مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

في الذكرى الـ 50 لإعدامه 1999 ومئوية ولادته 2004.. أنطون سعاده يحاكم قاتليه مرّتين

 

المحامي د. منيف حمدان*

 

“إن محاكمـة أنطون سعاده مـــن حيـــث الشكــــل أقــــرب إلـــى عمليــــة تطهيــــر إداريـة، يتأفـف منها كل ضمير”.

كمال جنبلاط (ورد هذا القول، في الصفحة 522 الجزء الثاني، من كتاب الأستاذ أنطوان بطرس (أنطون سعاده من التأسيس إلى الاستشهاد)

 

تقسم هذه المقالة، إلى مقدمة، وعدة فقرات، على الوجه التالي:

 

المقدمة: رأي إمام المجلسين المحامي مطانيوس عيد بعقوبة الإعدام التي نفّذت بزعيم الحزب السوري القومي أنطون سعاده

 

بتاريخ 30/10/2020، وردني من الصديق إمام المجلسين، المحامي مطانيوس عيد، رسالة بخط اليد، عبر خدمة الواتس أبّ، بعنوانها ومضمونها، حيث نقرأ:

“سحر سعيد تقي الدين، ومنيف حمدان سرّ عُلْويّ.

أخي المنيف! بعد قراءتي لكتاب مهم، عن محاكمة أنطون سعاده، صرت على قناعتين وثلاث “هنّ”:

1- إن وجيه الرسالتين، الزميل الصديق منيف حمدان، لعلى حق، عندما يرفض عقوبة الإعدام.

2-إنّ إمام المجلسين، المحامي مطانيوس عيد، لعلى حق، عندما يؤيد عقوبة الإعدام، لكلّ قاضٍ أصدر حكماً خاطئاً بإعدام شخص… وبكل من ساهم بتركيب ملف محاكمته، من العسس إلى كبار القوم.

3-إن الرصاصة القاتلة، التي أطلقها ميشال الديك، على «إحدى الشخصيات اللبنانية»، في الأردن، مردداً «خذها من يد أنطون سعاده» هي من عدالة السماء، ومار ميخائيل، شفيع ميشال الديك، داحر الشياطين!

 

4-إن الدموع، التي غطت وجهي، عندما قرأت مقالة: «حدثني الكاهن الذي عرّفه»، لسعيد تقي الدين، قبل عشرات السنين، بَقِيَتْ جمراً يحرقني تحت جلدة خدودي… ولا تشبهها إلاّ دمعة صديقي منيف حمدان، عندما ترك بيت والده، في 2 نيسان 1957، والتي لمّا يزلْ يحسب بحلاوة حرقتها، حتى الآن، على ما حدثني به عن عذابات طفولته.

5-إن سحر سعيد تقي الدين ومنيف حمدان، سرّ عُلْويّ”.

 

وفور قراءتي لرسالة صديقي، إمام المجلسين، إستيقظتْ في ذاكرتي محاكمة أنطون سعاده، وعشرات المحاكمات الباطلة والخاطئة، والتي أسفرت عن كثرة من أحكام خاطئة بالإعدام نُفذتْ، وعن قلّة من الأحكام، التي لم تنفذ، بسبب كشف الحقيقة في آخر لحظة… ومنها محاكمة مرعبة، أوردتها مجلة المعرض في الصفحة الخامسة من عدد أيلول-كانون الأول 1923 حيث نقرأ:

“ومن شهور، دخل لصّ إلى بيت ضابط فرنساوي، في بيروت… فشعر به الضابط وحاول القبض عليه، بعد أن أشبعه ضرباً، فما كان من اللص، إلاّ أن طعنه بخنجر كان معه، فجرحه جرحاً غير قاتل، ولاذ بالفرار، بعد أن ترك في غرفة الضابط، الطربوشَ والحذاء…

وبعد فترة، ألقي القبض على شخص يدعى يوسف الكردي، فاشتبه به، وفُرض عليه أن يقيس الطربوش والحذاء…

فإذا هما على قياس رأسه ورجليه، فجيء به إلى المجلس العرفي، وحوكم على السرقة، وضربة الخنجر، وحكم عليه بالإعدام.

