*أنا مؤمن بالتوحيد وهو أعلى مراحل الوعي الإنساني ومعه تصحّ مقولة “الرضى والتسليم نهاية العلم والتعليم” لأن مَن ارتقى وعيه لفهم الحياة والخلق اكتمل علمه
*أنا مؤمن بطائفة واحدة هي طائفة الإنسانيّة وبلغة واحدة هي لغة المحبة وبشعار واحد أحبّ الجميع وأخدم الجميع
* عند تقدّم أي من الزوجين طالباً التفريق أو الطلاق تُحال إلينا الدعوى للتواصل مع الزوجين ومصالحتهما إن أمكن وتوضيح الآثار السلبيّة للطلاق على كل من المجتمع والأب والأم والأولاد. ونسعى لتقريب وجهات النظر ولعب دور الوساطة الاجتماعيّة.
* خلال عملي كموجّه تربويّ لم أكن يوماً باحثاً عن الخطأ ومعاقبة صاحبه بل أسعى لحل المشكلة وهي وظيفتي التربوية والتقويمية، ولكن القوانين والأنظمة النافذة تعيق العمل لأنها لم تتطوّر مع تطوّر التكنولوجيا والمعلومات والعلوم الإنسانية والإدارية.
* كل شهداء قريتي أم الزيتون من 2011 إلى 2025 قاتلهم التطرّف الديني والتكفير الذي جعل أبناء الشعب السوري طوائف متناحرة. تتبدّل الأسماء والشعارات ولكن القاتل واحد إنه بندقية للإيجار مرة لخدمة التركي ومرة الإسرائيلي.
*في سورية عموماً والسويداء خاصة لا ينجح الزواج المدني لأن الناس لم تتعوّد على تقبّل الآخر المختلف وتنظر إليه أنّه كافر. إذن الزواج المذهبيّ هو الأنسب. لكن في مرحلة تطوّر فكري وثقأفي نصبح لا نسأل عن دين الشخص أو مذهبه يصبح الزواج المدنيّ ممكناً ومناسباً.
أم الزيتون خليّة النحل المنتج. عشنا التحدي أرادوا قتلنا، ولكننا نحب الحياة. وصلت الأموال من المغتربين وقامت لجنة الإغاثة بتأمين العلاج للجرحى والأسر الفقيرة وأسر الشهداء والطعام للمرابطين على حدود القرية لحمايتها
تقديم هاني سليمان الحلبي
أعلنت إدارة منصة حرمون مطلع العام الماضي (2025) عن برنامج “مقابلات 2025-2026” في مواكبة لمئوية الثورة السورية الكبرى، وزاد البرنامج غنًى بالتوأمة التي انعقدت مع مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، منذ سنتين، لمواكبة هذه المئوية التي تأبى إلا أن تعمّدها الدماء والنار، لتأكيد طابعها وهويتها القوميّة والوطنيّة، وأجريت عشرات المقابلات سيكون لها إنْ شاء الله حظٌّ بنشرٍ في كتاب مستقل.
وهذه المقابلة تحاول كشف جوانب عدّة من قصة نجاح لمربٍّ عصامي تستطلع حوافز التقدم وعوامل الارتياد بلوغاً إلى أعلى الدرجات المتاحة، بخاصة أن ضيفنا اليوم تخصص بالفلسفة وتدريسها للصفوف الثانوية، وهذا يتيح له إمكانية سبر الأفكار بعمق واستطلاع أعماقها فضلاً عن كونه قانونياً ما اتاح له إشغال وظيفة محكم في المحكمة المذهبية في السويداء، بحيث يمكنه تعريف متابعي منصة حرمون على واقع الأسر الاجتماعي وتأثره بظروف الحرب والأزمات وازدياد حالات التفريق أو الطلاق من جراء ذلك، وواقع حكم الطلاق حسب مذهب الموحدين الدروز، والحاجة إلى تقريب ذات البين بين قلوب الشركاء حماية للأسر، لأنه بعد إصدار الحكم بالتفريق يمنع العودة ثانية إلى الحالة الزوجية بين الشريكين نفسيهما، وقبل ذلك كله تعريفنا إلى واقع قرية حبيبة وتاريخها وهي أم الزيتون، التي تكنت بشجرة مقدسة، فاكتسبت منها الخضرة والثبات والعراقة والفرادة..
