
الدكتور أدمون ملحم لـ حرمون : لابتعاد الشباب السوري عن العصبيات الطائفية والمذهبية وسلوك طريق الوعي القومي الجامع
*مؤسسة سعاده للثقافة مؤسسة فاعلة ونفّذت على مدى سنوات نشاطات ثقافية وفنية واجتماعية متنوّعة ومؤثرة
*قصة نجاحي أساسها إيماني العميق بأن الإنسان قادر على أن يحقق ما يريد أن يكونه. والهدف الواضح، المقرون بالعمل الجاد والمثابرة. والشغف بما نفعله، والإصرار على المتابعة رغم الصعوبات، وبذل الجهد المتواصل، كانت العوامل الأساسيّة التي قادتني إلى ما وصلت إليه، ولا تزال تشكّل ضمانة النجاح
*منصة حرمون دائمًا سبّاقة في تسليط الضوء على المناسبات المهمة في تاريخنا الحديث، مثل مئوية الثورة السورية الكبرى، وإبراز الدروس المستفادة منها
*الخسارة الأكبر للاغتراب تكمن في هجرة الشباب والكفاءات والعقول المبدعة، نتيجة غياب الدولة المدنية الحديثة التي تقدّر العلم والعلماء، وتستثمر الطاقات الإنتاجية، وتوفّر بيئة البحث والإبداع. وهكذا، تُدفع هذه الطاقات إلى الاغتراب
*أهمية التعاون بين الكيانات السياسية في امتنا، والتخطيط المشترك لقيام اقتصاد قوميّ يستثمر موارد الوطن وثرواته وإمكاناته، بما يُسهم في زيادة الإنتاج، وتحسين مستوى عيش الشعب، وترسيخ أسس النهوض القومي
*الشعب السوري هو نتاج تفاعل تاريخي طويل لمجموع العناصر والجماعات البشرية التي استوطنت سورية وتفاعلت فيها. وإن تجاهل هذه الحقيقة العلمية – الاجتماعية يقود إلى منزلقات خطيرة، تعمّق الانقسامات القائمة، وتغذّي التجزئة
*تتحدّد ماهية الأمة السورية بوصفها وحدة اجتماعية تكوّنت من تفاعل جميع العناصر البشرية التي استوطنت الهلال الخصيب عبر تاريخ طويل.
*العروبة لا يمكن أن تُفرض هويةً عرقية على جميع الأفراد السوريين قسرًا، إذ إنهم لا ينحدرون جميعًا من أصول عربية. فالأمة السورية تنتمي إلى العالم العربي من حيث اللسان والثقافة العامة، أما الأفراد السوريون فلا يجمعهم إلا انتماؤهم القومي إلى أمتهم، وانتماؤهم الوطني إلى سورية.
*المسألة الكردية مثالًا. فقد أغفلت هذه الأحزاب تحديد الحقوق القومية للأكراد التي ينبغي أن يتمتعوا بها بحكم انتمائهم التاريخي إلى الأرض التي يعيشون عليها. فالأكراد شاركوا في وحدة الحياة التي تشكّلت في بيئة الهلال الخصيب، وأسهموا في حضارتها وثقافتها.
*من الضروري إحياء المناسبات القوميّة، لأنها تقدّم لنا عبرًا عن بطولات شعبنا وتمسّكه بأرضه، ودفاعه المستمر عن سيادته في مواجهة المستعمرين والغزاة والطامعين.
تقديم هاني سليمان الحلبي
كانت أطلقت إدارة منصة حرمون الخميس في 9 كانون الثاني 2025، برنامج مقابلات 2025-2026، برسالة دعوة جاء فيها: “في إطار العمل الإعلامي التوعوي تطلق منصة حرمون برنامج مقابلات 2025-2026 مع أهل العلم والثقافة والتربية والاقتصاد وسادة المجتمع وسيداته. تتضمّن المقابلة باقة أسئلة ترسل للضيف/ة للتعريف عن نفسه/ا وعمله/ا وعن معوقات العمل والتطورات الحديثة فيه، وأبرز المشكلات التي يعانيها الناس وأبرز حلولها العلمية. ونلفت النظر أن المقابلات هي هدية من المنصة لأهلها ومتابعيها في 241 دولة تشاهد منصة حرمون. وهو عمل تطوّعي صرف. ومن يرغب بالتعاون في هذا العمل الجميل نرحّب باستضافته/ا من بُعد في المنصة. ومهتمة المنصة بمناسبة مئوية الثورة السورية الكبرى (1925 – 2025) بسلسلة حوارات مع الباحثين وأسر الشهداء ورجالات الثورة وسيداتها وأحفادهم”.
