الشاعر فرحان الخطيب لـ حرمون: تفقد الإنسانية روحها إذا فقدت الشعر وموهبته تولد مع المرء كلون عينيه

 

*تفقد الإنسانية إنسانيتها إذا فقدت الشعر والشهرة والانتشار تفرضهما الجودة والملاحة

*كل مدة من الزمن يقفز الشعر قفزة حداثية، ولكنها ليست في الفراغ، بل تستند دائماً ماض تليد

*لا بد من الانتماء، وإذا لم تكن أنت أنت، فمن تكون؟

*أسّس الأخ المهندس المغترب سميح الجباعي مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون ليهتم بالتاريخ والتراث وأحداث الثورة السورية الكبرى العام 2020، وهو جهد مُقدّر ويستحق كل التقدير والتحية.

 

تقديم هاني سليمان الحلبي

كانت أطلقت إدارة منصة حرمون الخميس في 9 كانون الثاني 2025، برنامج مقابلات 2025-2026، برسالة دعوة جاء فيها: “في إطار العمل الإعلامي التوعوي تطلق منصة حرمون برنامج مقابلات 2025-2026 مع أهل العلم والثقافة والتربية والاقتصاد وسادة المجتمع وسيداته. تتضمّن المقابلة باقة أسئلة ترسل للضيف/ة للتعريف عن نفسه/ا وعمله/ا وعن معوقات العمل والتطوّرات الحديثة فيه، وأبرز المشكلات التي يعانيها الناس وأبرز حلولها العلميّة. ونلفت النظر إلى أن المقابلات هي هدية من المنصة لأهلها ومتابعيها في 241 دولة تشاهد منصة حرمون. وهو عمل تطوّعي صرف. ومن يرغب بالتعاون في هذا العمل الجميل نرحّب باستضافته/ا من بُعد في المنصة. ومهتمة المنصة بمناسبة مئوية الثورة السورية الكبرى (1925 – 2025) بسلسلة حوارات مع الباحثين وأسر الشهداء ورجالات الثورة وسيداتها وأحفادهم”.

وتطل منصة حرمون بحوار قيّم جديد يكتنز معنًى وعمقاً، تنضح منه البراعة وتتوهّج الروح ويتألق بالجمال والقيمة، وضيفه الشاعر والباحث فرحان الخطيب، شاعر فارس همام، وباحث مقدام، ولغويّ مشهود لهم، أغنى مكتبة الكنوز بحوالي دزينتين من العناوين اللافتة في الشعر والبحث.

وإذ يرى الخطيب أن “موهبة الشعر، أو أيّ موهبة أخرى تولد مع المرء كلون عينيه”، فـ”الشاعر عليه أن ينحاز للجمال، لأن الفكرة العظيمة لا تجعل القصيدة عظيمة..”، يعتبر أن “الشعر العربيّ يتناسل من جذوره، ويتفرّع أغصاناً متعددة ومتنوّعة بآن، وقليل منه ما يكون متفرّداً في المبنى والمعنى… والشعر وجوده يكمن في فن الاشتغال على اللغة، فتكون نواتجه فوّارة بنوازع النفس البشريّة، وصورة صادقة لجوانيّتها، ويقول بلغته ما لم يستطع قوله الآخرون من غير الشعراء، وهذا دوره الباقي على مرّ العصور”.

بل يرى الخطيب أن الشعر هو مسؤغ الإنسانيّة وميزتها، بحيث “تفتقد الإنسانيّة إنسانيّتها إذا افتقدت الشعر”. وحول الشهرة والانتشار اللذين تيسّرهما تقنية التواصل الحديثة يرى أن “الشهرة والانتشار تفرضهما الجودة والملاحة”، وحول الاضطراد والنمو الشعريين يؤكد أن “كل مدّة من الزمن يقفز الشعر قفزة حداثيّة، ولكنها ليست في الفراغ، بل تستند دائماً ماض تليد”. وفي موقف الشعر من قضايا الوجود والوطن والهوية يحسم الأمر بسؤال العارف “لا بد من الانتماء، وإذا لم تكن أنت أنت، فمَن تكون؟”.