وبينما كانت الأوراق، على طاولة المفوّض السامي الفرنسي، للمصادقة، على تنفيذ عقوبة الإعدام، وصلت أخبار من دمشق تفيد القبضَ على السارق الحقيقي، الذي جيء به إلى بيروت، فأقرّ بفعلته، وعرف طربوشه وحذاءه.

أمّا يوسف الكردي – الموقوف بدلاً عن ضائع – فقد كاد أن يُعدم، لولا التقارير، وحسن حظ المسكين”.

 

إن ما ورد في محاكمة أنطون سعاده، ومحاكمة يوسف الكردي، وكل المحاكمات الشقيقات، وبناتِ عمهنّ والشبيهات، «حملْنني على الثورة العارمة، ضد أحكام الإعدام، إتقاءً لكل ظلم محتمل، بإعدام أبرياء، ووصم العدالة بمياسم عار داعش، قبل ولادتها، وتوفيراً للإنتحار، الذي أقدم، وسيقدم القضاة الأشراف عليه، عندما يكتشفون الخطأ الذي وقعوا فيه… إمّا باستسهال أحكام الإعدام، التي أصدروها، دون تدقيق في الأدلّة، ودون توقف في الشبهات.

 

وإمّا إستجابةً لرغبة مسؤول كبير، وإمّا إتقاءً لغضبته المحتملة، بَدَل قيامهم، بتكسير معاجن السلاطين وسيوفهم، وبَدَل ردّ خناجر وساطاتهم، إلى نحورهم.

 

الفقرة الأولى: إحتفالات المئوية الأولى لولادة أنطون سعاده وانقلاب السحر على الساحر

بتاريخ 12/9/2004، أقام الحزب السوري القومي الإجتماعي مهرجاناً ضخماً، في مطلّ ضهور الشوير، لإزاحة الستار، عن «بورتيريه لزعيم الحزب أنطون سعاده، محفورة على جدارية، بالإضافة إلى نسر الزعامة، وبعض أقواله المأثورة»، بحضور نائب رئيس مجلس الوزراء عصام فارس، ممثلاً فخامة رئيس الجمهورية، العماد أميل لحود، والوزير السوري غسّان اللحام، ممثلاً الرئيس الدكتور بشار الأسد، وبحضور عدد هائل من كبار الصحافيين والوزراء والنواب، والممثلين عن بعض المرجعيات، السياسية والدينية والأمنية وعشرات الألوف من المحازبين والمناصرين.

 

وممّا قاله ممثل فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية:

 

«أود أولاً ان أنقل إليكم تحية فخامة رئيس الجمهورية، العماد أميل لحود، الذي أولاني شرف تمثيله في هذا الإحتفال. وأن أعبر عن أخلص مشاعر فخامته، في مناسبة إقامة هذا النصب التذكاري، لواحد من الرجالات العبقريين الأفذاذ، هو الزعيم أنطون سعاده».

 

وقبل ذلك، كان الحزب في فرعيه، قد أقام في 7/7/2004، عدة إحتفالات، في مناطق مختلفة من لبنان، في مناسبتين متباعدتين ومتداخلتين:

 

فالمناسبة الأولى، هي مرور مئة عام على ولادة الزعيم أنطون سعاده، المارد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس باكراً، في مقالاته المستشرفة لخطر الصهيونية، وتحوّل الديموقراطية الأميركية إلى دكتاتورية، وفي أفكاره التي لم يَخْبُ لها أُوار، وفي مؤلفاته المتعاظمة في استقطاب الأجيال، وفي مواقفه التي بلغت حد الأسطورة.