ضيف منصة حرمون في هذه المقابلة هو المحكّم المربي مروان رشيد كرباج في حوار شيّق غني بالمعلومات والمعنى وجدير بالقراءة والقطف لثماره.
تنسيق وإعداد فادية رياض الجرماني
1- ممكن تعريف قرّاء ومتابعي منصة حرمون إليكم؟
أنا مروان رشيد كرباج. السويداء شهبا أم الزيتون، مواليد العام 1962 ميلادي، إبن أسرة مستورة الحال. تعلّمت المرحلة الابتدائية في مدرسة القرية وأكملت تعليمي الثانوي في ثانوية الشهيد إبراهيم زين الدين في شهبا، كنتُ طالباً مجتهداً حصلت على شهاده التعليم الثانوي الفرع العلمي 1980 وسجلت في الصف الخاص/ معهد إعداد المعلمين نظام السنتين/ وبعد التخرّج عملت معلماً على الصف السادس الابتدائيّ في مدرسة القرية لمدة ست سنوات. وفي عام 1983 أعدت دراسة البكالوريا الفرع الأدبي وسجلت في جامعة دمشق كلية الآداب قسم الفلسفة وتخرّجت من الجامعة بعد أربع سنوات بمعدل جيّد؛ بناء عليه انتقل عملي إلى التعليم الثانويّ مدرساً لمادة الفلسفة في ثانويات شهبا حتى 2007 تمّ تكليفي موجّهاً اختصاصياً لمادة الفلسفة. وفي عام 2009 تمّ تكليفي مدير التربية المساعد للتعليم الأساسي والطلائع حتى 2012 انتهى تكليفي في مديرية التربية وعدت إلى التدريس لمادة الفلسفة حتى نهاية العام 2022، تمت إحالتي للتقاعد لإتمام السن القانونية وعملت مدة في كلية التربية في السويداء بقسم التربية العمليّة أثناء عملي حصلت دبلوم تأهيل تربويّ من كلية التربية في دمشق ودبلوم دراسات عليا في التربية من كلية التربية في جامعة دمشق، والآن أعمل محكّماً في لجنة التحكيم في المحكمة المذهبية في السويداء التي تهتمّ بالسعي لحل المشاكل الزوجية بين الزوجين لمنع تدمير الأسرة بالتفريق أو الطلاق.
2- حبذا أن تحدّثنا عن النشأة؟ وما أبرز ما حفر في وجدانك من مواقف أو تحدّيات جعلتك تكتشف نفسك؟
ولدت في قرية أم الزيتون الهادئة والجميلة والمتحابة، قليلة الخلاف، كثيرة المجاملات بكل المناسبات. في المدرسة عشنا التربية الشديدة التي لا تسمح بالخطأ مع عمي المعلم حسن إبراهيم كرباج والأستاذ فوزي توفيق الجرماني، حيث أثّرا عميقاً في تربيتنا وحبّنا لإتمام الواجبات وحصلت حرب السادس من تشرين 1973 التي أشعرتنا بلذة النصر والتحدّي والبطولة وتقديم الشهداء مثل عمّي المدرس الشهيد زيد حسين كرباج الذي أصيب في يده ورفض فترة النقاهة ليلتحق بالجبهة ويُستشهد. هذه البدايات لتحسّس الشعور الوطني من جهة والشعور بالمسؤولية الاجتماعية في حياتنا. شعرت أننا يجب أن نكون ناجحين لنسهم في بناء بلدنا. وبصدق أثر بي دخول القوات السورية إلى لبنان ووقوفها بوجه القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية والفلسطينية، حيث زرعت في عقلي الشك في مصداقيّة الحكم في سورية. عملت في حزب البعث العربي الاشتراكي ولكن دون تعصّب، حيث كنتُ ناقداً أكثر بكثير من مصفق. هذه المواقف كان لها الدور الأكبر في صياغة شخصيّتي.