حوار قيّم يكنز قيمة فكرية وثقافية هامة، يستحق العناية والاهتمام وقطف الثمار الغزيزة.

 

تنسيق وإعداد ميساء عبدالله أبو عاصي

1- نتشرف باستضافتكم أستاذ فرحان في موقع حرمون، حبذا تعريف قرائنا وزوار موقعنا بحضرتكم؟ وحبذا عرض ملخص لأبرز محطات حياتكم الثقافية والعملية؟

  • كان ميلادي في يوم ثلجي في قريتي شعف، إحدى التلال العالية في السويداء، تعزف الرياح على أغصان أشجارها سمفونيّة التحدّي والبقاء، يتكئ الغمام على شرفات سفوحها ليستريح. هنا كانت الصرخة الأولى التي دوّت في ما بعد بقصائدي التي كتبت وأنشدت، أنا الإبن العاشر لأسرة مكوّنة من ثلاثة عشر أخاً وأختاً، ووالدين جمعتهما الحياة على الألفة والمحبة والمناقب الحميدة. درستُ الابتدائية في قريتي، والإعدادية في بلدة ملح، والثانوية في شكيب أرسلان في السويداء، وبعدها تحصّلت على الإجازة الجامعية، قسم اللغة العربية، ودبلوم تربية من جامعة دمشق، بالوقت الذي كنتُ أحتفي فيه بصدور ديواني الأول “نواقيس الضحى”، مع عملي كمحاسب ثم كرئيس للمركز الثقافي في أشرفية صحنايا.

 

2- لماذا اخترتَ الشعر وسيلة للتعبير عن رؤيتك الخاصة للعالم، وهل سبق لك أن فكرت في أن تكون أديباً في مجال آخر غير الشعر؟

  • موهبة الشعر، أو أي موهبة أخرى تولد مع المرء كلون عينيه، وإذا كانت غير ذلك فهي موهبة عابرة وغير أصيلة، ربما يكتب الشاعر بعد ذلك قصة أو رواية أو نقداً، ولكن صفة الشاعر لا تتأتى إلا للشاعر الشاعر، وعليه فقد ولدتني أمي شاعراً، رغم أنني أكتب في حقول أدبية أخرى كالدراسات الأدبية.

 

3-أنت شاعر عاصرتَ العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية، كيف أثر الوضع السياسي في سورية والعالم العربي على إنتاجك؟ وهل الشاعر في قلب هذا الصراع، أم هناك مسافة يمكنه أن يحافظ عليها؟

  • لا يمكن للشاعر إلًا أن تتشابك تجربته الشعرية بمحيطه بشكل عام، إن كان سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، ويزيد الشاعر على غيره إنه لسان حال مجتمعه وما بعصف به من أحداث، وجلّ أهدافه الحياة الخالية من الأوجاع التي تؤذي الذات البشرية، واستراتيجية الشاعر ليست استراتيجية حزب ما، بل هي تأكيد ثوابت إنسانيّة الإنسان من عدالة ومساواة وخير وجمال، وسيلته إلى تحقيق ذلك مشاعر وسلوك وقلم ودواة، لينهض بشعره في مواجهة كل ما يؤدي إلى الخراب.

 

4- قصائدك تجمع بين الجمالية والمضمون الاجتماعي والسياسي، هل الشعر أداة للثورة والتغيير أم وسيلة لنسج الجمال والتعبير عن الذات؟

  • إجابة هذا السؤال تكمن في متنه، فقصائدي تجمع بين الشعر فنّاً وفكراً، ولكن الشاعر يكشف عن الخطأ، وليس لديه أداة لتصحيح المسار، وهو كشّاف لبؤرٍ سلبية كثيرة، وليس بمقدوره أن يرفعها إلى مصاف الإيجابيات إلّا بتقديم نفسه من خلال سلوكه نموذجاً، وفي التفاضل بين فكرة القصيدة وجماليتها، فالشاعر عليه أن ينحاز للجمال، لأن الفكرة العظيمة لا تجعل القصيدة عظيمة ..

