
المشهد السياسي اليوم
كتب المحرر السياسي:
بينما تتقدم المفاوضات الأميركية الإيرانية بخطوات حذرة، تبدو واشنطن مضطرة إلى تعديل سقف أهدافها تدريجيًا. فبعد شهور من التمسك بفكرة السيطرة المباشرة على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، تتحدث المصادر الدبلوماسية عن تراجع أميركي نحو صيغة أكثر مرونة تقوم على القبول بترحيل المخزون إلى “طرف ثالث”، من دون الإصرار على وضعه تحت إدارة أميركية مباشرة. وفي المقابل، لا تبدو طهران رافضة من حيث المبدأ لفكرة الترحيل، لكنها تربطها بضمانات سياسية وتقنية تتصل بالسيادة وحق الاسترداد وعدم تحويل العملية إلى مصادرة دائمة للقدرة النووية الإيرانية. وهكذا انتقلت العقدة الأساسية من مبدأ الترحيل نفسه إلى سؤال: مَن هو “الطرف الثالث” المقبول من الجميع؟
وفي خلفية هذا التحول برزت الوساطة الباكستانية بحلة جديدة مختلفة عن الوساطات التقليدية السابقة؛ من جهة زيارة قائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات إلى طهران كشفت أن الملف خرج جزئيًا من الإطار الدبلوماسي إلى مستوى أمني عسكري يرتبط بضمانات منع الحرب وحماية الاستقرار الإقليمي، ومن جهة موازية زيارة رئيس الحكومة الباكستانية شهباز شريف إلى الصين للاستفادة من ضمانة صينية للوساطة الباكستانية مع الحضور الصيني الواضح دعماً للتحرك الباكستاني، بعدما بدا أن بكين قررت التدخل بصورة أكثر فعالية لمنع انفجار كبير يهدد أمن الطاقة والتجارة الدولية وممرات الحزام والطريق.
لكن المفارقة أن التقدم النسبي في الملف النووي ترافق مع انتقال مركز التعقيد نحو لبنان، الذي بدأ يظهر بوصفه العقدة الأصعب في التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران. حيث يبدو أن الأميركيين يريدون ترجمة نتائج الحرب الأخيرة إلى ترتيبات أمنية دائمة جنوب الليطاني مستفيدين من السيطرة على قرار السلطة اللبنانية، بينما تسند إيران إلى إنجازات المقاومة وسيطرتها على الميدان للقول إن أي استقرار لا يبدأ بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف كامل للاعتداءات سيبقى مجرد محاولة لإعادة إنتاج الحرب بصيغة أخرى.
وهنا تبرز حساسية الاجتماع العسكري المرتقب في البنتاغون، والذي سبقته العقوبات الأميركية الأخيرة وما رافقها من تسريبات عن ضغوط لإعادة تعريف دور الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
وفي هذا السياق اكتسب موقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل أهمية خاصة، بعدما أعلن أن قيادة الجيش “لم تتلقَّ عبر قنوات التواصل الرسمية أي معلومات أو معطيات تتعلق بما ورد في بيان العقوبات الأميركية حول ضلوع ضباط أو عسكريين في تسريب معلومات استخبارية”، مؤكداً أن العسكريين “يؤدون واجباتهم بكفاءة عالية وانضباط”، وأن ولاءهم “للمؤسسة العسكرية حصراً”. كما شدّد على أن “التطاول على الجيش والتشكيك بدوره يخدم أعداء لبنان”، وأن المؤسسة العسكرية “ستبقى سداً في وجه محاولات ضرب الاستقرار والسلم الأهلي”.
أهمية هذا الكلام أنه جاء في توقيت بالغ الحساسية، بين العقوبات الأميركية والتحضير لجلسة تفاوض أمني حساس في البنتاغون بعد أسبوع. فهو لم يدخل في سجال سياسي مباشر، لكنه وضع حدوداً واضحة لمحاولة الضغط على المؤسسة العسكرية عبر الاتهامات والتشكيك. كما أعاد النقاش إلى أصل المشكلة: حماية الاستقرار اللبناني لا يمكن أن تتم عبر ضرب المؤسسة العسكرية أو دفعها إلى مواجهة داخلية، بل عبر معالجة أسباب التوتر الأساسية وفي مقدمتها الاحتلال والاعتداءات المستمرة.
وهنا تبرز داخل النقاش اللبناني مقارنة شديدة الإحراج للإسرائيليين: أي مرحلة كانت أقرب فعلاً إلى الأمن؟ مرحلة ما بعد تفاهمات 2024 حين كان يمكن تثبيت وقف النار وانسحاب الاحتلال وعودة الأهالي وانتشار الجيش، أم مرحلة ما بعد حرب 2026 حيث عادت مستوطنات الشمال إلى القلق اليومي من مسيّرة أو صاروخ رغم كل فائض القوة العسكرية؟ وثمة مَن يقول داخل لبنان إن أفضل فرصة لإعطاء الدولة دوراً أقوى كانت بعد تفاهمات 2024، ولو نفذت “إسرائيل” ما عليها يومها من انسحاب كامل، ووقف كامل للاعتداءات، وعودة الأهالي، لكانت الدولة اللبنانية أصبحت أقوى في مخاطبة المقاومة بمنطق أن الاحتلال انتهى، الجيش انتشر، وتقول دعوا الدولة والدبلوماسية تكملان الطريق. أما استمرار الاحتلال والغارات والاغتيالات، فقد أعاد إنتاج منطق الحرب ومنح المقاومة مزيداً من القدرة على القول إن “إسرائيل” لا تفهم إلا لغة القوة. وهنا تبدو واشنطن أمام معضلة حقيقيّة، فهي تستطيع التقدم في الملف النووي عبر التفاهم على اليورانيوم والضمانات، لكنها تصطدم في لبنان بسؤال أكثر تعقيداً: هل تريد الأمن للمستوطنات والحدود، أم تريد الاحتفاظ لـ”إسرائيل” بحرية الحرب تمهيداً لحرية الاستيطان؟
(جريدة البناء – 23 – 5 – 2026)
نحنا حدّك ومصلحتنا مصلحتك
ينعاد عليكم الأضحى المبارك، بالف خير وبأيام أمن وسلام وبركة..
تتشرف إدارة منصة حرمون المستمرة منذ كانون الأول 2008، بتقديم خدمة إعلانية محلية وواسعة الانتشار وبكلفة مدروسة.
صممنا عرض الأضحى الإعلاني 2026 ليناسب حاجاتكم ويلبي مصالح أصدقائنا..
للتنسيق – واتس: 70613107
رابط منصة حرمون: https://haramoon.com/
للانضمام إلى خدمة حرمون الإعلانية من الرابط:
https://chat.whatsapp.com/BAH6v2du3s3BgXoZoV8ViH