3- كيف صنعت قصة نجاحك؟ وعززتها في العمل؟ بماذا تتوجّه لشباب اليوم المقبلين إلى التخصص والعمل؟
أحبّ أن أسأل نفسي وعقلي وقلبي هل نجحتُ في حياتي؟ نعم، نجحت على قدر ما أملك من قدرات وما أجمل من إرادة وإصرار على النجاح، وبما سمحت الظروف المحيطة بي أنا إبن طائفة الإنسانيّة طائفة التوحيد الحبّ في حياتنا أساس والانفتاح العقلي على الآخرين أساس آخر والرضى بكل ما يحدث أساساً ثالثاً. باختصار الطفل الفقير ليس لديه ترف التمتّع إلا بما ينتج. هذا كان هاجسنا أنا وأبناء قريتنا أن ننجح ونستفيد من تجارب الآخرين. أشكر كل من اعتبرني مشروع نجاح وأقول لشبابنا احترم أهلك وأجدادك واعتزّ بما تقدّمه أنت للحياة. هناك طريقان حسب وجهة نظري طريق العلم المتقن أو طريق العمل المهني المتقن اختر أحدهما ولا تضيّع الوقت.
4- لماذا اخترت مجال التعليم؟ ماذا ترى في واقع برامج التعليم الراهنة ومدى مواكبتها لتطوّر العلم التربويّ الحديث؟
اخترتُ مجال التعليم أو هو مَن اختارني. كل منهما احتمال وارد. التعليم يُشعرني بتحقيق ذاتي عبر التفاعل مع الطلبة أطفالاً كانوا أم شبابلً، لأني تعاملت مع طلابي بالمحبة والمودة والاحترام فكانوا خير مَن يقابل الحب بالحب والاحترام بالتقدير، مما أسهم في نضج انطباعاتي وطرائق تعاملي مع الناس والأصدقاء متمثلاً قول أحد الحكماء “المحبة هي لغة الكون وطريقك إلى الله عزّ وجل”. بكل الألم أقول لم يرتقِ التعليم في بلادنا ليصبح قادراً على بناء إنسان يثق بنفسه وبمعلمه ومجتمعه، بل كل ما نقوم به نقل معلومات ومعارف تتبخر أكثريتها بعد الامتحان. علينا الانتقال من النجاح والتخرّج كهدف إلى التربية والبناء الإنساني. وفي بلدتي يكرّر أهلها مستعدّ لبيع بيتي حتى يتعلّم أبنائي.
5- اخترت الفلسفة تخصصاً. هل صدفة أو باختيار دقيق؟ وبرأيك ماذا تقدّم الفلسفة للفكر وللحياة وللمجتمع؟
اخترتُ دراسة الفلسفة لعدة أسباب، منها حتى استمرّ في عملي مدرّسا حبّاً بالمهنة التي وجدت نفسي وعقلي وقلبي فيها، ولأنها تُغني الفكر وتفتح باب التساؤل وتجعل فكرنا بعيداً عن التقليد الأعمى لما هو سائد، حيث وجدت بكل مدرسة فلسفيّة أو مفكر أجوبة لجانب من جوانب الحياة يغوص فيها ويكشف تفاصيلها، ولكنه يهمل الجوانب الثانية واقتنعت بمقولة فلسفيّة أن كل مدرسة فلسفية صادقة في ما تثبت، خاطئة في ما تنفي. الفكر الفلسفيّ عبر الحياة قاد الطريق إلى آفاق جديدة دوماً وما زال. لا حياة بلا تفكير أيّ بلا تفلسف فكلّ منّا فيلسوف بمعنى من المعاني.
6- أستاذ مروان، تولّيت مسؤولية موجّه لمادة الفلسفة في دائرة التربية في السويداء. كيف تقيّم هذا العمل ودوره في رفع مستوى تعليم المادة؟
في عملي موجهاً اختصاصياً لمادة الفلسفة في السويداء تعاونتُ مع زملائي لنتعلّم من بعضنا البعض. فلكل زميلة أو زميل جوانب مميّزة ونقاط ضعف نتحاور لتعزيز الايجابي وتخفيف أثر السلبيّ ضمن روح الفريق المتعاون فسادت علاقات محبّة وطيبة بين الجميع بما يُسهم في تطوير العمل المهنيّ ليصل إلى الإتقان في عملي لم أكن يوماً باحثاً عن الخطأ ومعاقبة صاحبه بل أسعى لحل المشكلة وهي وظيفتي التربوية والتقويمية.