 

5- أنت عضو في لجان تحكيم مسابقات شعرية عدة، كيف ترى واقع الشعر المعاصر في العالم العربي؟ هل هناك تكرار أم ركود في الكتابات الجديدة؟ كيف يمكن للشاعر أن يتحرّر من ربقة المألوف؟

  • الشعر العربي يتناسل من جذوره، ويتفرّع أغصاناً متعددة ومتنوّعة بآن، وقليل منه ما يكون متفرداً في المبنى والمعنى، فالشعر العربي منذ العصر الجاهلي كما وصلنا عبر بحوره الستة عشر لمّا يزل حاضراً، وقصيدة التفعيلة التي بادرنا بها بدر شاكر السياب ونازك الملائكة في أواخر النصف الأول من القرن العشرين، هي غصن أخضر من دوحة القصيدة العربية العمودية، وقصيدة النثر التي قدمت إلينا عبر ترجمة كتاب سوزان برنار الذي تحدّث عن الشاعر بودلير ونثرياته الشعرية، إذا استثنينا القليل الجيد منها أراها خواطر عابرة ليس لها ما يسندها من ثقافة عميقة، وقصدية بالفكرة، واقتصاد في المفردات، وإدهاش في التركيب، ولهذا لم ترسخ في الوجدان على الرغم من أن الظاهر يوحي بغير ذلك.. الشعر مستمرٌ بمكروره الكثير، وإبداعه القليل ..

 

6- تمّت ترجمة قصائد لك إلى عدة لغات، لكن هل ترى أن الترجمة تستطيع أن تنقل روح الشعر العربي بحقيقتها؟ أم أن هناك فقداناً ما بالترجمة، سواء من حيث الأسلوب أو السياق الثقافي؟

  • عرفت الأمم المختلفة الترجمة بين مواطنيها تجارياً وأدبياً، ولكن لكل لغة روحها – ما بين سطورها – وعندما ترجمت أديبة روسية بعض قصائدي كانت تسألني عن معنى المفردة، تفهمها تماماً، ولكن عندما تسأل عن تركيب شعريّ، كانت تتفاجأ من الشرح، إذ كيف يسيل القلب من الحب؟ لا بد من ترجمة الشعر، ولكنه نادراً ما يحمل دلالاته نفسها إلى اللغة الجديدة.

 

7 – عند التفاعل مع ثقافات أخرى في ترجمة أعمالك، هل تغيرت رؤيتك لخصوصية الشعر العربي؟ وهل تجد أن الشعر العربي قادر على التنافس مع الشعر العالمي، أم أن له مساراً مختلفاً؟

  • لا لم تتغير بكل تأكيد، شعرنا العربي وبما تملكه لغتنا من مساحة مفردات شاسعة، رافدة لشعرنا بدقة متناهية، تستطيع أن تنهض بمدماك القصيدة إلى شواهق جماليات لا تضاهى. والقصة هنا غير تنافسية، فالشعر تعبير عن بيئة ومجتمع الشاعر، بآماله وآلامه، وعليه تأتي الترجمة بين اللغات للتعرف عبر الأدب المقارن على المختلف والمؤتلف بين الأمم، ولا يدخل ذلك في باب المنافسة، بل في باب المعرفة، والعربية عرفت الترجمة منها وإليها منذ أقدم العصور، حيث بلغت أوجها في عصر الخليفة العباسي المأمون في دار الحكمة في بغداد.

 

8 – أنت ناشط بالعمل الثقافي والإعلامي منذ سنوات طويلة، هل تجد أن العصر الرقمي همّش المثقف العربي؟ وهل الإعلام مقصّر في نشر الثقافة الحقيقية والفكر النقدي في اكتساح الثقافة؟

  • العصر الرقميّ هو ما يجب أن يستفيد منه المثقف، من حيث إنه أداة تقانة عالية الاستجابة لما يخدم حقل الثقافة بشكل عام، وعلى المثقف الحقيقي التعاطي مع هذا الإنجاز بكثير من الذكاء والإيجابيّة لتتسنى له الاستفادة بأكبر قدر ممكن في نشر أفكاره إلى أمداء واسعة، ولكنه على الضفة الأخرى نجد أن كثيراً من الزبد يطفو عبره على السطح ما يربك القارئ العادي، ويجعله غير قادر على فض هذا الاشتباك الأدبي بين الغث والسمين.

