النظام السياسي الفلسطيني المعلّق في الهواء

إياد شماسنة

كاتب فلسطيني

يصعب على المحلل والمفكر السياسي اليوم توصيف النظام السياسي الفلسطيني باستخدام المفاهيم الكلاسيكية في العلوم السياسية. فالفلسطينيون لا يعيشون داخل دولة مكتملة السيادة، ولا داخل حركة تحرر وطني تقليدية، ولا حتى ضمن سلطة انتقالية مؤقتة بالمعنى الذي نصّت عليه اتفاقيات أوسلو قبل أكثر من ثلاثين عامًا. إنهم يعيشون داخل بنية هجينة تتداخل فيها السلطة مع الثورة، والإدارة مع المقاومة، والتمثيل الرمزي مع الفراغ المؤسسي.

 

لقد أصبح النظام الفلسطيني أقرب إلى “نظام معلّق في الهواء”: لا هو قادر على التحول إلى دولة، ولا هو يحتفظ بالبنية الثورية القديمة التي منحته شرعيته التاريخية. وبين تآكل الفصائل وتعثر مشروع الدولة، يجد الفلسطيني نفسه داخل مرحلة انتقالية طويلة فقدت معناها السياسي الأصلي، وتحولت من محطة مؤقتة إلى حالة دائمة. المفارقة أن الفلسطينيين انتقلوا إلى مرحلة ما بعد الفصائل قبل أن يصلوا إلى مرحلة الدولة.

الفصائل بوصفها وطنًا مؤقتًا

لفهم الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى طبيعة الفصائل الفلسطينية نفسها. فالفصيل الفلسطيني لم يكن حزبًا سياسيًا بالمعنى التنظيمي التقليدي، بل كان، تاريخيًا، حاملًا للهوية الوطنية في ظل غياب الدولة. لقد لعبت الفصائل دور “الوطن المؤقت” للفلسطينيين في المنفى والشتات والاحتلال، وتحولت إلى أدوات تعبئة وتمثيل وحماية رمزية في مواجهة الاقتلاع التاريخي.

ومنذ صعود منظمة التحرير الفلسطينية، أصبحت الفصائل هي البنية العميقة للنظام السياسي الفلسطيني. كانت الوطنية تُعرّف عبرها، والمقاومة تمرّ من خلالها، والشرعية تُكتسب داخل فضائها التنظيمي. ولهذا لم تكن الفصائل مجرد تشكيلات سياسية، بل كانت جزءًا من التكوين النفسي والرمزي للفلسطيني المعاصر.

غير أن الزمن الذي منح هذه البنى مشروعيتها الكبرى بدأ يتآكل تدريجيًا. فالأجيال الجديدة لم تعد تنتمي وجدانيًا إلى الأيديولوجيات القديمة بالدرجة نفسها، كما أن التحولات العالمية والإقليمية أعادت تشكيل معنى السياسة والعمل العام. لقد تغيّر العالم بسرعة، بينما بقي جزء كبير من النظام الفلسطيني يتحرك بأدوات زمن آخر.

السلطة الفلسطينية: المؤقت الذي أصبح دائمًا

حين أُنشئت السلطة الفلسطينية منتصف التسعينيات، قُدّمت باعتبارها مرحلة انتقالية تقود نحو الدولة خلال سنوات محدودة. لكن ما حدث فعليًا كان العكس تمامًا. فقد تحولت المرحلة الانتقالية إلى بنية دائمة، وتحولت السلطة من أداة عبور إلى كيان قائم بذاته.

وهنا نشأت المفارقة الفلسطينية الأخطر: سلطة تؤدي وظائف الدولة دون أن تمتلك سيادة الدولة. فالسلطة الفلسطينية لا تتحكم بالحدود، ولا المجال الجوي، ولا الموارد الطبيعية، ولا الحركة الجغرافية الكاملة، لكنها في الوقت نفسه تتحمل أعباء الإدارة والأمن والخدمات والرواتب والبنية البيروقراطية. إنها سلطة بلا سيادة، وحكومة بلا دولة، وإدارة يومية داخل فضاء يحدده الاحتلال سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المؤقتية الطويلة إلى نمط حكم كامل. وصار الفلسطيني يعيش داخل “زمن انتقالي” يبدو بلا نهاية، حتى فقدت فكرة الانتقال نفسها معناها.