 

أمّا المناسبة الثانية، فهي مرور خمسة وخمسين عاماً، على إعدام الزعيم أنطون سعاده ذاته، بحكم قضائي صدر في 7 تموز 1949، عن المحكمة العسكرية، ونفذ في فجر اليوم التالي، فكان المعدومُ أكبر من الإعدام، لأنه لمّا يزل في القلوب والعقول، وأكبر من كل الجهود، التي بذلت لتشويه صورته قبل الملاحقة، والتشكيك في وطنيته أثناء المحاكمة، وتهديم أسطورته بعد تنفيذ حكم الإعدام به، وشطب مآثره من ذاكرة لبنان، وما تبقى من كيانات في سوريا الكبرى.

 

الفقرة الثانية: رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء يشاركون الحزب السوري القومي، في إحتفالات الذكرى الخمسين لإستشهاد أنطون سعاده يوم 8 تموز 1999

النبذة الأولى: كلمة دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، ممثلاً فخامة رئيس الجمهورية العماد أميل لحود.

قبل إحتفالات الذكرى المئوية الأولى، لولادة زعيم الحزب السوري القومي أنطون سعاده، في العام 2004، بخمس سنوات، أقام الحزب السوري القومي الإجتماعي، بتاريخ 8 تموز 1999، إحتفالاً جماهيرياً ضخماً، في قصر الأونيسكو، بمناسبة مرور خمسين سنة، على إعدام مؤسس الحزب أنطون سعاده، في 8 تموز 1949.

 

وشاركت الدولة اللبنانية، بكل أركانها، الحزب السوري القومي الإجتماعي، ولأول مرّة، منذ خمسين عاماً.

 

ولمّا كان فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية الجديد العماد أميل لحود مدعواً للمشاركة في الإحتفال وترؤسه، قَبِل الدعوة، وكلّف دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه برّي، بتمثيله وإلقاء كلمة بإسمه… فقبل المهمة، وألقى كلمة بإسمه وإسم فخامة الرئيس جاء فيها:

 

إن أنطون سعاده، كان من أوائل الذين تنبهوا إلى خطر الصهيونية العالمية، التي اغتصبت أرض فلسطين، وشرّدت أهلها في كل أصقاع الأرض.

 

إن صراعنا مع هذا العدو الغاصب هو صراع وجود… لا صراع حدود…

 

وكان أنطون سعاده من أوائل المفكرين السباقين، إلى المبادرة، في إطلاق مشروع الكفاح المسلّح.

 

وما زال أبناؤه على خطّهم المقاوم حتى اليوم… فقدموا كثيراً من الشهداء والشهيدات في حربهم ضد العدو الصهيوني.

 

إن إستشهاد أنطون سعاده – بحكم قضائي- خسارة وطنية وقومية حقيقية.

 

النبذة الثانية: كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور سليم الحص

بعد أن انتهى دولة رئيس مجلس النواب، الأستاذ نبيه برّي، من إلقاء كلمته، وإطلاق صفة شهيد على المحكوم بالإعدام، أنطون سعاده، التي قوبلت بكثير من التصفيق…

 

توجه دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور سليم الحص إلى المنبر، وألقى كلمة جاء فيها:

 

إن ما خلّد إسم أنطون سعاده هو فكره القومي المبدع، الذي أيقظ الوعي البنّاء، في وجدان الشباب، وبعث في نفوسهم الأمل في مستقبل واعد.

 

لقد أغنى أنطون سعاده الفكر القومي في الأمة، بنظرة خلاّقة جديدة، كانت ثمرتها إطلاق الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي رفع لواء القومية السورية… وما لبث أن تبوأ مكانه خاصة في الساحة الوطنية في لبنان.

 

واقترن إسمه بدور مميز فعّال، في تعبئة القوى الوطنية، في مواجهة التحديات الصهيونية للبنان، والأمة العربية فكان له مناضلون، وكان له شهداؤه.

 

وختم دولة الرئيس سليم الحص كلمته بقوله:

 

إن أنطون سعاده حمل هموم الأمة، وأدرك بنظرة ثاقبة المخاطر المحدقة بها… وواجه التحديات بعناد وعزيمة ثابتة، إنطلاقاً من رؤية فلسفية في الحياة.