7- ما الخلاصة التي قطفتها من عملك معاوناً لمدير التربية للتعليم الأساسيّ في السويداء حتى 2012؟
كلّفت معاون مدير التربية للتعليم الأساسي والطلائع عملت بروح التعاون مع مدراء المدارس والزملاء على تذليل الصعوبات التي تواجه مدارسهم وصفوفهم محافظاً على زملائي حتى يستطيعوا القيام بواجبهم. بابي كان مفتوحاً دوماً للجميع، وشعرت بأن أسلوبي لاقى ارتياحاً في صفوف العاملين في التعليم الأساسي، ولكن القوانين والأنظمة النافذة تعيق العمل لأنها لم تتطوّر مع تطوّر التكنولوجيا والمعلومات والعلوم الإنسانية والإدارية، فكان انتهاء تكليفي لأسباب سياسيّة وأمنيّة لأني لا أصفّق للحكام.
8- عملك في المحكمة المذهبية في السويداء بصفة محكم لدراسة دعاوى الطلاق والسعي للتوفيق بين الزوجين ومصالحتهما نراه عملاً قانونياً لكنه مهمة نبيلة، كيف تقيّم واقع الزواج وما يترتب عليه من أعباء في الظروف القاسية التي تمر فيها البلاد؟
منذ أربع سنوات عملت في المحكمة المذهبيّة في السويداء في لجنة التحكيم لفض النزاعات الأسريّة مع مجموعة طيبة من الزملاء المحكّمين من أهل الخبرة والمعرفة بالعلاقات الاجتماعية والاسرية. عند تقدّم أي من الزوجين طالباً التفريق أو الطلاق تُحال إلينا الدعوى للتواصل مع الزوجين ومصالحتهما إن أمكن وتوضيح الآثار السلبيّة للطلاق على كل من المجتمع والأب والأم والأولاد. نسعى لتقريب وجهات النظر ولعب دور الوساطة الاجتماعيّة. عملنا فيه عدة جوانب تعمل معاً من الناحية القانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن آثاره علينا القلق على مستقبل العلاقات الأسرية في السويداء عندما ترتفع أعداد طلبات الطلاق وخاصة في حالات الزواج الجديدة.
9- هل ترون الزواج المذهبي حالة صحيحة، فلكل طائفة محكمتها وقانونها ومفهومها للحق في ظل سيادة دولة ملتبسة؟
الزواج المذهبيّ تعبير عن أن المجتمع يعيش في ظل الطائفية وما ينتج عنها. كل طائفة لها طقوسها وعاداتها. هنا يتبادر إلى ذهني السؤال: هل تؤيّد الزواج المذهبي أم الزواج المدني؟ بالعموم أنا أرى أننا أبناء طائفة الإنسانية نحن بني البشر خلقنا الله ومنحنا العقل، اذن لا فرق بين الناس وعلينا حب الخير للجميع وخدمة الجميع، ولكن في سورية عموماً والسويداء خاصة لا ينجح الزواج المدني لأن الناس لم تتعوّد على تقبّل الآخر المختلف وتنظر إليه أنّه كافر. إذن الزواج المذهبيّ هو الأنسب. وفي مرحلة تطوّر فكري وثقأفي سنجد أننا لا نسأل عن دين الشخص أو مذهبه يصبح الزواج المدنيّ ممكناً ومناسباً. وتعرّضت لسؤال من أحد الأشخاص كان يوماً ما من طلابي قال: أحبّ فتاه من مذهب أخر وأريد الزواج منها ما رأيك؟ قلت له ستتعرّض لعدّة مشكلات منها رفض أهلك أولاً وعدم تقبّل المحيط الاجتماعيّ لزوجتك، ثانياً معاناة بناتك مستقبلاً ووو إذا كنتَ قادراً على التحمّل والمواجهة أنت مَن يجب أن يتّخذ القرار: هل تتزوّج زواجاً مدنياً أم لا؟
