الكاتب والمحلل السياسي يحيى دايخ
8 شباط 2026
تباعاً للجزء الأول من هذه الدراسة في البراغماتية والديناميكية الأمريكية كمنهجية وأسلوب للسيطرة على العالم، وفي رؤية استراتيجية تحليلية متكاملة، تتطلب ربطاً بين الجغرافيا الاستراتيجية، الاقتصاد التكنولوجي الجديد، الصراع الجيوسياسي مع الصين، والدور الأمريكي في إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط.
سأحاول القيام بتحليل مترابط يدمج كل هذه العناصر ضمن إطار استراتيجي أمريكي واضح، معتمداً على مؤشرات فعلية من تصريحات رسمية، تحركات سياسية وعسكرية، وقراءات جيوسياسية موثوقة.
*أولاً – الهدف الأمريكي الاستراتيجي: السيطرة على “معادن المستقبل” وقطع الطريق على الصين*
*الثروات الحيوية للعصر الرقمي:*
الولايات المتحدة تدرك أن الحرب التالية لن تكون نفطية أو غازية بشكل بحتي، بل معدنية وتكنولوجية بالدرجة الأولى.
فصناعة الرقاقات، الذكاء الاصطناعي، الأسلحة السايبرانية، والمركبات الكهربائية تعتمد على معادن نادرة مثل:
– الليثيوم (لبطاريات الطاقة)
– الكوبالت، النيكل، الرصاص النادر (REEs)
– الجرمانيوم، الغاليوم (لأشباه الموصلات).
وفقًا لتقرير وزارة الدفاع الأمريكية (2023)، 80% من المعادن النادرة المستخدمة في الصناعة الدفاعية الأمريكية تأتي من الصين أو عبر سلاسل إمداد تخضع لسيطرتها، وبالتالي من الطبيعي أن تبحث الولايات المتحدة عن طرق ووسائل تقلل أو تحد من سيطرة الصين على وارداتها من سلاسل الإمداد.
*الاستراتيجية الأمريكية: التنويع الجيوغرافي للسيطرة*
لهذا، بدأت واشنطن بـإعادة توجيه بوصلتها الجيوسياسية نحو مناطق غنية بهذه الموارد مثل:
*فنزويلا*: التي تحتوي على أكبر احتياطي ليثيوم في العالم (أكثر من 24 مليون طن).
وبالتالي قامت أمريكا بالضغط على نظام مادورو إبتداءً ليس فقط لأسباب “ديمقراطية و”حقوق الإنسان” و”محاربة المخدرات” إلخ…، بل لفتح القطاع المعدني أمام شركات أمريكية مثل (Chevron) من جهة، ولعزل فنزويلا عن النفوذ الصيني-الروسي من جهة أخرى، وصولاً الى خطفه، وبالتالي فرض سيطرتها على الثروات والمعادن الفنزويلية.
*غرينلاند (التابعة للدانمارك):* الغنية بالـREEs ، وقد حاول ترامب جهاراً شراءها عام 2019 ، قائلاً: “إنها ذات أهمية استراتيجية وأمنية هائلة”، والأن يكرر محاولاته بتصيم أكثر وأشد من 2019 سواءً بالشراء أو بإتفاق سياسي أو بالسيطرة العسكرية.
لذا أمريكا توسع وجودها العسكري هناك (قاعدة ثول الجوية) وتدعم استثمارات معدنية غربية، كل ذلك لمواجهة النفوذ الصيني الذي حاول الدخول عبر شركات مثل (General Nice) .
*أفريقيا الوسطى والكونغو*: حيث تتركز 70% من الكوبالت العالمي.
أمريكا تدعم مبادرات مثل مبادرة المعادن الحرجة (Critical Minerals Initiative) لبناء سلاسل إمداد بديلة عن الصين.
بالتالي الهدف الاستراتيجي الأمريكي الواضح: خلق “سلاسل إمداد آمنة” خارج نطاق النفوذ الصيني، لضمان التفوّق التكنولوجي والعسكري الأمريكي في العقود القادمة.