 

(يراجع الأستاذ أنطوان بطرس، في كتابه: «أنطون سعاده من التأسيس إلى الإستشهاد» ج 2 ص: 527-528).

 

النبذة الثالثة: اللواء الركن المفكر ياسين سويد، يعلّق على إحتفال قصر الأونيسكو، بتاريخ 10/7/1999

بعد أن انتهى إحتفال قصر الأونيسكو بيومين، أي في 10/7/1999، علّق الأديب المؤلّف، واللواء المفكر، ياسين سويد، على ما جرى في الإحتفال، الذي أقامه الحزب السوري القومي الإجتماعي، في قصر الأونيسكو، بتاريخ 8/7/1999، فقال في جريدة السفير، تاريخ 10/7/1999:

 

«إن ما أعلنته الدولة اللبنانية الحالية بلسان رؤسائها الثلاثة يبدو كأنما هو فعل إعتذار عن ذلك الخطأ، الذي وقع في محاكمة أنطون سعاده… فأعيدوا إلى أنطون سعاده إعتباره، عن طريق إصدار مرسوم يُعتبر فيه أنطون سعاده شهيداً وبطلاً قومياً… ويعامل بما يستحقه الشهداء والأبطال، من إكبار وتعظيم».

 

لا فضّ فوك يا صاحب هذا القول، المنضود بالدرر الفكرية، الأغلى من الذهب والألماس.

 

وكانت النتيجة، من كل هذه التطورات، وما سبقها، وما لحقها، أن صورة الزعيم ازدادت إشراقاً، وحزبه ازداد انتشاراً، وأسطورته صارت أكثر تصديقاً، ومحاكمته تحوّلت، إلى شاهد على الظلم، الذي لحق به، وعلى حرمانه من حق الدفاع، في سابقة ليس لها مثيل، إلاّ في العصور الوسطى، حيث كانت محاكم التفتيش تُستعمل، من قبل أصحاب السلطان، للتنكيل بالمعارضين والمشاكسين، وتبرئة ذمة هذا السلطان من القتل. وإعطائه صكاً يرفعه، بين الحين والحين، شعاراً للتضليل فيقول: «القضاء لفظ حكمه… فقضاؤنا مستقل… ونحن لا نتدخل في القضاء»، فيذكرنا هذا الزعْم، بما فعل قيافا ومجلس قضائه، في محاكمة السيد المسيح. وبما فعله بيلاطس البنطي الروماني، عندما غسل يديه، من تلك الجريمة، قبل ألفين من السنين.

 

أمّا همُ، أصحاب المساعي للقضاء على الزعيم، المعروفين منهم، وغير المعروفين، فقد انقلبت مساعيهم إلى لعنة… أُطلق عليها إسم «لعنة سعاده». وراحت تلاحقهم في يقظتهم وفي نومهم، وفي مكاتبهم وداخل جدران بيوتهم، وفي حياتهم كما في مماتهم. وستبقى تلاحقهم، كلّما ثار على الظلم ثائر. وكلّما أعلن صاحب رسالة حقيقةً. وكلّما اعتلى القوس قاضٍ، لا يصانع ولا يضارع، ولا تشرف نفسه على المطامع.

 

ما أشبه الطغاة في التاريخ، تجبراً وفساداً ومصيرا ! فهم أبداً إمّا إخوة أشقاء… وإمّا أرواح شرّيرة متقمصة… وإمّا أنداد متناسخون أو مستنسخون… وهم أبداً… ومهما طال الزمن، ملعونون ملعونون ملعونون.