10- أم الزيتون قرية معطاء، وتبدو فيها مزايا عن غيرها من المدن والقرى، حافلة بالمتعلمين وبأصحاب المبادرات والصناعة والأنشطة، وتبدو لا تشبه قرى العمق السويداوي الداخلية، كيف ترى إليها؟ ماذا عن تسميتها وعن تاريخها؟
أنا إبن قرية أم الزيتون الجميلة التي تجاور من الجنوب جبل شيحان وتقع على طريق دمشق السويداء. يبلغ عدد سكان قريتي 3600 شخص تقريباً، متعلمون حتى الشهادات العليا. لا يوجد في بلدنا أشخاص أميون. شبابنا مكافح منتشر في كل القارات ويحقق النجاح علمياً واقتصادياً. فيها ثلاثة معامل خيأطة مميّزة، وكثير من أهلنا فلاحون يعملون بالزراعة التقليدية والمرويّة التي تضمّ أفضل أنواع الفاكهة والخضار عالمياّ، كأصناف الدراق، المشمس، اللوز، العنب والزيتون. وفي الجانب الأخلاقيّ والاجتماعيّ نجد المحبة عنوان ڨريتنا. كتبنا على مدخلها “نحن نحبّ أم الزيتون”. قليلة حالات الخلاف بين الناس. التسامح سلوك دائم بيننا. قال أحد رجال القرية الكنية مسجّلة على الهوية ونحن عائلة واحدة. ومنذ أن سكن أجدادنا القرية كان في اللجاة التي تقع غرب القرية (وهي أرض صخرية) أشجار الزيتون، ولكن الرعي قضى عليها. مَن ينظر لقريتنا يجدُها بساطاً أخضر. أهلنا ذوّاقون يهتمون ببناء بيوتهم وشرفاتهم ممتلئة بالورود. لدينا أثار رومانيّة قديمة ولدينا معالم سياحيّة، استراحة راقية ومسابح مميّزة.
11- كيف ترى الوضع الحالي الذي تعيشه المحافظة حصراً، وسورية عامة؟ وكيف يمكن العبور إلى الوطن الواحد من هذا الوضع؟
السويداء تعيش الآن أصعب مرحلة بتاريخها كيف لا وهي قلعة الوطن المدافعة عن ترابه واستقلاله وتتنكّر لها السلطة الانتقالية في دمشق فتهاجم قواتها قرى المحافظة ومدنها قاتلة سارقة مدمّرة حارقة بيوتها وتتهمهم بوطنيّتهم ودينهم. ووجودهم حتى أصبح العدو ملاذاً وحامياً، كم أجرم بحق سورية وشعبها مَن جعل الإنسان خائفاً على حياته وعرضه ورزقه من أبناء شعبه. دخلت قوات الجيش والأمن العام والعشائر في 14/7/2024 المحافظة من الغرب ومن الشمال تحت شعار أحرقوا الأخضر واليابس، ووثّقت صورُهم ومقاطعُ الفيديو التي نشروها مجازرهم، استجابت الأنفس الطاهرة دفاعاً عن الأرض والعرض وكان التحرير لمدينة السويداء وبعض القرى ومنها قريتي الغالية أم الزيتون. وهنا برزت روح التعاون كلٌّ يقدّم إمكانياته؛ المغترب قدّم ما يقدر عليه وكثير من أصحاب البيوت فتحوا بيوتهم لمن هُجّر من بيته. هنا لا بدّ من طرح بعض الأسئلة هل كانت خياراتنا السياسية صائبة وإلى أي حد؟ هل كان من الممكن تفادي هذه المجزرة؟ هل ضربُ الساحل والسويداء جزء من مخطّط تآمري على سورية وشعبها؟.. وسأعرض مثالاً على شعبنا في السويداء كيف استجابت قريتي أم الزيتون للكارثة، دخل الأعداء القرية وتمّ تحريرُها بهمة شباب القرية والقرى المجاورة وشباب شهبا. ثم دخلت القوات ثانية وبعد عدة أيام استطاع حماة الأرض والعرض وأصحاب النخوة تحريرها وسقط على أرضها عشرات الشهداء من أبناء القرية وشهبا والقرى المجاورة لنجد نصف بيوت قريتي محترقة، بعد أن سرقوا أثاثها وسياراتها. وفي اليوم التالي كان