوف من مسيّرة صغيرة صار جزءاً من الحياة اليومية رغم كل فائض القوة.
- إذا أردتم متابعة هذا المسار فتابعوه وحدكم. أما نحن فلن نشارك في مشروع يفشل ثم نُتهم بعد ذلك بالخيانة وبيع بلدنا وشعبنا. وعندما تنتصرون يمكنكم فرض شروطكم، أما عندما تعجزون عن الحسم فمن الطبيعي أن تنتظروا شروطاً تصيغها المقاومة. بينما نحن نعرض عليكم الحل الواقعي الوحيد وهو العودة إلى منتصف الطريق: العودة إلى تفاهمات 2024، لكن هذه المرة مع تنفيذ ما لم تنفذه “إسرائيل”: انسحاب كامل، ووقف كامل للاعتداءات، وعودة الأهالي، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني. بعد ذلك يمكن الحديث عن لجان، وتنسيق، وضمانات، وآليات مراقبة. أما البدء من مطلب تحويل الجيش اللبناني إلى ذراع أمنية تعمل فيما الاحتلال قائم والاعتداءات مستمرة، فليس مشروع استقرار، بل مشروع انفجار جديد لن يستطيع أحد السيطرة عليه.
*السيناريو مستوحى من محادثات باريس بين الوفدين الأميركي الفيتنامي.
(جريدة البناء)