 

 

 

الفقرة الثالثة:الأسباب التي تشدني إلى الزعيم أنطون سعاده، دون معرفة به، ودون انتساب إلى حزبه

إن الإحاطة بأنطون سعاده، بشكل يتناسب مع حجم الرجل، تحتاج إلى موسوعة ضخمة من المؤلفات، يشترك في إعدادها فريق عمل من الإختصاصيين، في السياسة كما في الإقتصاد، وفي الأدب كما في الإصلاح السياسي، وفي العلمنة الشاملة، وفصل الدين عن الدولة، كما في الإصلاح القضائي، وضرورة رفع يد السياسيين عن القضاء، وإضافة مادة للتدريس في معهد القضاة، عنوانها: «سيرة كبار القضاة في التاريخ، قديماً وحديثاً».

 

وإذا كان هذا الأمر الموسوعي، غير مطروح في هذه المقالة، أو في أية مقالة ثانية، فإني أختصر فأقول:

 

إن ما يشدني إلى الزعيم أنطون سعاده خمسة:

 

1-معرفةٌ دون لقاء عبر مؤلفاته.

 

2-وإعجابٌ دون إنتساب عبر مواقفه.

 

3-وثورةٌ دون هوادة، ضد الجهل والظلم والتعصب، عبر الظلم الذي وقع عليه في المحاكمة القضائية، وفي كتاب: «قضية الحزب القومي»، الذي أصدرته وزارة الأنباء، في تشرين الثاني 1949، ليكون محاكمة سياسية تشويهية للرجل وحزبه ونضاله، من جهة، وتغطية لجريمة حرمانه من حق الدفاع في المحاكمة، أمام القضاء، من جهة ثانية، وتغطية لجريمة إتهامه ظلماً بالتعامل مع إسرائيل، من جهة ثالثة، واتقاءً لردة فعل الأجيال القادمة المتوقعة، من جهة رابعة.

 

4-معرفة راسخة، بكوكبة من فرسان حزبه في الضفتين، أو في الجناحين. منهم من قضى، عن إرث نضالي كبير، قد يغني الأمة إلى أجيال. ومنهم من هو مستمر في تألّق العطاء، بدون حساب، على غصةٍ من حزن الإفتراق، وخوفٍ من غضبة الزعيم، على الإنقسام، وعدم غفران التاريخ للإستمرار في الإنقسام.

 

5-وإيمان بدور لبنان الأرز والحرف والمطبعة، ومدرسة الحقوق، في أمّ الشرائع بيروت، والضامن للفكر الحر، والقائد في محيطه عبر قول الزعيم في المحاكمة:

 

«إني لبناني صميم، أباً عن جد، ولا أظن أنه يوجد لبناني يدّعي لبنانية أكثر منّي. إني لم أنكر الدولة اللبنانية، ولا الكيان اللبناني، بل أحببت أن يكون لبنان مصدر إنطلاق فكرة الحزب القومي الإجتماعي، إلى جميع الأقطار المجاورة. ولم أدعُ بحياتي، لتذويب لبنان في وحدة سورية، بل كنت أغار دوماً على الكيان اللبناني».

 

إن هذا الكلام، عن لبنانية الزعيم، ورد في كتاب: «قصة محاكمة أنطون سعاده وإعدامه»، للصحافي الأستاذ أنطوان بطرس، طبعة 2 ص: 113، نقلاً عن كتاب الأستاذ جبران جريج: «مع أنطون سعاده». وهذا الرأي يتفق تماماً، مع الحديث الذي أعطاه الزعيم، إلى جريدة النهضة، بتاريخ 14/10/1937حيث نقرأ:

 

«منذ الوقت الذي تم فيه الإعتراف بالكيان اللبناني، أصبح هذا الكيان كيان جميع اللبنانيين، ونحن منهم. وأصبح واجبُ جميع اللبنانيين ممارسةَ حقوقهم المدنية، ضمن هذا الكيان، ونحن من جملة اللبنانيين الذين لهم الحق، أن يمارسوا صلاحيتهم المدنية، لمصلحة الشعب اللبناني».