وفي اختيار ضيف الحوار المميّز، معايير عدة، ليس أقلها أنه قصة نجاح ومسيرة فلاح، حمل صليب آلامه منذ حداثته، آلامه الشخصيّة، آلام فقد والده مخطوفاً في الحرب اللبنانيّة ومفقود الأثر حتى اللحظة، وآلام أمته التي لا تبارح وجدانه وقلبه.
فهو شاب مكافح ابتعد بالجسد عن وطنه وبلده وذويه، ليشقّ طريق الإنتاج المزدوج المادي والأكاديمي، في فترة عصيبة كان فيها لبنان مقطع الأوصال وتلتهمه نار الحرب
وعصابات الطوائف والأحزاب المتصارعة على قسمة ضيزى. فاستطاع شقّ السبيل في المجالين، فبنى أسرته، وبلغ درجات تحصيل جامعيّة عليا مكّنته أن يكون أستاذاً جامعياً في العلوم السياسية، ولم يكتف بذلك بل اندفع في التأليف الفكري باللغتين حتى قاربت مؤلفاته دزينة من الكتب المميّزة. وتركزت على الفكر القومي الاجتماعي والفلسفة القومية الاجتماعية وأنطون سعاده والتراث والرواقية والحزب السوري القومي الاجتماعي وما يقوله للشباب السوري في أوج محنة الأمة الراهنة.
ضيف هذا الحوار هو المفكر الدكتور أدمون ملحم، في المغترب الأوسترالي، الرئيس السابق للندوة الثقافية في الحزب السوري القومي الاجتماعي، نائب رئيس سابق لمؤسسة سعاده للثقافة، أحد المحاضرين في ندوة حرمون الثقافية، وناشط ثقافي ماضي العزيمة وعالي الهمة يفيض حبره في المواقع والمؤسسات الإعلاميّة ووسائل التواصل الاجتماعي والنوادي والجمعيات الناشطة في الوطن وعبر الحدود.
تحدّث الدكتور ملحم معرّفاً عن نفسه وأبرز محطات حياته وتفاصيل قصة نجاحه، واغترابه وعناوين كتبه ومواضيعها، وموضوع أطروحة الدكتوراه، وما يمكن أن يعدّل فيها بعد حوالي 45 عاماً من كتابتها، وعن أبرز مقولات مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي في الأمة والمجتمع، وتاريخهما، وواقعهما، وتقييم فترة الحكم الحزبي والطائفي في بلادنا وما تتعرّض له من انقسام وتفتت ومخاطر، والحوار كان من بعد وبالمراسلة في أوائل شباط 2026 قبيل نشوب الحرب الإقليمية المشتعلة حالياً.
حوار مليء بالقيمة والفكر والخبرة والسوية الفكرية المتقدمة، يستحق الجهد والاطلاع والقراءة والتوزيع الواسع لكل الأصدقاء، لينتشر الضوء واسعاً.
تنسيق و إعداد فادية الجرماني الحلبي
1- حبذا تعريف قرائنا وزوار موقع حرمون بحضرتكم دكتور إدمون؟
وُلدتُ عام 1958 في مدينة طرابلس – الشام، وأمضيتُ معظم حياتي في منطقة الكورة. تلقيتُ دراستي الثانوية في ثانوية الملعب في طرابلس، ثم تابعتُ دراستي الجامعية في الجامعة اللبنانية – فرع الشمال، حيث نلتُ إجازة في العلوم الاجتماعية.
عام 1982 هاجرتُ إلى أستراليا، حيث تابعتُ دراساتي العليا في جامعة ملبورن، وحصلتُ على شهادات في الدراسات الشرق أوسطية، والتربية، والإرشاد الاجتماعي، وصولًا إلى نيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية. أُقيم حاليًا في أستراليا مع عائلتي، وأحرص على زيارة الوطن من حينٍ إلى آخر.
2- حدّثنا بإيجاز عن النشأة والبدايات، وأبرز ما حفر في وجدانك منها من مواقف ودروس.
نشأت في عائلة كبيرة مكوّنة من والدين وسبعة أولاد، وكنت الأكبر بينهم. في أيام العطل، كنت أساعد والدي في عمله المتجوّل في مناطق الشمال.