 

9 – في وقت تتعدّد فيه وسائل الإعلام، هل لا يزال للشاعر دور مؤثر على الرأي العام؟ أم أن هناك انحساراً لدور الأدب والشعر في عصر العواجل الخبرية والتواصل الاجتماعي؟

  • نحن أبناءَ المجتمع، نحمّل الشعر فوق طاقته، وأكثر مما يحتمل، العصور السالفة كانت حمّالة لكل مستجدّ في كل عصر، وبقي الشعر في كل عصر، ولكن الشعر ليس أداة تنفيذيّة ليعلن سطوته وقيادته لمفاصل البلاد، أي بلاد، فإذا لم يستطع أن يوقف حرب “البسوس” وبعدها “داحس والغبراء”، فبالتأكيد لا يستطيع اليوم أن يوقف حرباً، أو أن يوجّه اقتصاداً، أو أن يقود حزباً، الشعر وجوده يكمن في فن الاشتغال على اللغة، فتكون نواتجه فوّارة بنوازع النفس البشرية، وصورة صادقة لجوانيّتها، ويقول بلغته ما لم يستطع قوله الآخرون من غير الشعراء، وهذا دوره الباقي على مر العصور.

 

10 – حصلت على جوائز أدبية عدة، هل الجوائز تمثل قيمة حقيقيّة للأديب؟ أم الأهم هو التأثير الذي يتركه الشاعر في الذاكرة الثقافية؟ وهل تشعر أن الجوائز تكون أحياناً سيفاً ذا حدين؟

  • لا أجد من المناسب أن نفاضل بين أهميّة الجائزة، وبين التأثير الذي يتركه الشاعر في الذاكرة الثقافية، فالجوائز يحصدها الشاعر لأسباب عدة، ربما تكون حقيقيّة وربما لا، وهناك جوائز تحظى بالاهتمام والقدر أكثر من جوائز أخرى، وفي مكان آخر كثير من الشعراء لم يتحصلوا على جوائز ولكنهم مهمون، وبعضهم نال جائزة لأسباب سياسية واجتماعية وربما مناطقية وإقليمية، وفي المحصلة الجائزة دافع للعطاء والإبداع، ولكن التأثير الذي يتركه الشاعر في الذاكرة أبعد من حدود الجائزة ولكي لا تكون الجائزة سيفاً ذا حدين، على مستحقها أن يضعها في سياقها الطبيعي كحافز إضافي، دون التوقف عندها بصنمية جامدة.

 

11 – هل هناك جائزة أو تكريم كنت تتمنّى أن تحصل عليه ولم يحدث؟ وما الذي يعني لك أكثر، التقدير من المؤسسات، أم من الجمهور القارئ؟

  • لم يخطر ببالي البتة أيّ تكريم، أو أي جائزة، ولم أشتغل أبداً على هذا الأمر، الجوائز التي حصلت عليها جاءت بطريقة المصادفة وليس الاصطياد، والجائزة الحقيقية هي الأثر الذي يتركه الشاعر عند أبناء وطنه، وأعرف مؤسسة ثقافية عالية منحت تكريمات وجوائز لعلاقات شخصية، بعيداً عن روائز ثقافية يجب أن تتوفر عند صاحب الجائزة..

 

12 – الشعر كما نعرفه يمر بتطورات كثيرة في عصرنا الحالي، هل تعتقد أن هناك أفقاً جديداً للشعر العربي في ظل المتغيرات العالمية والتكنولوجية؟ أم أن الشعر في حالة استنفاد؟

  • لست مغالياً إذا قلت: تفتقد الإنسانية روحها إذا افتقدت الشعر، والعكس صحيح، وأدلل على ذلك أن الأمم – على حد علمي – جميعها تحتفي بالشعر منذ قدم تاريخها، وجميعها تكرّم شعراءها، ومنها ما وصل إلى مستوى تكنولوجي عالٍ وراقٍ، ومنها ما زال دون مستوى المجتمعات النامية، وكلاهما يملكان ويعتدّان بالشعر والشعراء. وهنا لا بد من الاعتراف أن التطور ومقاييسه يقعان في دائرة الاختلاف بين الأمم.

