إسماعيل النجار،*
فنزويلا على حافة سابقة دولية خطيرة، بلطجة أميركية طالت رئيس دولة ذات سيادة في سابقة خطيرة عواقبها وخيمة على جميع دُوَل العالم إذا لم تتحرك الدُوَل الكبرى!.
.تداعيات السلوك الأميركي القَذِر المَبني على القوة العسكرية والبلطجة ستكون كبيرة إذا ما وقف العالم وقفة رجُلٍ واحد في وجه دونالد ترامب وأفعاله المشينة على المستوى العالمي!.
صباح يوم أمس أعلنت الإدارة الأميركية تنفيذ عملية عسكرية داخل فنزويلا، تخللتها ضربات في العاصمة كراكاس ومناطق شمالية أخرى، وأعقبها تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب يفيد باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد لمواجهة تهم جنائية في الولايات المتحدة الأميركية.
في المقابل وصفت الحكومة الفنزويلية ما جرى بأنه اعتداء عسكري غير قانوني وانتهاك صارخ للسيادة، بينما أكدت عدة وسائل إعلام دولية كبرى أن تفاصيل مصير مادورو ومكانه لم تخضع بعد لتحقق مستقل كامل، ما يجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة.
هذه الفرضيات لا تفرِض تَبَنِّي صحة الرواية الأميركية أو تنفيها، بل تحلل التداعيات الاستراتيجية والقانونية والسياسية المحتملة إذا ما ثبتت الوقائع كما أُعلنت.
.المبررات الأميركية المعلنة تستند من خلالها واشنطن وفق تصريحاتها الرسمية، إلى جملة من الذرائع أبرزها اتهام الرئيس الفنزويلي بقيادة شبكة واسعة للاتجار بالمخدرات وتهديد الأمن القومي الأميركي.
الإشارة إلى مذكرات اتهام قديمة صادرة عن القضاء الأميركي بحق مادورو ومسؤولين في نظامه.
اعتبار العملية جزءًا من الحرب على الجريمة العابرة للحدود. غير أن هذه المبررات تُقابل بإشكالية قانونية مركزية أولها غياب إعلان صريح من الكونغرس الأميركي يجيز استخدام القوة العسكرية ضد دولة ذات سيادة، ما يفتح باب جدل واسع داخل الأوساط القانونية الأميركية والدولية.
ثانياً؛ الإطار القانوني الدولي يسأل هل نحن أمام سابقة ستتكرَر؟ وفق ميثاق الأمم المتحدة، الذي لا يُسمح باستخدام القوة العسكرية ضد دولة ذات سيادة إلا في حالتين.واحدة منها الدفاع عن النفس وفق المادة 51.
وبتفويض صريح من مجلس الأمن الدولي وفي حال ثبوت اعتقال رئيس دولة بالقوة العسكرية خارج من أي تفويض أممي أو موافقة حكومية، فإن ذلك يُعد، وفق غالبية فقهاء القانون الدولي انتهاكًا لمبدأ السيادة وخرقًا لمبدأ عدم التدخل.ويعتبر مساسًا مباشرًا بمفهوم الحصانة السيادية لرؤساء الدول.
.الخطورة هنا لا تتعلق بفنزويلا وحدها، بل بإمكانية تعميم هذا السلوك كنموذج قابل للتكرار ضد دول أضعف سياسيًا أو عسكريًا.
ثالثًا؛ يفترض الأخذ بعين الإعتبار المخاطر الاستراتيجية المترتبة على هذا السلوك الذي يدفع إلى تقويض منظومة السيادة الدولية!. فإذا مرّ هذا الحدث دون كلفة سياسية أو قانونية، فإن الرسالة الضمنية ستكون واضحة،
القواعد الدولية قابلة للتعليق عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
وهذا يهدد دولًا في أميركا اللاتينية، وإفريقيا، والشرق الأوسط، ويدفعها لإعادة حساباتها الأمنية والتحالفية.
وفتح باب الفوضى داخل فنزويلا.
.إن اختفاء أو اعتقال رأس السلطة في البلاد أمر بالغ الخطورة لأنه يخلق فراغًا كبيراً في القرار. ويؤدي إلى أن صراع شرعيات داخل المؤسسات. ما يؤدي إلى احتمالات انقسام داخل الجيش. ويقود إلى اضطرابات داخلية أو تحويل “المعارضة” إلى أداة لتدخلات أوسع، بدل انتقال سياسي منظم.
.الأمر شديد الخطورة حتى أنَّ دولاً لا تتفق سياسيًا مع مادورو قد ترى في ما جرى تهديدًا مباشرًا لها وللنظام الدولي، ما يدفعها إلى تسريع التسلح.
والارتماء في أحضان محاور مضادة.
ويُعزز مشاريع فك الارتباط بالنظام المالي الغربي. وهو مسار يحمل مخاطر بعيدة المدى على النفوذ الأميركي نفسه.
.في ظل ما حصل يبقى السؤال الأهم ٠هل نحن أمام حرب شاملة مع كراكاس؟ أم أنَّ اختلال موازين القوى العسكرية سيمنعها؟. في ظل غياب غطاء دولي عسكري لفنزويلا. لكن ضعف احتمال الحرب الشاملة لا يعني الاستقرار.
السيناريو الأرجح على الإطلاق حرب استنزاف غير مباشرة تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية تشمل ضغطًا سياسيًا طويل الأمد.
عقوبات أشد. مع خلق فوضى داخلية محسوبة. وإشعال حرب معلومات وإعلام. أي تحويل فنزويلا إلى ملف نزيف طويل لا إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
خامسًا؛ خيارات كراكاس الواقعية
الاستسلام الكامل لأمريكا وهذا خيار محفوف بالمخاطر، لأنه يعني فقدان الشرعية داخليًا. بالتقديرات الأولية الصمود العسكري المباشر أمام قوات أميركا غير واقعي.
.يبقى لدينا سيناريو آخر وهو صمود سياسي فنزويلي ومناورة دبلوماسية عبر تدويل القضية في الأمم المتحدة.
استثمار التناقضات بين القوى الكبرى. والحفاظ على تماسك الجيش. وتعبئة الرأي العام في أميركا اللاتينية.
سادسًا؛ صمت موسكو وبكين وإستنكارهم الغير مفيد هو تكتيك وليس حياد، والتحفظ الروسي الصيني يخفي في طياته صفقه سرية عقدها الأطراف الثلاث تقوم على مبدأ المقايضه كالتالي؛
مادورو مقابل زيلينسكي، وإيران مقابل تايوان، ولا شيء آخر يبرر جُرأة ترامب على القيام بهكذا عملية، ولا يبرر سكوت موسكو وبكين!.
ولا أحد يصدق أن روسيا والصين ليسوا مستعدين للصدام المباشر مع واشنطن من أجل فنزويلا. وترك الولايات المتحدة تتحمل كلفة الانفلات في الحديقه الأميركية الخلفية، ثم الاستثمار سياسيًا في نتائجه.
.في الخُلاصة ما بين المكسب التكتيكي والخسارة الاستراتيجية إذا ثبتت الوقائع كما أُعلنت، فنحن أمام سابقة خطيرة، الولايات المتحدة قد تكون حققت فيها مكسبًا تكتيكيًا سريعًا.
لكنها خاطرت بخسارة أخلاقية وقانونية واستراتيجية على المدى البعيد. لأن القوة التي تكسر القواعد لتنتصر، تصنع البيئة التي قد تُهزمها فيما بعد.
*كاتب ومحلل سياسي


