عانيتُ في المراهقة من ضعف بصري، ما اضطرني للسفر إلى فرنسا لإجراء عمليّة زرع قرنية، وكان ذلك خلال الحرب الأهليّة في لبنان. عند عودتي، حاولت مفاجأة العائلة، لكن والدي لم يكن موجودًا، واكتشفنا لاحقًا أنه اختُطف من قبل ميليشيات طائفيّة، ولم يُعرف مصيره منذ ذلك الحين. ترك هذا الحدث أثرًا مؤلمًا في نفسي، وهو جزء من تجربة عانى منها العديد من اللبنانيين خلال الحرب، إذ شكّل المخطوفون والمفقودون ظاهرة واسعة ومؤلمة.
3- ما أبرز الهوايات التي تميّز شخصيّتكم؟ بماذا تنصح الشباب في رعاية هواياتهم؟
تتمثّل هواياتي في القراءة والكتابة، والاستماع إلى الموسيقى، وممارسة رياضة المشي. وبالطبع تختلف الهوايات من شخص إلى آخر، لكن نصيحتي للشباب، في زمن تراجع القراءة وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي التي تختزل المعرفة في محتوى سريع وعابر، هي التمسك بالقراءة بوصفها المدخل الأساس للمعرفة والتطوّر الشخصي والحضاري.
فالقراءة توسّع المدارك، وتنمّي الفكر النقدي، وتعزّز الثقة بالنفس، وتخفّف التوتر، وتفتح آفاقًا أوسع لفهم العالم، وهي ركيزة أساسيّة في نهضة المجتمعات وبناء أجيال واعية قادرة على مواكبة التطور وصناعة المستقبل. وقد كان أنطون سعاده محقًّا حين قال: “المجتمع معرفة، والمعرفة قوة”.
كما تساعد القراءة الشباب على بناء قدراتهم العقليّة، وفهم ذواتهم والآخرين، ومواجهة الفكر الانحطاطي والثقافات الرجعية، ونبذ العنف والعصبيات الطائفية والعنصرية. وهي، إلى جانب الموسيقى، متنفّس إنسانيّ يخفف ضغوط الحياة، ويمنح التوازن النفسي، ويحسّن المزاج، ويحفّز التركيز والإبداع.
4- دكتور أدمون. اخترت السياسة والدراسات الشرق أوسطية للتخصص. ما قيمتهما للمجتمع والعلم والفكر؟ هل ندمت على اختيارك؟ وإن رغبت في التغيير إلى ماذا تغيّر؟ ماذا تقول للطلاب المقبلين على دراستهما؟
يُعدّ علم السياسة أساسيًا لفهم العالم المعاصر، بما فيه من علاقات دولية معقّدة، وسياسات عامة وخارجية، وأسباب النزاعات والحروب، إضافة إلى قضايا السلام والتعاون والعوامل التي تسهم في نهضة الشعوب أو تراجعها. وهو، إلى جانب الدراسات الشرق أوسطية، يوفّر أدوات تحليليّة لفهم الصراعات الإقليمية وطبيعة التفاعلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في منطقتنا.
لم أندم على اختياري لهذا التخصص، إذ أتاح لي تكوين معرفة واسعة بالعالم العربي عمومًا، وبدول الهلال الخصيب خصوصًا، وبالتحديات الإقليمية، وتأثير السياسات الدولية والإقليمية في الأوضاع الداخلية لهذه الدول، وبالعكس. كما ساعدني على التعمّق في فهم بنيتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وما تعانيه من أزمات وتخلّف وانحطاط. والأهم أنه مكّنني من إدراك حقيقة الصراع الوجوديّ بين أمتنا والعدو الذي يغتصب أرضنا في فلسطين وأجزاء أخرى من وطننا.
لا أتمنى تغيير هذا الاختصاص، وإن كنت أرغب في التعمق أكثر في الدراسات الفلسفية وعلم الاقتصاد، الذي أراه مكمّلًا وثيقًا لعلم السياسة، في إطار ما يُعرف بالاقتصاد السياسي، حيث يتقاطع تحليل السلطة والموارد، وتتفاعل القرارات السياسية مع الواقع الاقتصادي.
أما للطلاب المقبلين على دراسة علم السياسة والدراسات الشرق أوسطية، فأقول إنهما مجالان واسعان ومتجدّدان، يتطلبان متابعة دائمة، وقراءة نقدية، وانفتاحًا فكريًا، لأن فهم العالم المتحوّل شرط أساسي للمشاركة الواعية في تغييره.