تآكل الشرعية وبنية “اللااكتمال”

الأزمة الفلسطينية اليوم ليست أزمة حكومة أو انقسام فقط، بل أزمة شرعية عميقة. فالمجلس التشريعي معطل منذ سنوات، والانتخابات الوطنية غائبة، ومنظمة التحرير فقدت جزءًا كبيرًا من حيويتها التمثيلية، بينما تستند المؤسسات أكثر فأكثر إلى الأمر الواقع بدل التفويض الشعبي المتجدد.

لكن الأخطر من أزمة الشرعية هو أزمة “اللااكتمال السياسي”. فالنظام الفلسطيني لا يملك تعريفًا مستقرًا لنفسه. هل هو مشروع دولة؟ أم سلطة حكم ذاتي؟ أم استمرار مخفف لفكرة الثورة؟ أم إدارة مدنية طويلة تحت الاحتلال؟

هذا الغموض البنيوي أنتج حالة من الارتباك السياسي والمجتمعي. فالمواطن الفلسطيني لم يعد يعرف ما الذي يُطلب منه الإيمان به تحديدًا: مشروع التحرير؟ مشروع الدولة؟ مشروع الصمود؟ أم مجرد التكيف مع واقع دائم من الانتظار؟

لقد أصبحت السياسة الفلسطينية، إلى حد بعيد، إدارة للأزمة أكثر منها مشروعًا تاريخيًا للتغيير.

الانقسام بوصفه بنية دائمة

في بداياته، بدا الانقسام الفلسطيني وكأنه أزمة سياسية قابلة للحل. لكن مع مرور الزمن، تحول الانقسام إلى بنية نفسية ومؤسساتية أعادت تشكيل الوعي الفلسطيني ذاته.

نشأ جيل كامل داخل واقع الانقسام حتى صار الانقسام يبدو أحيانًا وكأنه الوضع الطبيعي لا الاستثناء. وهذه من أخطر نتائج الأزمة الحالية، لأن استمرار التشظي لا يهدد الجغرافيا السياسية فقط، بل يهدد فكرة “الشعب الواحد” بوصفها رابطة سياسية ومعنوية جامعة.

لقد أنتج الانقسام سلطتين، وخطابين، وإدارتين، واقتصادين، وحتى سرديتين مختلفتين أحيانًا حول معنى السياسة والمقاومة والدولة. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الانقسام مجرد خلاف تنظيمي بين حركتين، بل أصبح تعبيرًا عن أزمة أعمق في بنية النظام الفلسطيني كله.

ما بعد الفصائل: ولادة الفراغ أم ولادة الجديد؟

ثمة سؤال صامت يزداد ثقلاً داخل الوعي الفلسطيني: ماذا بعد الفصائل؟

المقصود هنا ليس اختفاء الفصائل تمامًا، فهي ستظل جزءًا من التاريخ الوطني الفلسطيني، بل انتهاء احتكارها للشرعية والتمثيل السياسي. فالأجيال الجديدة لم تعد ترى نفسها ممثلة بالكامل عبر البنى التنظيمية التقليدية، كما أن أشكال الفعل السياسي نفسها تغيّرت بصورة جذرية.

لقد ظهرت مساحات جديدة للعمل العام خارج القوالب الحزبية الصلبة: مبادرات شبابية، مجموعات مدنية، حراكات مطلبية، منصات رقمية، ونخب مستقلة تحاول إنتاج لغة سياسية مختلفة، أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطًا بالحريات والحقوق والحياة اليومية.

لكن هذه المرحلة تحمل خطرًا كبيرًا أيضًا. فالمجتمعات لا تستطيع العيش طويلًا داخل الفراغ السياسي. وحين تضعف البنى القديمة دون أن تتشكل بدائل ناضجة، تتوسع الفوضى ويتحول المجال العام إلى مساحة تعب جماعي وإحباط تاريخي.