 

13 – كيف ترى التحديات التي يواجهها الشعراء الجدد في ظل الانفتاح على العالم الإلكتروني، والسرعة المفرطة في إنتاج النصوص، وهل البيئة الرقمية تجعل الشعر أقل عمقاً وأكثر تفاعلية وأوسع انتشاراً؟

  • لو سألنا هذا السؤال للشاعر العربي الأقدم أمرئ القيس عن تطور الشعر لاحقاً، بماذا كان سيجيبنا؟ هل كان يعتقد أننا ما زلنا بعد ستة عشر قرناً، نكتب على بحور الشعر التي كتب عليها، ونستعمل جزءاً غير يسير من قاموس مفرداته؟ وبالتأكيد كان يعتقد أننا سنلحق زمننا، ونتطور معه، ونتبنى ألفاظه، وسندخل المستجدّ والمحدث إلى القصيدة، وبين العصرين الأموي والعباسي وجدت ظاهرة المولدين والمحدثين، وشاعت بكثرة لتدلنا على أن كل مدة من الزمن يقفز الشعر قفزة حداثية، ولكنها ليست في الفراغ، بل تستند دائما ماض تليد. شعراؤنا الجدد يتعاملون الآن مع معطيات العصر، ويبنون مدماكاً أخر في بناء هرم الشعر العربي، والشهرة والانتشار تفرضهما الجودة والملاحة، وربما نجد الآن المتنبي والمعري وأبا تمام، أشهر بكثير لدينا من شاعر يقطن في حارتنا..

 

14 – عضويتك في اتحاد الكتاب الفلسطينيين تمثل تعبيراً عن تضامنك مع قضية قومية، هل ترى أن للأدب دوراً في خدمة قضايا سياسية كقضية فلسطين؟

  • لا بد من الانتماء، وإذا لم تكن أنت أنت، فمن تكون؟ لقد نشأ جيلنا العربي وتربّى على أنّ لنا أرضاً محتلة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وكانت السردية الإعلامية دائمة البثّ حول هذا الموضوع الرئيس، ولأنني من هذا الجيل الذي عاصر معارك وحروباً بسبب هذه القضية، كان لا بد من حضوري الشعري وأعتقد كحضور كل الشعراء والأدباء العرب، بل وأبعد من ذلك مساندة للحق المغتصَب. وبناء عليه كتبت العديد من القصائد التي تخصّ فلسطين، وفي حرب غزة الأخيرة صدر لي عن دار فكر للنشر والتوزيع في القاهرة ديوان بعنوان “صهيل في مرابع الدم” يتحدث بقصائده من ألفه إلى يائه عن كل ما يدور في فلسطين. وكي لا أكون في موقع التجنّي أقول إن للأدب حضوراً تسجيلياً وصفياً تأريخياً في خدمة قضايانا القوميّة، ولا أظن أن له دوراً فاعلاً، ولكن مهما اشتدت الرياح وغيّرت من اتجاهاتها، لا يمكنها أن تغيّر نوع ثمرة الأشجار الواقعة في مدارها، والشاعر لا يمكنه أن يكون بعيداً بكثير أو قليل عن قضايا وطنه ومجتمعه، وبالمحصلة كل ما يتطلبه المواطن من حقوق يقع في دائرة السياسة.