 

إن ما يشدني إلى الزعيم يخولني، أنا منيف حمدان، أن أشرح كيف التاريخ أنصفه، بعد الظلم الذي وقع عليه في المحاكمة، وفي كتاب «قضية الحزب القومي»، فتحول مع الأيام، من مجرم عادي بحكم قضائي، إلى شهيد سياسي بنظر المفكرين أولاً، وعلى ألسنة المسؤولين ثانياً. ومن جبان في مطالعة النائب العام، إلى بطل على لسان بعثي خصم، كما سنرى بعد قليل. ومن متعامل مع إسرائيل، إلى صاحب أعظم مدرسة، في محاربة الصهيونية العالمية. ومن متهَم – بفتح الهاء – إلى نائب عام، بفكر عصري جديد، ليصرخ في وجه الظالمين:

 

إلى متى يستمر تركيب الملفات في أمتي؟!

 

إلى متى تستمر حكوماتنا في استغباء شعوبها؟

 

إلى متى يستمر المسؤولون، في عبادة المال، وفي عبادة الكراسي، وفي تقبيل أيادي الأجنبي، ودفع الخوة التي يطلب، لإبقائهم في هذه الكراسي، أو من أجل تأمين ذلك المال؟ حتى لو كان الثمن حرباً أهلية، أو تهجيراً لنصف الشعب، أو تعاملاً مع الأعداء، أو تنازلاً عن سيادتنا على الأرض، لدولة عظمى أو دولة عادية، تحت شعار: طالما قائدنا وأبناؤه وبناته وأحفاده وكنائنه بخير… فنحن بألف خير، وسنبقى نصدح، دون خجل أو وجل: بالروح… بالدّم… نفديك يا يهوّذا الإسخريوطي، ونفدي أبا لؤلؤة…قاتل الخليفة عمر بن الخطّاب، وابن الملجم… قاتل الإمام علي… وكل قاتل أعماه حقده وانتقامه، ورغبته بالظهور ليُذْكّر مع الشهداء الكبار، مثل كاسر مزراب العين، بذات الروح، وذات الدّم…

 

الفقرة الرابعة: أنطون سعاده ما سرّك ليجمع على إحترامك خصومك والمعجبون؟!

إن ما يشدني إلى الزعيم

 

يخولني أن أسأل وأتساءل وأجيب فأقول:

 

أنطون سعاده من أنت؟ ومن أية طينة للعمالقة جُبلت طينتك؟ حتى يُجمع خصومك والمعجبون، على أنك صاحب مدرسة إجتماعية، قل نظيرها في الشرق، على ما كان يقول خصمك السياسي الشهيد كمال جنبلاط…

 

وعلى أنك شخصية فكرية وسياسية، قد لا تتكرر في ألف عام، فتردد الاجيال مع الأديب الكبير فؤاد سليمان:

 

«الزعيم وثبة عنيفة وقوية، في عروق أمتنا الغافية، منذ آلاف السنين، على بوابة الإستعطاء، تستجدي أكفّ المحسنين، من عابري الطريق. أمتنا الآكلة خبزها معجوناً، بالدمع والدماء. والشاربة خمرها، في كؤوس من التراب الأسود. أمتنا التي تقدّس ألف وثن مذهّب، وتؤلّه ألف مِسْخ مذنّب، وتعبد ألف إله كاذب». (تراجع مجلة المعرض لصاحبها الأستاذ ميشال زكور – العدد السابع والأربعون ص: 5).

 

أنطون سعاده؟!

 

بربك وحزبك والمبادئ؟!

 

إنهض من تحت التراب، أو عفواً… أهبط إلينا من ذراك… بجبهتك العالية… بثبْت خطاك… بفصيح لسانك… بسحر البيان… بلغتك العربية الفصحى، التي أثارت النائب العام… بالمؤامرة التي قضت، بتسليمك واستعجال حكم الإعدام عليك… بردّك المدوّي على النائب العام، الذي غمز من قناتك، إذ قال مشيراً إليك، في قفص الإتهام:

 

إن الزرازيــر لمّا قـــام قائمهـــا توهمتْ أنها قد صارت شواهينـــا

 

فرددتَ عليه، غامزاً من قناته، وهو واقف إلى يمين قوس المحكمة فقلتَ:

 

في الزرازير جبن وهي طائرة وفي البـزاة شمـوخ وهـي تحتضـرُ

 

أو أُهبط إلينا من ذرى الجنة، التي رفعك الرّب إليها، كمظلوم، وأخبرْنا عمّا جرى، في دقائق وثوانيَ، يوم تلك المحاكمة -العار، في تاريخ عدالتنا.