5- ما العوائق التي اعترضتك في بناء هويتك العملية والعلمية؟ كيف حميتها لتصل إلى ما وصلت إليه؟ كيف صنعت قصة نجاحك؟ وكيف يمكنك حمايتها؟
عند وصولي إلى أستراليا، كان طموحي نيل شهادة الدكتوراه، إلا أن أول العوائق التي واجهتني تمثّلت في حاجز اللغة. بادرت فورًا إلى تعلّم اللغة الإنكليزية، وبعد أشهر التحقت بالجامعة، لكنني كنت أجد صعوبة في استيعاب المحاضرات بسبب ضعف لغتي في البداية. ومع مرور الوقت، تحسّن مستواي اللغويّ، وازدادت رغبتي في تحصيل العلم والمعرفة.
في المقابل، واجهت تحدّي المسؤوليات العائلية، إذ كان عليّ تأمين متطلبات أسرة صغيرة في وقت ما زلت فيه على مقاعد الدراسة. دفعني ذلك إلى دخول سوق العمل ومتابعة دراستي في آنٍ معًا، وسط ضغوط متعدّدة، أبرزها الالتزام بوظيفة رسمية بدوام كامل في وزارة التربية، وتحمل مسؤوليات العائلة وتربية الأطفال، إلى جانب الانخراط في النشاط الحزبي والاجتماعي. ومع ذلك، واصلت مسيرتي الأكاديمية بإصرار.
أما قصة نجاحي فأساسها إيماني العميق بأن الإنسان قادر على أن يحقق ما يريد أن يكونه. والهدف الواضح، المقرون بالعمل الجاد والمثابرة. والشغف بما نفعله، والإصرار على المتابعة رغم الصعوبات، وبذل الجهد المتواصل، كانت العوامل الأساسيّة التي قادتني إلى ما وصلت إليه، ولا تزال تشكّل الضمانة الأهم للحفاظ على هذا النجاح.
6- أخبرتنا أنه مضى على سفرك في استراليا حوالي 42 عاما،ً أمدّ الله بعمرك، ما هي المعاناة بعمقها الشامل للاغتراب عن الوطن؟ وكيف تنظر إليها بوجهيها الإيجابي والسلبي؟ لماذا غدت بلادنا دولاً مصدّرة لأبنائها وبناتها؟
في بدايات الهجرة، يواجه الإنسان تحديات أساسية، أبرزها التأقلم مع البيئة الجديدة، وتجاوز حاجز اللغة، وتأمين السكن والعمل، وسائر متطلبات الاستقرار. وبالنسبة لي، أضيف إلى هذه الصعوبات هاجسٌ رافقني ولا يزال، هو الارتباط الوجدانيّ بقضية الأمة والوطن، وما تفرضه من نضالٍ مستمر في ساحات الاغتراب. لم يكن لدينا متّسع للترف أو الانشغال بملذات الحياة، بل انصبّ جهدنا على العمل في أوساط الجالية، لنشر الوعي القومي، وتعزيز الروابط الوطنية، وتأمين الدعم المادي للأهل وللمؤسسات المعنية بإدارة النضال في الوطن.
أما الوجه السلبي الأعمق للاغتراب، فيرتبط بأسباب الهجرة نفسها. فبلادنا تعاني أوضاعًا سياسية واقتصادية واجتماعية حالت دون قيام دولة ديمقراطية عصرية، راعية لمواطنيها وضامنة لحياتهم الكريمة. وقد أسهمت التجزئة السياسية، واستشراء الفساد، وترسّخ التقاليد البالية، وانتشار العصبيّات والثقافات الرجعية، في تكريس التبعية، وتعطيل الإرادة الحرة، وإضعاف مفهوم المواطنة، ما جعل الإنسان منشغلًا بلقمة عيشه وأمنه اليومي، وعاجزًا عن ممارسة حقه في التغيير.
في هذا السياق، غدت بلداننا دولًا مصدّرة لأبنائها وبناتها، بحثًا عن فرص عمل وحياة أكثر استقرارًا. غير أن الخسارة الأكبر تكمن في هجرة الشباب والكفاءات والعقول المبدعة، نتيجة غياب الدولة المدنية الحديثة التي تقدّر العلم والعلماء، وتستثمر الطاقات الإنتاجية، وتوفّر بيئة البحث والإبداع. وهكذا، تُدفع هذه الطاقات إلى الاغتراب، حيث تجد في المجتمعات المستقبِلة الدعم والاحترام وفرص العيش الكريم وتحقيق الذات، فتسهم في نهضتها بدل أن تكون ركيزة لتقدّم أوطانها الأصلية.