شباب قريتنا في الداخل والمغتربات يتنادون لتشكيل لجنة الإغاثة التي وضعت نصب أعينها مساعدة أهالي القرية للعودة إلى القرية. البعض تعهّد بإصلاح شبكة الكهرباء وهناك من أمّن الماء مجاناً للبيوت وأحد شباب القرية أمّن الخضار والفواكه، والدكتورة فينوس مهنا التي احترق بيتها وصيدليتها فتحت صيدلية في محل غير محترق وتعاون أهل القرية لتشغيل الفرن… إنها خليّة النحل. عشنا التحدي أرادوا قتلنا، ولكننا نحب الحياة. وصلت الأموال من المغتربين وقامت لجنة الإغاثة بتأمين العلاج للجرحى والأسر الفقيرة وأسر الشهداء والطعام للمرابطين على حدود القرية لحمايتها، أعضاء لجنة الإغاثة يعملون في النهار ويجتمعون في الليل مع شباب من القرية في الاستراحة السياحية true Sbarro التي قدمها صاحبها الكريم مضافة للقرية في لمناقشة ما أنجز وخطة الغد… ولا بدّ من وقفة مع إبن أم الزيتون البار أبو قصي إحسان كرباج الذي قدّم الفرش والأغطية وسيارة كبيرة مواد غذائية ومادة المازوت للتدفئة والعلاج في مشفى الحكمة لكل الجرحى، وكلما احتاجت القرية يكون بالمقدمة…. نساء قريتنا دوماً بالصدارة شكلن لجنة الإغاثة النسائية في الداخل والمغتربات وقدّمن ما فيه الجمال والروعة وزعن السجاد على من احترقت بيوتهم وصنعن مخدات واشترين لكل طفل حتى سن 12 عاماً سترة جلدية وبنطالاً وحذاء وطاقية وكفوفاً ووزعن مواد غذائية على الأسر كبيرة العدد لحماية الأطفال من الحاجة وأخيراً لكل طفل كيس يملأ بالماء الساخن لتدفئة فراشه ومعه لعبة يحضنها… وووو… هذه أمّ الزيتون وهذه السويداء. نحن شعب يحبّ الحياة ونحبّ كل الناس… سورية الجميلة التي نحبّها وطننا لجميع أبناء الشعب السوري، ولكننا لا نحبّ عصابة إرهابية تدمّر سورية باسم التطرف الإسلامي، وعندما تمدّ سورية الحرة من الإرهاب والتطرف يدها للسويداء تلاقيها بالحب والعطاء.
12- كونك تميل للهدوء والروحانية وضد العنف والسلاح، هذا شرط مناسب لوضوح الروح وصفاء النفس ونقاء السريرة والعطاء الفكري، ماذا لديكم منه؟
أرى نفسي ميالة للهدوء والروحانيّة وأعتقد أن هذا العالم المادي بكل أشكاله الجامدة والحيّة هو الجانب المنفعل بالجانب الآخر الروحي أو النفسي أو العقلي، حسب ما يسميه كل إنسان. وهذا الجانب المادي الفاني ليس معبّراً عن حقيقتنا وجوهرنا الخالد هو الروح النور الإلهي، لذلك من طفولتي أرفض العنف بكل أشكاله وبخاصة الحروب. أحبّ السلام وأرى أنه الطريق الوحيدة المناسبة للحياة والتي يحترم الاختلاف ويقبله ويعلي من شأن خصوصيّات الإنسان/ المعتقد، الرأي، الأسلوب…./ وأنا مؤمن بالتوحيد وهو أعلى مراحل الوعي الإنساني ومعه تصحّ مقولة “الرضى والتسليم نهاية العلم والتعليم”، لأن مَن ارتقى وعيه لفهم الحياة والخلق اكتمل علمه، وأعتقد أن الإنسان يصنع قدره الخاص عبر اختياراته والله عادل رحمان رحيم باختصار أنا مؤمن بطائفة واحدة هي طائفة الإنسانيّة وبلغة واحدة هي لغة المحبة وبشعار واحد أحبّ الجميع وأخدم الجميع تقبّلنا الله وأهدانا جميعاً.