 

نعم! أُهبط إلينا من ذرى الجنة،

 

بوقوفك وحيداً وحيداً، في مواجهة قضاء الحكم، وفي مواجهة قضاء الإتهام… وفي مواجهة من كان يقف وراء هذا وذاك… بدفاعك عن نفسك ساعتين… بالمنازلة التي حصلت بينك وبين النائب العام… برفضك دفاع الضابط المسخّر للدفاع عنك، الضابط الياس رزق الله… وغفرانك لما أقدم عليه، لحظة وصفك بالجنون، لأنه كان يعلم – وما كنت تعلم أو تصدّق – أن ما كتب قد كتب. وما تبقى من إجراءات، ما هو إلا شكليات وتفاصيل لإنقاذ المظاهر، وتغطية الجريمة، وتضليل التاريخ، وخداع الشعب، الذي تُلفظ بإسمه الأحكام.

 

في ذلك الوقت، لم تكن تعلم، لماذا رفضت المحكمة العسكرية إعطاء المحامي الكبير، أميل لحود، مهلة 24 ساعة لدراسة الملف. ورفضت إعطاءه، حتى ساعة واحدة، على ما أخبرني ابن شقيقه المحامي سامي لحود، الذي كان متدرجاً في مكتبه، وحاضراً الجلسة معه، معرّضة سمعتها، وسمعة أم الشرائع بيروت، للمساءلة التاريخية، فأدرك بحدسه وذكائه وخبرته، أن قوّة جبارة ومتهوّرة، تتحكم بمجرى الأحداث عن بعد، وتفرض إرادتها، حتى على القضاة أو بعضهم، وقد تمسك بأيديهم، لتحريك القلم فيها كما تشاء، فآثر الإنسحاب على البقاء، وعلى الدفاع بما يتيسّر، حتى لا يقال: إنه خسر القضية… طالما أنها خاسرة من قبل…

 

وحتى لا يقال: وهذا هو المهم: إن القضاء أمّن حق الدفاع لزعيم الحزب السوري القومي، بأعظم صورةٍ، إذ مَثّله محام من ألمع المحامين في لبنان… فتصدّق الأجيال القادمة، أن المحاكمة كانت بدون مثالب، في الشكل، وبدون مثالب، في الأساس.

 

في ذلك الوقت لم تكن تعلم، أيها الزعيم العظيم، أن الملازم الأول الياس رزق الله المسخر للدفاع عنك، كان يعيش أزمة ضمير كبيرة، وصفها فيما بعد في أوراقه فقال:

 

وفي صباح أحد الأيام – تموز 1949- بينما كنت متوجهاً إلى مكتبي في قيادة الدرك إذ بضابطيّ صف من مرؤوسيَّ، وهما شاكيا السلاح، يمنعان عليّ الصعود إلى المكتب قائلين: إنهما قد تلقيا الأوامر بذلك. وفي تلك الأثناء أقبل علينا أحد حجّاب الزعيم أول الرفاعي طالباً مني الصعود إلى مكتبه ففعلت. وبدلاً من أن يستقبلني داخل المكتب، كما كان منتظراً ومألوفاً، خرج هو نفسه ودعاني إلى مرافقته إلى صالون القيادة، وكان يتطاير الشرر من عينيه… وبادرني قائلاً: إن هذا الوغد هو هنا.. فسألت: ومن هو هذا الوغد؟ قال هو أنطون سعاده نفسه قلت: وما شأني به؟ أجابني بالحرف الواحد مع شيء من الحدة.

 

إنه سيساق بعد قليل إلى المحكمة العسكرية وسيحاكم فوراً وسيحكم عليه بالإعدام. ويعدم في بضع ساعات.