7- تناولتَ في أطروحة الدكتوراه في العلوم السياسية الحزب السوري القومي الاجتماعي، كيف تناولت الموضوع باختصار؟ وبعد عقود من دراستك لو أردت كتابتها ماذا تعدّل في رؤيتك وقواعد المعالجة ونتائجها؟
تناولت أطروحة الدكتوراه قضايا أساسية متصلة بالمسألة اللبنانية، كما ينظر إليها الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولا سيما موقف الحزب من وجود الكيان اللبناني واستقلاله. وقد امتدّت الفترة الزمنية التي عالجها البحث من عام 1920، تاريخ إعلان دولة لبنان الكبير، حتى عام 1962، تاريخ الحركة الانقلابية التي نفّذها الحزب ضد الحكومة اللبنانية، فيما خُصّص فصل موجز للمرحلة التي تلت تلك الأحداث حتى التسعينيات.
وقد كان من الضروريّ تناول هذا الموضوع باللغة الإنكليزية، انطلاقًا من قناعتي بوجود إهمال وتشويه واضحين في الدراسات الأجنبية لمواقف الحزب السوري القومي الاجتماعي من المسألة اللبنانية. إذ عمدت بعض الجهات السياسية والدينية المتخاصمة مع الحزب، والمدفوعة بمصالح خاصة، إلى إطلاق اتهامات باطلة بحق أنطون سعاده والحزب، وتصويره على أنه عدوّ للبنان يسعى إلى إزالة كيانه. وقد انساق عدد كبير من الدارسين الأجانب خلف هذه الروايات، فأصدروا أحكامًا متسرّعة، واعتمدوا تعميمات شائعة من دون التحقق من مصادرها أو إخضاعها للبحث العلميّ، مستندين في الغالب إلى مراجع كُتبت أصلاً من منطلق عدائيّ.
من هنا، جاء البحث محاولةً لسدّ هذا النقص، وتقديم قراءة موضوعيّة وموثّقة لمواقف الحزب من الكيان اللبناني، قائمة على مراجعة واسعة للمصادر، وإحاطة شاملة بمختلف جوانب الموضوع.
أما لو أُعيدت كتابة الأطروحة بعد عقود، فإنني أضيف إلى معالجتها إضاءة أوسع على أهمية التعاون بين الكيانات السياسية، والتخطيط المشترك لقيام اقتصاد قوميّ يستثمر موارد الوطن وثرواته وإمكاناته، بما يُسهم في زيادة الإنتاج، وتحسين مستوى عيش الشعب، وترسيخ أسس النهوض القومي.
8- شهد بعض كيانات بلادنا عهد الحزب الذي يقود الدولة والمجتمع ويفرض العروبة هويّة على شعب متعدّد الأعراق والإثنيات عبر التاريخ بحيث لم يكن واحدياً عرقياً وإثنياً في أي لحظة من تاريخه الجلي لملايين السنين. كيف تقيّم هذه الأطروحة؟ وماذا تقترح من أطروحة جميعة توفر المخرج النظري الجامع المانع للرؤى المتناقضة؟
أخفقت الأحزاب العروبيّة التي تولّت قيادة الدولة والمجتمع في بعض كيانات بلادنا، لأنها انطلقت من تصوّرات أيديولوجية لا تنسجم مع الواقع الاجتماعي التاريخي، ولم تنظر إلى مكوّنات الشعب نظرة واحدة جامعة. فقد ميّزت بين العربي والكردي والآشوري والأرمني والسرياني والكلداني، وغيرها من الهويات الخاصة، بدل التعامل معها بوصفها عناصر متفاعلة في وحدة اجتماعية واحدة.
ولتوضيح ذلك، يمكن التوقف عند المسألة الكردية مثالًا. فقد أغفلت هذه الأحزاب تحديد الحقوق القومية للأكراد التي ينبغي أن يتمتعوا بها بحكم انتمائهم التاريخي إلى الأرض التي يعيشون عليها. فالأكراد شاركوا في وحدة الحياة التي تشكّلت في بيئة الهلال الخصيب، وأسهموا في حضارتها وثقافتها. إلا أن ما قُدِّم باسم العروبة كان في كثير من الأحيان حلولًا جزئية ومشوّهة، أدّت إلى عزل المسألة الكردية عن القضية القومية الشاملة، وربطها بحسابات خارجية وإقليمية، بدل إدماجها في الإطار القومي العام.
تؤكد حقائق علم الاجتماع أن الشعب السوري هو نتاج تفاعل تاريخي طويل لمجموع العناصر والجماعات البشرية التي استوطنت سورية وتفاعلت في ما بينها. وإن تجاهل هذه الحقيقة العلمية – الاجتماعية يقود إلى منزلقات خطيرة، تعمّق الانقسامات القائمة، وتغذّي التجزئة، وتفتح الباب أمام مزيد من الأزمات والمآسي.