13- إبنكم عمر، رحمه الله، اختاره الله شهيداً ضد أعداء الإنسانية الراقية، بماذا تتوجّه إلى روحه هنا؟
عند بداية الأحداث في سورية في آذار العام 2011 كان ولدي عمر مروان كرباج قد أنهى الخدمة العسكرية وفي شهر أيار طُلب للخدمة الاحتياطية والتحق في ريف دمشق، ثم نقل إلى فرع أمن الدولة في درعا، ثم نقل إلى بصرى الشام. وفي يوم السبت 5/2/2012 كان في طريقه هو واثنين من زملائه إلى بصرى الشام فتعرّضوا لهجوم إرهابي أدّى إلى استشهاد ولدي عمر وزميله مالك الحلبي من قرية عتيل. مَن كان يدّعي النضال ضد الفساد أثبت أنه أكثر فساداً عندما تسلّم السلطة. وكل شهداء قريتي أم الزيتون من 2011 إلى 2025 قاتلهم هو التطرّف الديني والتكفير الذي جعل أبناء الشعب السوري طوائف متناحرة. لروحك الطاهره السلام يا ولدي الغالي ولأرواحكم الطاهرة السلام شهداء قريتي وسورية كلها. تتبدّل الأسماء والشعارات ولكن القاتل واحد إنه بندقية للإيجار مرة لخدمة التركي ومرة الإسرائيلي. ندعو الله الرحمن الرحيم أن يهدي الجميع للسلام والتسامح بين كل الطوائف ليعمّ السلام ربوع سورية الجميلة بلد الحضارات حقاً أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة الرحمة للشهداء الأبرار والسلام والأمان للأحياء والسلام.
14- مع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية، ماذا ترى في مناسبة المئوية وكيف يمكن تطويرها؟
لم تكن الثورة السورية الكبرى فقط ثورة ضد المستعمر الفرنسي للأراضي السورية، حيث تجسّدت عبر أبعاد متعددة منها: 1- ظهور سلطان باشا الأطرش كقائد بكل ما للكلمة من معنى فهو القائد العسكريّ أمام رفاقه الثوار، وهوالقائد التوحيديّ الذي يُظهر الأخلاق الحميدة التوحيدية في معاركه فيحترم البيئة ويحافظ عليها ويحترم الأسر والنساء والأطفال، وهو القائد الذي لا يخاف العدو حيث هاجمت طائرة فرنسية الثوار وقت تناولهم الطعام فلم يتحرّك من مكانه، وهو القائد الذي أعطى قطعة أرض واقعة بجانب قطعة أرض للأخوة المسيحيين قائلاً “بدنا كنيسة كبيرة تتّسع لنا ولكم”. وبعد كل المعاناة والنفي والبعد عندما تحرّرت سورية رفض تقلّد أي مهمة سياسية وقال: “حرّرنا الأرض وانتهى دورنا”. هذه شخصية القائد سلطان الأطرش الرافض لكل المغريات ليعود إلى أرضه فلاحاً مكافحاً يأكل من تعب يمينه حلالاً، ورفاقه الثوار لم يكونوا أقلّ منه خلقاً وشجاعة مما جعل أجمل الكلمات التي قيلت عن الثوار وقائدهم تجري على لسان غورو والضباط الفرنسيين. وأخيراً علينا استلهام تاريخ هذا القائد الفذ والتعلم منه.
15- نشط منذ سنتين معهد سميح للتنمية في إصدار موسوعة ذاكرة الثورة ومن ثم انطلق في رعاية ندوات وإصدارات تغني مكتبة سميح للثقافة في السويداء، وليس آخرها كان كتاب “صفحات من تاريخ جبل حوران” بأقلام 5 باحثين أعلام. ما رأيك في هذا النشاط؟
نشاط مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون والأدب نقطة مميزة إلى جانب نشاطات فردية متنوّعة وغنية في البحث وراء أخبارهم وقصصهم وأقوالهم، لأنها صفحة مجيدة من صفحات المجد التوحيديّ الوطنيّ والأخلاقيّ، وساهم المركز بجعل هذا التراث الغني بمتناول اليد عبر أمسيات وندوات وحوارات تؤصل لرؤية دقيقة له.
