 

15 – كيف تتعامل مع الألم والهويّات الممزّقة في ظلّ الحروب والأزمات؟ وهل ترى أن الأدب قد يخفق في تجسيد هذا الألم بالشكل الذي يليق به؟

  • الشاعر أكثر الناس أحلاماً ورؤى وأمنيات، أملاً بتحقيق هذا الذي يحلم به، دائماً يحمل واقعه على أجنحة مخيّلته ليحلق بها في فضاءات بعيدة وعالية، وفي لحظة وعي ويقظة يقع من على جبل أحلامه ليصطدم بقعر واقعه. وهنا تتجلى صور الألم المنبثق من كل ما حوله، ولعلنا الأمة التي لا تصوّر وتتخيل الألم، بل تعيشه، وتدخل في عين عاصفته، ولأن هول هذا الواقع يصل إلى حدّ الرعب، يصعب على عدسة مخيالنا أن تقنص صور هذا الممزّق والمقسّم والمجزأ، ومن هنا نظن أن بعض الذي نكتبه أدبياً قد يُخفق تجسيد هذا الألم، وقد يُصيب أحياناً.

 

16 – هل هناك أفكار ومعتقدات معينة شكلت رؤيتك للأدب والشعر بشكل خاص؟

  • الإنسان فكر وكلمة يعبران عن هذا الفكر، وسلوك يدل على ما آمن به، ولكل شاعر أفكار وثوابت ينطلق منها، ويحاول تشذيبها وتطويرها دون التخلي عنها حسب الراهن، وما آمنت به منذ صغري “البحث والكشف عن الذات” ومدى قربها من ثوابت الحق والخير والجمال، وقد صدر ديوان شعر لي بعنوان “أتـيـتُ إلــيَّ” بتضمّن هذا المعنى، لأن الشاعر يذهب إلى ما يحيط به، ويوسعه بحثاً وتنقيباً ووصفاً، ونادراً ما يأتي إلى ذاته ليجلو هواجسها، ويرتق مواجعها، ويبرعم غراسها، ويضيء قناديلها. فالذات الإنسانية مصنع كبير لكثير من المنتجات الأخلاقية والسيكولوجية والاجتماعية والأدبية، وصاحبه “الأنا” عليه أن يتحكم بالمنتج الإنساني الأصيل، والرًائج الآن في العالم ليس كذلك.

 

17- ما هي أبرز إصدارات الشاعر فرحان الخطيب؟

  • في الشعر:
  • نواقيس الضحى، شعر ١٩٨٦ م. دار الاستقلال، دمشق سورية.
  • ظلٌّ في الصحراء، شعر ١٩٩٨ م. دار الاستقلال، دمشق سورية.
  • نبْضٌ خارج الجسد، شعر ٢٠٠١ م.، دار الخير، دمشق سورية.
  • مرَّ الهوى، شعر ٢٠٠٤ م. دار الخير، دمشق سورية.
  • أتيتُ إليّ، شعر ٢٠٠٨ م. دار الخير، دمشق سورية.
  • بوح ليس إلّا، شعر ٢٠١٣ م. دار الخير، دمشق سورية،
  • فيضُ قلب، شعر ٢٠١٩ م، دار الغانم، دمشق سورية.
  • صهيل في مرابع الدم، شعر ٢٠٢٤ م.، دار فكر، القاهرة مصر.
  • جراحات المطر، شعر ٢٠٢٤ م.، دار يسطرون، القاهرة مصر.
  • أغنيات التلال العالية، شعر ٢٠٢٦ م.، دار فكر، القاهرة مصر، مختارات، اختارتها وقدّمتها: رجاء كامل شاهين.
  • وفي شعر الأطفال:
  • ١ – تعال يا قمر، دار الخير، دمشق سورية ٢٠٠٥ م.
  • ٢ – أغنيات سيف وجولي، دار يسطرون، القاهرة مصر، ٢٠٢٤ م.
  • وفي الدراسات:
  • ١ – بوابات المعنى، دراسات في الشعر المعاصر، دار فكر، القاهرة مصر، ٢٠٢٤ م.
  • ٢ – أعلام في واحة الأدب، سيرة لعدد من الأدباء والشعراء، دار فكر، القاهرة مصر، ٢٠٢٦ م.