وعليه، فإن معالجة المسألة الكردية، وسائر المسائل المشابهة، لا يمكن أن تكون جزئيّة أو مرحليّة أو خاضعة لمصالح خارجيّة، بل يجب أن تُقارَب من منظور قومي واضح، بوصفها مسألة حقوقية قومية تخصّ الأمة بأسرها، وترتبط بقضيتها الكلية الجامعة.
إن الحل النظريّ الجامع يجب أن ينطلق من قاعدة الوضوح، أي من معرفة الأمور معرفة علمية دقيقة، تقوم على مبدأ التحديد الصحيح. وعلى هذا الأساس، تتحدّد ماهية الأمة السورية بوصفها وحدة اجتماعية تكوّنت من تفاعل جميع العناصر البشرية التي استوطنت الهلال الخصيب عبر تاريخ طويل. فالعروبة لا يمكن أن تُفرض هويةً عرقية على جميع الأفراد السوريين قسرًا، إذ إنهم لا ينحدرون جميعًا من أصول عربية. فالأمة السورية تنتمي إلى العالم العربي من حيث اللسان والثقافة العامة، أما الأفراد السوريون فلا يجمعهم إلا انتماؤهم القومي إلى أمتهم، وانتماؤهم الوطني إلى سورية.
09- ما واقع الندوة الثقافية المركزية في الحزب السوري القومي الاجتماعي ودورها؟
تُعدّ الندوة الثقافية المركزية في الحزب السوري القومي الاجتماعي مؤسسة حزبية فاعلة وطموحة، تُعنى بإحياء الثقافة السورية القومية الاجتماعية وقيمها، من خلال التعمّق في دراسة العقيدة القومية الاجتماعية والمسائل التي تعالجها، والنظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن المنبثقة عنها. كما تسعى إلى بعث التراث السوري الفكري، وتشجيع البحث العلمي، والإنتاج الثقافي والأدبي والفني، إغناءً لهذه الثقافة وتعميمًا لها.
وتهدف الندوة إلى تعزيز وحدة الفكر والقصد، وتحفيز التفكير القومي الاجتماعي المتجدد، ونقله من السطحيات والإدراك العادي إلى مستوى الأساسيات وقضايا العقل العلمي والفلسفي، بما يجعل هذا التفكير علميًا ومنتجًا ومبدعًا وفاعلًا في إبراز مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وقيمها ومراميها.
وخلال الفترة الأخيرة، التي تولّيتُ فيها مسؤولية الندوة لأكثر من ثلاث سنوات، نُظِّمت سلسلة من الندوات الفكرية المتخصّصة، شارك فيها محاضرون من ذوي الاختصاص في مجالات متعدّدة. وقد خُصِّص بعضها لأعضاء الندوة، فيما فُتحت أخرى أمام المهتمين، وشهدت حضورًا لافتًا من طلاب جامعيين، ومفكري الحزب، وعدد من المسؤولين الحزبيين. كما أطلقت الندوة مجلة فصلية إلكترونية تُعنى بنشر محاضراتها وأبحاثها العقائدية. وما تزال الندوة تمارس دورها، وقد تشكّلت لها مؤخرًا إدارة جديدة تتابع هذا المسار.
وتستند الندوة في عملها إلى الدور الذي حدّده أنطون سعاده عند إنشائها عام 1937، وإلى القانون الذي وضعه لها، والذي ينصّ على أن غايتها التعمّق في دراسة التعاليم القومية الاجتماعية الواردة في المبادئ والشروح التعليميّة، وإيضاح قيمها وقواعدها، والقضية المنبثقة عنها، والنظرة إلى الحياة والكون والفن الحاصلة منها، فضلًا عن معالجة المسائل والقضايا المرتبطة بموقف الحركة القومية الاجتماعية، وبعث التراث السوري الفكري، وتشجيع الإنتاج الدراسي والأدبي والفني على هذه الأسس، إحياءً للقيم الجديدة وتحقيقًا للثقافة السورية القومية الاجتماعية.