*ثانياً – الشرق الأوسط الجديد: محور إسرائيلي – أمريكي – تكنولوجي*
*الكيان الصهيوني كـ”رأس جسر* *تكنولوجي” أمريكي في المنطقة*
*واشنطن لم تعد تنظر إلى الكيان* *الصهيوني فقط كحليف أمني، بل كـشريك تكنولوجي استراتيجي من خلال:*
– يعتبر الكيان الصهيوني حالياً رائداً عالمياً في تقنيات السايبر، الذكاء الاصطناعي، الطائرات المسيرة، وأنظمة الحرب الإلكترونية.
بالتالي صفقات مثل “إبراهام أكوردز” ليست فقط تطبيعًا سياسياً، بل تحالفات تكنولوجية-أمنية (مثال: التعاون الثلاثي مع الإمارات في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة).
إذن الهدف: جعل الكيان المؤقت مركز قيادة رقمي (Digital Hub) يربط أمريكا بأسواق الخليج، ويُستخدم كمنصة لمراقبة واحتواء النفوذ الصيني والإيراني.
*ثالثاً – إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة*
*الرؤية الأمريكية العامة التي تبلورت منذ عهد (أوباما وتكثفت مع ترامب وبايدن وحالياً بشكل أشد مع عودة ترامب) تقوم على:*
– تفكيك المحور المقاوم دولتياً (الإيراني – العراقي – الحوثي)، ومقاومات (فلسطين ولبنان).
– ربط الخليج بدولة الكيان المؤقت اقتصادياً وأمنياً.
– تحويل الإمارات والسعودية ومصر إلى حلفاء استراتيجيين والباقي مثل الأردن وسوريا الجولانية وغيرها، الى دور وظائفي في مواجهة الصين وإيران.
وبالتالي، هذا ما يفسّر الضغط الأمريكي على السعودية لتطبيع العلاقات مع دولة الإحتلال، رغم ملفات العديدة وأبرز ملف حقوق الإنسان.
*رابعاً – إيران: العقبة المركزية…* *والخطة الأمريكية للتعامل معها*
*إيران كـ”دولة عتبة” تهدد المحور الجديد.*
*طهران تمثل تهديداً ثلاثي الأبعاد لأمريكا:*
عسكري: صواريخ بالستية دقيقة وفرط صوتية وذات قوة تدميرية هائلة، طائرات مسيرة ذات تقنيات متطورة، حلفاء إقليميون (حزب الله، الحشد الشعبي، الحوثيون، المقاومة الفلسطينية).
تكنولوجي: تقدّم سريع في الحرب السيبرانية، وقدرة على اختراق أنظمة الاتصالات الغربية، وقدرة متطورة على الحرب الإلكترونية.
جيوسياسي: شريك استراتيجي للصين (اتفاق الشراكة الاستراتيجية 25 عاماً، 2021)، مما يمنح بكين نفوذاً في قلب الشرق الأوسط، ومرتبطة بتحالف قوي مع روسيا، ولاعب إقليمي عالي الفعالية.
*خطة ترامب: “تغيير النظام” عبر الفوضى المُدارة*
في أواخر 2019–2020، خطّط فريق ترامب وفريقه بالبيت الأبيض بمشاركة “إسرائيلية” (خاصة مستشار الأمن القومي روبرت سي أولبرايت ومستشاره جون بولتون) لسيناريو يشبه “ليبيا 2.0” وتضمنت:
– المرحلة الأولى: دعم احتجاجات داخلية (مثل احتجاجات نوفمبر 2019 ضد رفع أسعار البنزين).
– المرحلة الثانية: تصوير النظام على أنه “يقتل شعبه”، لتبرير تدخل “إنساني”.
