ناصر قنديل
- لم تعد الحرب كما كانت قبل سنوات يُقاس التفوق فيها بالتنافس على امتلاك الأجهزة العملاقة مثل حاملات الطائرات والدبابات الثقيلة والطائرات القاذفة الاستراتيجية، بعدما صارت التقنيات القادرة على إنتاج الأجسام الصغيرة من خارج الصندوق والتي تتكفل بتغيير مشهد الحرب ومساراتها، ورغم المسافة المفترضة تقنياً بين أميركا وإيران، شهدت حرب السنتين مجموعة ظواهر لافتة، مثل مشاركة الطائرات الإيرانية المسيّرة ودورها في حرب روسيا في أوكرانيا، ودور نماذج من هذه الطائرات تمّ تطويرها في اليمن ولبنان وأظهرت كفاءة عالية في المناورة والوصول إلى اهدافها وفشل الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية المتقدمة في منعها من الوصول.
- إضافة إلى الطائرات المسيّرة أظهرت الصواريخ الإيرانية الدقيقة الفرط صوتيّة التي استخدمتها إيران خلال حرب الاثني عشر يوماً ضد الأهداف الإسرائيلية أو النسخ المعدلة منها في اليمن التي خاضت حرب البحر الأحمر مع البحرية الأميركية بأحدث معدات الدفاع الجوي لديها، واستطاعت باستخدام اليمن لها إجبار القوات البحرية الأميركية على الرحيل بعد اتفاق لوقف إطلاق النار، لا يحقق لواشنطن أياً من أهداف التدخل بينما احتفظ اليمن بدوره كجبهة إسناد لغزة، وإمساكه بالملاحة في البحر الأحمر، الذي صنفته واشنطن دائماً كجزء من الأمن القومي الأميركي، وفي الاستخدام الإيراني في حرب حزيران من العام الماضي نجحت الصواريخ الإيرانية الدقيقة الفرط صوتية بإلحاق أذًى مؤلم بكيان الاحتلال.
- بفعل هذا التفوق في إنتاج طائرات مسيرة وصواريخ دقيقة بمواصفات فنية عالية وكلفة محدودة، صارت الطائرة المسيّرة والصاروخ الدقيق في طليعة أسلحة القرن الحادي والعشرين، بحيث تستطيع الحروب التخلي عن الحاجة لشراء الطائرات الحربية، لكن مشروع الحرب الأخيرة على إيران التي كان يسعى إليها بنيامين نتنياهو وتبناها دونالد ترامب، أظهر تفوقاً إيرانياً تقنياً جديداً مفاجئاً، حيث تمكنت إيران من تعطيل أجهزة ستارلينك التي تتحدّث التقارير عن تسريب 30 ألفاً منها إلى إيران، كي تشكل منظومة الضبط والسيطرة في الحرب المفترضة للحسم ضد إيران، بحيث تقوم القوات الأميركية بالتنسيق على مدار اللحظة مع المزوّدين بهذه الأجهزة، لتنظيم عمليات عسكرية نوعية تضمن السيطرة على إحدى المحافظات الإيرانية من خلال تنسيق نيران القصف المستهدف مع هجمات الجماعات المسلحة داخل إيران المزوّدين بأجهزة ستارلينك، التي تعتبر واحدة من حكايات التفوق التقني الأميركي.
- جهاز ستارلينك يتميز بتقنية عالية توفر إنترنت فائق السرعة وزمن استجابة منخفض عبر كوكبة من الأقمار الصناعية، ويتميز بمقاومة فائقة للتشويش والعوامل الجوية القاسية (مثل الجليد والأمطار والرياح) بفضل تصميمه الذكي وتقنية “phased array” للهوائيات الرقمية، ويقدّم خدمات متعددة مثل المكالمات وبث الفيديو واستخدام الإنترنت، ومرونة في الاستخدام (ثابت، متنقل)، مع قدرة على التكيف التلقائي وتجاوز العوائق، مما يجعله مثالياً للمناطق النائية، وفي ميزات مقاومة التشويش والظروف القاسية يعتمد الجهاز على تعدّد مسارات الاتصال بحيث يوفر النظام مسارات متعددة للبيانات عبر عشرات الأقمار الصناعية، مما يضمن اتصالاً مستقراً حتى مع وجود عوائق مؤقتة (أشجار/مبانٍ)، ويضمن التكيف التلقائي حيث تنتقل المحطات الطرفية تلقائياً بين الأقمار الصناعية لمعالجة أي مشكلات أداء بشكل استباقي، ويضمن مقاومة للعوامل الجوية عبر تقنيات مصممة لتحمل الجليد والصقيع والأمطار الغزيرة والرياح القاسية، وتذيب الجليد تلقائياً وتعمل في درجات حرارة واسعة توفرها لأجهزة ستارلينك تقنية (Phased Array)، التي تتيح تتبع الأقمار بدقة دون الحاجة لأجزاء ميكانيكية متحركة، مما يزيد الموثوقية وما يسمح بنقل البيانات بسرعة فائقة بين الأقمار دون الاعتماد الكامل على المحطات الأرضية، إضافة إلى مرونة الانتقال عبر سرعات عالية وزمن استجابة منخفض (Low Latency) بما يدعم الأنشطة التي تتطلب معدلات بيانات مرتفعة كالفيديو والمكالمات.
- نجحت إيران بتعطيل استخدام 30 ألف جهاز ستارلينك تم إدخالها إلى إيران لتشكيل منظومة ضبط وسيطرة استثنائية، وعبر ستارلينك يتم ربط آلاف المسلحين المناوئين للنظام بالقيادة المركزية للقوات الأميركية في قاعدة العديد في قطر، علماً أن روسيا حاولت تطوير تقنية تعطيل أجهزة ستارلينك وفشلت، وتمكنت إيران بفعل ذلك من تتبع إشارات المنظومة وحاملي الأجهزة، الذين تمّ اعتقال كثير منهم.
- عندما تمّ تعطيل القوة الداخلية التي يعتمد عليها الغزو العسكريّ لإسقاط النظام، وتم تعطيل قدرة الأقمار الصناعية على التواصل مع حاملي الأجهزة في إيران وتم تحويل ما كان تفوقاً تقنياً حاسماً في الحرب إلى عبء كبير يكفي لإعادة النظر فيها.
(جريدة البناء)


