10- توليتم مسؤوليات في مجلس إدارة مؤسسة سعاده للثقافة، الناشطة من سنوات فكراً وثقافة، كيف تقيّم ما فعلته المؤسسة وما هو مُدرَج على برامج أعمالها؟
مؤسسة سعاده للثقافة مؤسسة فاعلة، وقد نفّذت على مدى سنوات نشاطات ثقافية وفنية واجتماعية متنوعة ومؤثرة. وخلال تولّي مسؤولياتي في مجلس إدارتها، انصبّ اهتمامي بصورة خاصة على العمل الثقافي، حيث ساهمت في إدارة “ندوة الفكر القومي” التي كانت تُنظَّم بدايةً بشكل أسبوعي، قبل أن تتحوّل إلى لقاءات نصف شهرية. كما أشرفت على الموقع الإلكتروني للمؤسسة، في إطار السعي إلى تعزيز حضورها الثقافي والإعلامي.
ورغم انتخابي لولاية ثانية في الهيئة الإدارية وتعييني منسّقًا للجنة الثقافية، فقد اضطُررت إلى تقديم استقالتي لاحقًا بسبب ارتباطي بأعمال ومسؤوليات أخرى، مع بقائي متابعًا باهتمام لمسيرة المؤسسة وبرامجها الثقافية.
11- الوطن المشلّع كيانات أوجدها الأجنبي ومن خلفه العدو، وطوائف تتحارب على جنس الملائكة وأحزاباً لم تزد تفتته إلا تفتتا،ً إلى أيّ مصير يسير إليه، أو يدفع إليه وطننا وشعبنا؟
يسير وطننا، في ظلّ الكيانات المصطنعة والانقسامات الطائفية والحزبية القاتلة، نحو مصير بالغ الخطورة، يُدفع إليه دفعاً بفعل التشرذم الداخلي والارتهان للخارج. فما نشهده من عدوان متواصل، من فلسطين إلى جنوب لبنان، يكشف حقيقة المشروع الصهيوني التوسّعي الذي لا يعترف بحدود ولا كيانات، ويغذّي تفكك المجتمع ليُحكم سيطرته عليه.
إن استمرار حالة التفتّت، وثقافة العصبيّات والاحتراب الداخليّ، لا يعني سوى تعميق الهزيمة وفتح الأبواب أمام مزيد من القتل والتدمير. وحده الانتقال الحاسم من واقع الانقسام إلى وعي قومي جامع، قائم على العقل والتنظيم ووحدة المجتمع، يشكّل شرط الخلاص ومواجهة هذا الخطر الوجودي قبل فوات الأوان.
12- مع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية حول الموضوع، وكنتَ شاركتَ في إحدى ندواتنا، ماذا ترى في مناسبة المئوية وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟
منصة حرمون دائمًا سبّاقة في تسليط الضوء على المناسبات المهمة في تاريخنا الحديث، مثل مئوية الثورة السورية الكبرى، وإبراز الدروس المستفادة منها. أرى أنّه من الضروري إحياء هذه المناسبات القوميّة، لأنها تقدّم لنا عبرًا عن بطولات شعبنا وتمسّكه بأرضه، ودفاعه المستمر عن سيادته في مواجهة المستعمرين والغزاة والطامعين.
أما بالنسبة لطرق الاحتفاء بالمئوية، فيمكن اعتماد أساليب متعددة، على رأسها الندوات الحوارية العلمية، بالإضافة إلى النشاطات الثقافية والأبحاث والنشرات المتخصصة، بما يضمن تطوير الوعي التاريخي لدى الأجيال الحالية وتعزيز قيم الوطنية والتمسك بالقضية الوطنية.
13- لديك ما يربو عن 7 مؤلفات بالإنكليزية وأقل منها بقليل بالعربية. حبذا تعريف المتابعين إلى عناوينها؟ وماذا عن ما سكتت عنه أو لم تُصدره بعد؟
صدرت لي مؤلَّفات بالعربية وبالإنكليزية، يتناول معظمها فكر أنطون سعاده من زوايا فلسفية واقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة.
في اللغة العربية، نشرتُ كتابين:
الأول بعنوان “الحب السوري المدرحي”، ويضم مجموعة من الدراسات والمحاضرات التي تُضيء على جوانب مختلفة من العقيدة القومية الاجتماعية.
أما الثاني، فهو “الفلسفة الرواقية – من زينون إلى سعاده”.
أما مؤلَّفاتي باللغة الإنكليزية، فهي على النحو الآتي:
1. The Road to Revolution، ملبورن، 2006.
2. Antun Sa’adeh: National Philosopher – An Introduction to His Philosophical Thought، دار الفكر، بيروت، 2010.
3. The Social Nationalist Economy، كتيّب.
4. Syrian Women: Their Struggle in Society and Their Empowerment through the Syrian Social Nationalist Party، ملبورن، 2018.