– المرحلة الثالثة: ضربات جوية محدودة + دعم ميليشيات معارضة (مثل منظمة منافقي خلق، منظمات إرهابية تكفيرية، منظمات “علمانية تحررية” معادية للنظام الإسلامي، عملاء للموساد الإسرائيلي) لخلق فراغ أمني وإداري حكومي ورسمي وبالتالي السيطرة على الإدارات الرسمية الحكومية وخلق فوضى عارمة يتمكن من خلالها الأمريكي من قلب نظام الحكم، كما إحتوى الربيع العربي ووجهه كمصرأو ليبيا.
والذريعة دائماً جاهزة “حماية المتظاهرين”، كما حدث في ليبيا 2011.
واليوم تكرر الإدارة الأمريكية نفس الخطة وبنفس اللاعبين، إلا أن الخطة فشلت لأسباب حاسمة أبرزها:
*السيطرة الإيرانية على الفضاء السيبراني المحلي.*
– استخدمت إيران أدوات محلية متقدمة (مثل مرشد، هوشيار) لتعطيل شبكات التواصل، تتبع منفيذي أعمال الشغب، واعتقال القادتهم ومشغليهم الميدانيين، والكثير من الشبكات المتعاملة مع الموساد الإسرائيلي.
– نجحت في تشويش وتعطيل إشارات ستارلينك (التي كان من المتوقع أن يستخدمها الناشطون للتواصل الخارجي)، عبر تقنيات حرب إلكترونية طوّرتها وحدة “قوة الدفاع السيبراني” التابعة للحرس الثوري بمساعدة روسية وصينية.
هذا التطوّر أذهل المخابرات الأمريكية (CIA) والموساد الإسرائيلي، اللذان كانا يفترضان أن الإنترنت عبر الأقمار الصناعية (مثل ستارلينك) “غير قابل للاختراق”.
*قدرة الجهورية الإسلامية الإيرانية على احتواء الفوضى عبر:*
– على عكس ليبيا أو سوريا، لم ينشق الجيش الإيراني، وبقي الحرس الثوري متماسكاً.
– أظهر الشعب الإيراني تمسكه بنظام الجمهورية الإسلامية وإلتفافه حول حكومته ودولته وحمايته لها من خلال التظاهرات المليونية المساندة للدولة.
– أظهر الشعب الإيراني وعيه وبصيرته بالمؤامرة الأمريكية الأسرائيلية التي تحاك ضد بلده بتحويل الإحتجاجات المطلبية المعيشية المشروعة الى أعمال شغب ومحاولات لقلب النظام وتدمير مقدرات الدولة، وإنسحبت الغالبية العظمى من الشوارع ليبقى المندسين فقط، مما سهل القبض على أجهزة الأمن القبض على المندسين والغوغائيين والعملاء.
*إيران الجيوسياسية والحسابات الدولية*
– روسيا والصين حذّرتا من أي تدخل عسكري.
– الدعم التقني واللوجستي عبر جسر جوي لإيران من الصين وروسيا.
– رفض الترويكا الأوروبية للسيناريو الليبي في إيران لتشكيله خطر جيو إقتصادي وأمني على الدول الأوروبية والعالم.
*بالتالي، يعمل الأمريكي اليوم على إستمرار سياسات الخنق الاقتصادي (العقوبات القصوى) + الاحتواء الإقليمي مع محاولات الإحتواء الدبلوماسي، مترافقاً مع التهديدات العسكرية وبالتحشيدات وإظهار القوة، للوصول الى إتفاقات تخضع إيران للمطالب الأمريكية، مقابل تصلب إيراني وإستمساك بالحقوق المشروعة لها دون تنازلات، مدعومة بجاهزية عالية عسكرية، الكترونية سيبرانية، وتقنيات متفوقة، وقدرات نارية متطورة ومؤلمة، ما يجعل العدوان عليها ليس بسيطاً مكلفاً أكثر من عدوان ال12 يوم سنة 2025 ما يسمى بالعلم العسكري “الردع بالكلفة”.*
*في الجزء الثالث والأخير سيتم مناقشة الربط الاستراتيجي الشامل: أمريكا vs الصين في الشرق الأوسط من هذه الورقة البحثية التحليلية بإذن الله.*