مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.عبد_المجيد_زراقط: رحيل #جبُّور_الدّويهي في وطن طارد أبناءه

 

 د.عبد المجيد زراقط

فقدت الحياة الأدبية، منذ أيَّام، في لبنان والوطن العربي، الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي والقاصَّ والرِّوائي جبُّور الدّويهي (١٩٤٩- ٢٠٢١).

درَّس جبُّور الدّويهي اللُّغة الفرنسية واَدابها في الجامعة اللبنانية، وكتب افتتاحيَّات ومقالات نقديَّة في صحيفتي : L’ orient ExpressوL’ orient Litteraire، وكتب رواية : ” روح الغابة ” – ٢٠٠١ للناشئين بالفرنسية، ومجموعة قصص قصص قصيرة: ” الموت بين الأهل نعاس ” – ١٩٩٠، ثم تحوَّل لكتابة الرواية، واَثر أن يكتب بالعربية، وهو المختص باللغة الفرنسية واَدابها، والحامل دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة باريس الثالثة ( السوربون الجديدة ). ويقول، في هذا الشأن : أنا لاأريد أن أكون كاتباً ” فرنكفونياً “. أريد أن أكتب عن تحوُّلات الحياة في وطني بلغة وطني.

وتتالت رواياته، كما يأتي : اعتدال الخريف – ١٩٩٥، ريَّا النَّهر – ١٩٩٨، عين وردة – ٢٠٠٢، مطر حزيران – ٢٠٠٦، شريد المنازل – ٢٠١٠، حيّ الأميركان – ٢٠١٤، طبع في بيروت – ٢٠١٦، ملك الهند – ٢٠١٩، وسمٌّ في الهواء – ٢٠٢١.

نالت أعماله جوائز عديدة، وترجمت الى عدة لغات عالمية.

كان، كما يجمع عارفوه، مثقَّفاً واسع المعرفة عميقها، طليَّ الحديث، لمَّاح، متواضعاً، حادَّ الذكاء، يجيد الحوار، ولا يخلو خطابه من سخرية ناعمة ولاذعة في اَن.

في اَخر تكريم له، في الجامعة الأنطونية، ضمن سلسلة ” اسم علم ” رأى أن شخصيات رواياته صُبغت بتحوُّلات لبنان، خلال القرن العشرين، وأهمُّها الحرب والهجرة…، وتفيد قراءة أعماله أنَّها كتابة لهذه التحوُّلات من منظور راء وكاشف، يرى أنَّ ” الموت بين الأهل نعاس “، وأين هم الأهل في وطن تتالى فيه الخيبات مثل زخات المطر في كانون، وتُهدر فيه الطاقات، وتُوأد الأحلام، فيتمثل الوطن مكاناً طارداً لأبنائه !؟

لكنه، واذ يكتب حكاية صراعات ” برقا ” الممزقة، في ” مطر حزيران “، ومنزل ” عين وردة ” المعطَّل بفقد الحوار، وكرم المحمودية الفاقد خصبه الفعلي في ” ملك الهند “، وفقد المكان الصالح للعيش ل” شريد المنازل ” العابر للطوائف، يبقى غير قادر على التخلي عن هذا الوطن، فكأنه الراوي في ” اعتدال الخريف”، القائل : ” أنا لاأتخلى عن فكرة أنني، بعد موتي، سأبقى هنا بقربها ( بلدته ) تحت أشجار الكينا “.

يأخذ الدّويهي، كما يقول، الوقت الكافي لكتابة روايته، فيعيد كتابة الجمل والمقاطع عشرات المرات، اضافة الى أنه بدأ الكتابة ناضجاً، كما يضيف. (العربي الجديد، ١/ ٣/ ٢٠١٨). وعن علاقته بالوقع – المرجع الذي تصدر عنه رواياته، يقول : أنا أظهِّر الواقع، ولا أصنعه، فالتخيُّل الروائي يتمثل في هذا ” التظهير “، الخاص، من منظور خاص راء وكاشف.

يأخذ جبُّور الدويهي مادة رواياته الأوَّلية من وقائع حكايات الحياة اللبنانية، ففي كل رواية حكاية، فعلى سبيل المثال : في ” عين وردة ” أفول ” اَل الباز “، وفي ” مطر حزيران ” حكاية حادثة ” مزيارة”، وفي” شريد المنازل ” حكاية الطوائف والهوية القاتلة، وفي ” حي الأميركان ” حكاية البؤس الذي أنبت التكفير…

تتمثل هذه الحكايات، لدى “تظهيرها”، من منظور الروائي الخاص، في بنى روائية متنوِّعة، ففي ” عين وردة “، يروي الراوي العليم قصة أسرة ” اَل الباز ” التي تعيش في منزل قديم، ولاشيء يجمع أفرادها سوى جدران المنزل. لكن هؤلاء الأفراد يرغبون في الظهور مثل أسرة طبيعية، أو مثل ” أهل “، لكنهم ليسوا كذلك، فهم يعيشون في منزلهم القديم كأنهم خارج الزمن، أو كأنهم مثل هذا المنزل، وهنا يؤدِّي الوصف الخلاَّق للدلالة دور الدال الناطق بهوية البيت وساكنيه، والبيت، كما هو واضح، علامة دالة على الوطن / لبنان وأبنائه.