5. Antun Sa’adeh: A Man Ahead of His Time، دار الفكر، بيروت، 2022.
6. Survival and Revival: An Analytical Approach to Sa’adeh’s National Thought، مؤسسة سعاده للثقافة، بيروت، 2024.
7. The Social Nationalist Economy: An Introduction to Sa’adeh’s Economic System، دار أبعاد، بيروت، 2025.
وكما يتبيّن من عناوينها، تندرج هذه الأعمال في إطار مقاربة فكر سعاده من زوايا متعددة. أما بالنسبة إلى ما لم يُنشر بعد، فلديّ ثلاثة أعمال منجزة وجاهزة للنشر في المرحلة المقبلة.
14- ماذا تقول للشباب السوري في الوطن السوري الطبيعي وفي شتاته؟ وما مسؤوليته التاريخية الراهنة في هذا الظرف العصيب؟
نرى في الشباب السوري أمل المستقبل وعماد الأمة وبناة المجتمع وقادة الغد. وقد راهن أنطون سعاده على الشباب والطلاب، واعتبرهم الفئة الأكثر وعيًا وحساسية لآلام الشعب وآماله، ولمشكلات المجتمع وقضاياه، ولا سيما قضايا الاستقلال والسيادة والتحرر الاجتماعي. ونحن اليوم نراهن بدورنا على طاقات الشباب وقدراتهم المعرفية، وننظر إلى المستقبل بإيجابية وثقة.
إن الشباب يشكّلون شريحة واعية، قادرة على تحمّل مسؤولياتها الوطنية والاجتماعية في هذا الظرف العصيب. ومن هنا، نتوجّه إليهم بالدعوة إلى العمل والبناء، واعتماد الطريق السليم للإنقاذ والتغيير، والتسلّح بالعلم والمعرفة، والتمسّك بالقيم الإنسانية الراقية، والاجتهاد في البحث عن الحقيقة وصولًا إلى الأفضل.
ورسالتنا إلى الشباب السوري، في الوطن وفي الاغتراب، أن يبتعدوا عن العصبيات الطائفية والمذهبية، وأن يستنيروا بالعقل، ويسلكوا طريق المعرفة الواضحة، لبلوغ الوعي القومي الصحيح الذي يبيّن حقيقة المجتمع، ويجمعنا شعبًا واحدًا، ويؤمّن لنا الخروج من التخبط والجهل والانقسامات، إلى النهوض وتحقيق حياة جديدة، يعمّ فيها الخير والبحبوحة والرفاه والإنتاج، وينتشر فيها النور والدفء والخصب والحب والجمال.
15- أي كلمة أخيرة تودّون نشرها عبر منصة حرمون؟
أتقدم بالشكر الجزيل للزميلة فادية الجرماني الحلبي على دعوتها الكريمة لإجراء هذه المقابلة، كما أحيّي جهود إدارة موقع حرمون الرائدة، التي تواصل تقديم مواد ثقافية ومعرفية غنية وهادفة، تسهم في رفع الوعي وتعزيز الثقافة الوطنية والقومية. أتمنى لكم دوام التقدّم والنجاح، ومزيدًا من التألق في مواكبة القضايا الفكرية والتاريخية والوطنية.
كما أودّ أن أعبّر عن أملنا العميق أن تتوقف سريعًا الاعتداءات والمجازر البشعة التي يتعرّض لها شعبنا في غزة والضفة ولبنان والشام، وأن يعمّ الأمن والطمأنينة والسلام في ربوع بلادنا. إن السلام والأمن ليسا مطلبًا فحسب، بل هما حقّ لكل أبنائنا، وشرط أساسي لاستعادة الكرامة وبناء مجتمع واعٍ متماسك قادر على مواجهة التحديات وتحقيق مستقبل أفضل.
روابط صفحات وقنوات حرمون في مواقع التواصل الاجتماعي:
رابط صفحة حرمون في فيسبوك:
https://www.facebook.com/Haramoonplatform
مجموعة حرمون في واتس:
https://chat.whatsapp.com/BAH6v2du3s3BgXoZoV8ViH
https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB
حساب حرمون في إنستا:
https://www.instagram.com/haramoon.dxn/
حساب حرمون في منصة إكس:
قناة حرمون في تلغرام:
قناة حرمون في يوتيوب:
https://www.youtube.com/@haramoonplatform
صفحة حرمون في لينكدإن:
https://www.linkedin.com/in/haramoonplatform/
















