د. نبيلة عفيف غصن*
حين تُدار الدولة ضد مجتمعها
لم يعد الانهيار اللبناني مجرّد حصيلة فساد أو سوء إدارة، بل بات أقرب إلى خطة تفكيك متعدّدة المستويات، تُدار بأدوات داخلية وتُشرعن بعناوين سيادية زائفة. فالدولة التي يفترض أن تكون حاميةً لمواطنيها، تحوّلت إلى أداة تجريد: تُجرّد المجتمع من سلاحه، ومن ماله، ومن بياناته، ومن حقه في الأمان والكرامة.
في هذا السياق، يكتسب توصيف الدكتور نسيب حطيط للحكومة اللبنانية بوصفها «حكومة فيشي» دلالته العميقة، لا كاستعارة لغوية، بل كتشخيص سياسي لسلطة تكيّفت مع شروط الخارج، وارتضت تنفيذ ما يُطلب منها، ولو كان الثمن سحق مجتمعها.
نزع سلاح المقاومة… استهداف عنصر الردع لا تنظيم الدولة
لم يكن شعار «حصر السلاح بيد الدولة» يومًا مشروعًا حقيقيًا لبناء دولة قادرة، بل تحوّل، في الممارسة، إلى أداة سياسية لنزع عنصر القوة الوحيد الذي منع إسرائيل من فرض شروطها الكاملة على لبنان. فالدولة التي تطالب باحتكار السلاح، هي ذاتها الدولة التي تعجز عن منع الطائرات الإسرائيلية من انتهاك أجوائها، أو عن إجبار العدو على الانسحاب، أو حتى عن حماية مواطنيها من التفجيرات والاعتداءات.
هكذا، جرى تفكيك ما بنته المقاومة خلال أربعين عامًا، من دون أي مقابل إسرائيلي: لا ضمانات، لا انسحاب، لا إعادة إعمار. نزع أحادي، يُفرغ مفهوم السيادة من مضمونه، ويحوّله إلى شعار موجّه ضد الداخل فقط.
من نزع السلاح إلى نزع الودائع… المسار نفسه بلباس مالي
بالتوازي مع استهداف الأمن الوطني، مضت الحكومة نفسها في استهداف الأمن الاجتماعي عبر تشريع سرقة الودائع. قانون «الفجوة المالية» لم يكن حلًا للأزمة، بل إعلانًا رسميًا بأن الخسائر ستُحمَّل للناس، لا للمصارف ولا للمنظومة السياسية–المالية التي تسببت بالانهيار.
خسر اللبنانيون مدّخرات أعمارهم، وتحوّل التقاعد إلى وهم، وسقطت صناديق التعاضد والضمان في صمتٍ مريب. الأطباء، المهندسون، المحامون، العسكريون، والموظفون، جميعهم وُضعوا على أرصفة القلق، فيما بقي أصحاب المصارف خارج المساءلة.
وهنا يتكرّس السؤال الأخطر:
كيف يمكن لقوى سياسية تدّعي تمثيل المحرومين أن تمنح الشرعية لحكومة شرّعت تجويعهم؟
الصمت كشراكة… حين تصبح المشاركة إدانة
إن البقاء في حكومة تعجز – أو تمتنع – عن حماية الناس، لا يمكن تبريره بالاعتراض الشكلي أو الخطابات الموسمية. فالعجز، حين يُقترن بالمشاركة، يتحوّل إلى شراكة فعلية في القرار.
وكما أن السكوت عن نزع السلاح مشاركة في ضرب الردع، فإن السكوت عن سرقة الودائع مشاركة في تدمير المجتمع. لا يمكن الفصل بين المعركتين، لأن الهدف واحد: تفريغ لبنان من عناصر الصمود.
داتا الاتصالات… حين تُسلَّم مفاتيح المجتمع
في ذروة هذا المسار، برز أحد أخطر الانتهاكات السيادية: تسليم داتا الاتصالات الخاصة باللبنانيين إلى جهة قضائية دولية وُصفت من قبل منتقديها بأنها محكمة مسيّسة، نشأت خارج الإجماع الوطني، وارتبط عملها منذ البداية بصراع سياسي إقليمي ودولي.
هذه الداتا لم تكن مجرّد أرقام، بل خريطة حياة كاملة: تحركات، علاقات، أنماط تواصل، وخصوصيات مجتمع بأسره. أي أن الدولة، بدل أن تحمي مواطنيها، سلّمت مفاتيح أمنهم الرقمي، من دون تفويض شعبي، ومن دون رقابة وطنية.
وقد جرى ذلك تحت عنوان التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي الجريمة التي يرى كثير من الباحثين والنقّاد أنها استُثمرت سياسيًا، وأن مسار التحقيق حُوِّل إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية، لا إلى مسار عدالة خالصة.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا من هوية المنفّذ:
من استفاد؟ ومن راكم نفوذًا؟ ومن حوّل الدم إلى منصة سياسية؟
الأمن السيبراني… السيادة حين تُباع بالبرمجيات
ولا يتوقّف الاختراق عند حدود القضاء والداتا، بل يمتدّ إلى الأمن السيبراني، مع ما كُشف عن تولّي شركة ذات ارتباطات صهيونية برامج الحماية الرقمية لشركة طيران الشرق الأوسط (MEA)، أحد أكثر القطاعات حساسية في أي دولة.
الطيران ليس مرفقًا تجاريًا فحسب، بل بنية سيادية تحتوي على بيانات مسافرين، ومسارات، وأنظمة تشغيل، ومعلومات أمنية. ربط هذا القطاع بشركات أجنبية مرتبطة بدولة عدوّة، مهما كانت الذرائع التقنية، هو تفريط مباشر بالأمن الوطني.
فأي دولة هذه التي ترفع شعار السيادة، فيما سماؤها مخترقة، وداتا شعبها مكشوفة، وبرمجياتها مرهونة؟
السيادة كشعار انتقائي
يتكشّف هنا جوهر المأساة:
السيادة تُستَخدم فقط ضد المقاومة،
ولا تُستَخدم لحماية المال،
ولا لحماية الداتا،
ولا لمنع الاختراق الأمني،
ولا لمحاسبة الفاسدين.
إنها سيادة مبتورة، انتقائية، تُرفع كشعار سياسي، وتُسقَط كفعل عملي.
بئس السيادة… حين تُنزع الكرامة باسم الدولة
بئس هذه السيادة التي تبدأ بنزع السلاح،
ولا ترى في نزع المال جريمة،
ولا ترى في تسليم الداتا خيانة،
ولا ترى في اختراق الأمن السيبراني خطرًا.
بئس الدولة التي تطالب مواطنيها بالتجرّد،
فيما هي عارية أمام الخارج،
ومكبّلة أمام المصارف،
وصامتة أمام العدو.
إن السيادة الحقيقية لا تُقاس بخطاب،
بل بقدرة الدولة على حماية أرضها، وناسها، ومالها، وبياناتها.
وكل سلطة تعجز عن ذلك، أو تمتنع عنه،
ليست دولة سيادة، بل إدارة تصفية.
وأمام هذا الواقع، لا يعود السؤال: لماذا الغضب؟
بل: كيف يمكن الصمت؟
فالسكوت اليوم ليس حيادًا،
بل توقيعٌ إضافي على وثيقة نزع لبنان… قطعةً قطعة.
*باحثة في علم الاجتماع الثقافي.