تتخذ هذه الرواية بنية خيطية تتكسر بالاسترجاع، وتتقطع بالخطاب، وخصوصاً بالوصف الخلاَّق، ويلاحظ تجويد اللغة غير المجاني.

وفي ” مطر حزيران ” تعرف ” برقا ” الممزَّقة بصراعاتها مطرين : مطر الرصاص ومطر السماء الذي أنقذ الكثيرين من الموت.

تتخذ هذه الرواية بنية حبكة بوليسية تبدأ بحادثة مشوِّقة، تتمثل في طلب ادارة مدرسة داخلية من تلامذتها العودة الى بيوتهم، فلمَ يحدث ذلك ؟ وما هيىالحادثة التي أدت الى اتخاذ هذا القرار ؟

لمعرفة حقيقة ماحدث، يعود ” ايليا الكفوري” من المهجر الى القرية، بعد أن بلغ الأربعين من عمره “، وعاش في غربته ممزَّق الهوية، لمعرفة حقيقة مقتل والده، في حادثة اطلاق نار وقعت في العام ١٩٧٥، وقُتل فيها عشرات الأشخاص، لكنه لايصل الى نتيجة…، وتبقى النهاية مفتوحة، اذ تتعدد وجهات النظر والأصوات، وتتداخل الروايات…

وفي رواية ” شريد المنازل ” ينشأ ” نظام ” المسلم في كنف أسرة مسيحية، ويكون سعيداً بأنه ابنٌ لعائلتين محبوب منهما. لكنه يقتل بسلاح احدى الميليشيات الطائفية.

تثير هذه الرواية أسئلة، منها : هل يعني قتل ” نظام ” أن لامكان لأمثاله في مجتمع طائفي ؟ وهل يرمز ” نظام ” الى لبنان الذي تقتله الطوائف عندما تتشكل شخصيته من مكوِّنيه معاً ؟ وهل يعني هذا أن لاحياة للبنان ان بقيت الهويات الطائفية والمذهبية فيه سائدة وقاتلة ؟ وهل هذه هي مأساة لبنان التي ينبغي الخلاص منها ؟

يؤدِّي القصَّ، في هذه الرواية، الراوي العليم، في سياق خيطي، يتقطع بالوصف الخلاق والخطاب، وتتميز لغتها بشعرية دالة، ويخطر لي مالا أبعده، وهو أن شخصية نظام تذكِّر بشخصية ” جوليان سوريل “، في رواية ” الأحمر والأسود ” ل” ستندال “.

يتتبَّع القارئ اخفاقات شخصيات جبور الدويهي الاَتية : أخفقت “ريا” في رواية “ريا النهر” في معرفة أسرار عائلتها، وعاد “ايليا” في رواية “مطر حزيران” خائبا الى نيويورك، بعد أن كان قد هاجر  بسبب مجزرة، واكتفى “رضا الباز” في رواية “عين وردة”، في عزلته، بالرقاد في سريره، وهو ينظر الى صورة معلَّقة قبالته عائدة الى العام ١٩٣٩، وقُتل “نظام” الوسيم اللطيف، المحب، المنتمي الى مكوِّني لبنان، في رواية “شريد المنازل”، وتُفقد اللعنة خصب “كرم المحمودية” في رواية “ملك الهند”، ويموج السم في الهواء في اَخر الروايات، في زمن الخراب الكبير الذي صنعه أمراء الفساد، ولايزالون يصنعونه…

يتتبع القارئ هذه الاخفاقات والخيبات، ويسأل : هل الحياة في لبنان، بمختلف تحوُّلاتها، والتي يكتب جبور الدويهي حكاياتها، تفيد أنَّ لبنان مكان طارد لأبنائه الى الحروب والهجرة…، والسبب فقد هذا الوطن ” الأهل “، وهم الذين يكون الموت بينهم نعاساً، والحياة خصباً وعطاء وعمراناً ؟ فان يكن الجواب : نعم، فالسؤال هو : كيف يغدو أبناء هذا الوطن ” أهلاً” في ما بينهم، و” أهلاً ” لهذا الوطن الجميل الفريد الحبيب؟

(النهار)

جبور الدويهي، د.عبدالمجيد زراقط، موقع حرمون، شريد المنازل، إيليا الكفوري، التكفير.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.