 

18 – مع حلول عام ٢٠٢٥، حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت ثلاثة لقاءات علمية حول المئوية، ماذا ترى في مناسبة المئوية، وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق، وتطويرها؟

  • إنها لذكرى جليلة، وبفضلها تحقق الجلاء، ورحيل آخر جندي فرنسي عن أرض سورية في ١٧ نيسان ١٩٤٦م.، وتحية شكر وتقدير لمنصة حرمون على احتفائها بهذه المئوية، وإذا كانت الأحداث المؤلمة التي ألمّت بالوطن عام ٢٠٢٥ م، قد ساهمت في التخلي عن الاحتفالات المؤسسية، هذا لا يمنع من مساهمة من يستطيع الاحتفاء بها على طريقته، وما أكثر الطرق التي توصلنا إلى ذلك. بالنسبة لي وبمناسبة هذه الذكرى الغالية، وتحية لرجالات الوطن وفي مقدمتهم القائد العام للثورة السورية الكبرى، أصدرت وأخي الفنان التشكيلي عامر الخطيب وتقديم الشاعر الأديب غانم بو حمود كتاباً عن دار فكر للنشر والتوزيع في القاهرة / مصر بعنوان “سلطان باشا الأطرش.. ظلال اللوحة والقصيدة على قلاع التاريخ”، المئوية الأولى للثورة السورية الكبرى ١٩٢٥ – ٢٠٢٥ م. يتضمن الحديث عن الثورة تاريخاً ولوحةً وقصيدةً، والغاية أننا أردنا المساهمة بالتذكير والاحتفاء بمئوية الثورة على الرغم ما كتب عنها من كتب ومجلدات.

 

19 – ينشط مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون في السويداء بندوات ورعاية إصدارات كتب مشتركة وأبحاث وموسوعات إحياء مئوية الثورة السورية الكبرى منذ سنتين، ما تعليقكم؟

  • لقد بدأ النشاط في مركز سميح قبل ذلك بسنوات، عندما أقدم الأخ المهندس المغترب سميح الجباعي على الاتصال بي لتأسيس مركز يهتم بالتاريخ والتراث وأحداث الثورة السورية الكبرى عام ٢٠٢٠، وقد دفع لي بكتابه التاريخي الهام “ذاكرة الثورة ١٩٢٠ – ١٩٣٩ متعب الجباعي” وقد لاقت الفكرة صدًى طيباً في نفسي، فتم تأسيس المركز باسم “مركز سميح للثقافة والتنمية والفنون” وشكلت هيئة إدارية لتسيير أمور المركز، وبعد أن دققت وقدّمت لكتاب الأخ سميح “ذاكرة الثورة” تمّت طباعة الكتاب، وكل ذلك بتمويل من الأخ سميح، أقيم احتفال مهيب في المركز الثقافي في السويداء، مترافقاً مع معرض فني ضمّ عدداً من اللوحات الحاملة لصور القادة الذين خاضوا غمار الثورة للفنان التشكيلي عامر الخطيب، وتتالت الندوات التراثية والتاريخية بإشراف الأخ الأصيل إسماعيل الجباعي، وتابع الأخ سميح إصدار عددٍ من الكتب القيّمة وصولاً إلى عام المئوية الأولى ٢٠٢٥، حيث أودعنا لديه كتاباً بعنوان “أوراق المجاهد فضل الله الأطرش” للمناسبة ذاتها، أعدّه وحققه الأستاذ المؤرخ إبراهيم جودية، ودققته وكتبت مقدّمته بما يليق بالرجل والمناسبة، وأظن أن الكتاب قيد الصدور بفضل جهود الأخ سميح الذي أقدّمُ له الشكر والاحترام على جهوده الطيبة في تدوين التاريخ الناصع لآبائنا وأجدادنا، رغم وجوده في المغترب (النمسا) منذ أكثر من أربعين سنة.

 

20 – أي كلمة ترغب بنشرها عبر منصة حرمون؟

  • أن يسود الأمن والسلام، لأن أبناءنا يستحقون الحياة، الحياة. والشكر والامتنان لمنصة حرمون، ولصاحبة مبادرة الحوار الإعلامية المتألقة ميساء أبو عاصي.