ولهذا فإن مرحلة “ما بعد الفصائل” قد تكون لحظة تجديد وطني، وقد تكون أيضًا بداية تفكك سياسي إذا استمر غياب المشروع الجامع.

المجتمع الفلسطيني: الحيوية في مواجهة العطب السياسي

ورغم قتامة المشهد، فإن اختزال الحالة الفلسطينية في صورة الانهيار الكامل سيكون قراءة ناقصة. فما يزال المجتمع الفلسطيني يمتلك قدرًا استثنائيًا من الحيوية والقدرة على الصمود وإعادة إنتاج ذاته.

لقد أثبت الفلسطيني، عبر عقود طويلة، قدرة نادرة على البقاء الثقافي والاجتماعي رغم الاحتلال والمنفى والحصار والانقسام. وما تزال القضية الفلسطينية قادرة على العودة إلى مركز الاهتمام العالمي كلما ظن العالم أنها انتهت.

غير أن صمود المجتمع لا يمكن أن يبقى بديلًا دائمًا عن وجود نظام سياسي متماسك وشرعي وقادر على إنتاج المستقبل. فالمجتمعات قد تنجو من الاحتلال، لكنها لا تستطيع العيش طويلًا داخل غياب الأفق السياسي.

إعادة تعريف السياسة الفلسطينية

لا يقتصر التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين اليوم على إنهاء الانقسام، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة تعريف النظام السياسي نفسه. ما وظيفة السلطة الفلسطينية؟ وما حدودها؟ وما العلاقة بين المقاومة والدولة؟ وكيف يمكن إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية حديثة؟ وكيف يمكن استعادة الشرعية عبر انتخابات شاملة؟ وكيف يتحول الفلسطيني من “موضوع للإدارة” إلى “مواطن” داخل عقد سياسي جديد؟

لم تعد هذه الأسئلة ترفًا فكريًا، بل أصبحت شرطًا لبقاء النظام السياسي نفسه.

الفلسطيني وحقه في “الطبيعي”

ربما كانت المأساة الفلسطينية الأعمق اليوم أن الفلسطيني، بعد كل هذا التاريخ من التضحيات والمنفى والحروب، ما يزال يقاتل من أجل حقه الأولي والأساسي: أن يمتلك شكلًا سياسيًا طبيعيًا يشبه الشعوب الحية.

فالفلسطيني لا يعيش فقط تحت الاحتلال، بل يعيش أيضًا داخل بنية سياسية مؤقتة طال بها الزمن حتى كادت تتحول إلى قدر أبدي. ولهذا يبدو النظام الفلسطيني اليوم كأنه يقف في الهواء: لا أرض نهائية تحمله، ولا أفق واضح يقوده، ولا صيغة مستقرة تُنهي هذا الانتظار الطويل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية ليس فشل مشروع الدولة فقط، بل اعتياد الفلسطينيين على العيش داخل حالة “اللاوضع” بوصفها الحالة الطبيعية الوحيدة الممكنة. وحين يصبح الانتظار نظامًا سياسيًا، تتحول السياسة نفسها إلى شكل بطيء من أشكال الاستنزاف التاريخي.

 

 

       روابط صفحات وقنوات حرمون في مواقع التواصل الاجتماعي:         

 رابط صفحة حرمون في فيسبوك:

https://www.facebook.com/Haramoonplatform   

قناة حرمون في واتس:

https://whatsapp.com/channel/0029VbB7xwMGk1FxwxLeLZ0Z

مجموعة حرمون في واتس:

https://chat.whatsapp.com/BAH6v2du3s3BgXoZoV8ViH     

https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB

حساب حرمون في إنستا:

https://www.instagram.com/haramoon.dxn/

حساب حرمون في منصة إكس:

https://x.com/Haramoon2008

قناة حرمون في تلغرام:

https://t.me/haramoon2009

قناة حرمون في يوتيوب:

https://www.youtube.com/@haramoonplatform

صفحة حرمون في لينكدإن:

https://www.linkedin.com/in/haramoonplatform/