 

وأعلمني بأني مكلف شخصياً بالدفاع عنه، على اعتباري مسخراً من المحكمة فأبيت الإنصياع مختاراً.

 

 

 

لكن الزعيم الرفاعي أجاب: هذه أوامر السلطة ومخالفتها تعد تمرداً».

 

(الأستاذ أنطوان بطرس في كتابه: قصة محاكمة أنطون سعاده وإعدامه طبعة ثانية ص: 101 – 102 ).

 

ولعلمِ هذا الضابط الشريف الأكيد، أنك كنت يا زعيم النهضة، ذاهباً حتماً الى الموت الزؤام، ولعدم قدرته على البوح، خوفاً من المساءلة، أو لعدم خبرته بما سوف يحكم التاريخ، رأى أن يثير مسألة جنونك كعذر قانوني، على أمل أن تضطر المحكمة، إلى تعيين لجنة طبية للمعاينة، فيتأخر الإعدام الزاحف نحوك بأقصى سرعة، أو يُخفّض حكم الإعدام إن صدر، إلى المؤبد… ولسان حاله يقول: «بين إغماضة عين والتفاتتها، قد يأتيك الفرج».

 

أيها الزعيم البطل!

 

يا صاحب المناسبتين والمحاكمتين!

 

أهبط إلينا من ذراك

 

بخيانة حسني الزعيم لك… بتنكره للوعد الذي قطعه… بنكرانه للقسم… وتناسي المسدس الذي قدّمه لك هدية، ليكون مبدئياً، شاهداً على الصدق في الوعد، والدّقة في اليمين، وعلى أن صاحب الوعد، ضابط صار رئيساً، أو رئيس كان ضابطاً… فتصفو النيات… وتُبدد الشكوك… ويَنتصر عهد الرجولة… تمهيداً لتحرير المواطنين… من إقطاع السياسة، وإقطاع الخنوع، وإقطاع التكاذب، وصولاً إلى تحرير فلسطين السبيّة، من براثن الذئاب الإسرائيلية.

 

ولا تنسَ أن تعرّج، على إشتراك قائد شرطته العسكرية، المقدّم إبراهيم الحسيني، في مشروع الخيانة…ومرافقته لك من بيت معروف صعب، في دمشق… إلى بيت الرئيس حسني الزعيم، من أجل لقاء، يكون بعيداً عن الرسميات، تدليلاً على الصداقة… أو زيادة في التضليل… وتسليمك إلى البعثة العسكرية اللبنانية، وحرمانك من النوم والراحة، ووقوفك الساعات الطوال، في المحاكمة، وحرمانك من رؤية زوجتك وبناتك… وحرمانك من لقاء الصحافيين… وتدوين كلامك الأخير للتاريخ… فَعشتَ أهوال سجن «أبو غْريب العراقي» قبل عهد «أبو غْريب»، السيء الذكر بكثير.

 

الفقرة الخامسة: ثمن تسليم أنطون سعاده إلى البعثة العسكرية اللبنانية في دمشق

ولا تنسَ أيها الزعيم، أن تُذكّر الأجيال القادمة، بأن لبنان وقّع مع حسني الزعيم، إتفاقية إقتصادية ثمناً لتسليمك… وأن وزير مالية سورية، حسن جبارة، قال في العام 1950، أمام اللجنة البرلمانية السورية الإقتصادية، أثناء مناقشتها أجواء الإنفصال الإقتصادي:

 

«إن الإتفاق الإقتصادي بين سوريا ولبنان جاء نتيجة مقايضة وافق فيها لبنان للمرة الاولى على سياسات إقتصادية تنسيقية مع سوريا… ومن أين لنا اليوم أن نأتي لحكام لبنان برأس أنطون سعاده آخر».؟!

 

ولا تنسَ أيها الزعيم المظلوم، أن تذكّر الأجيال القادمة، بأن جائزة العشرين ألف ليرة، التي رصدتها الحكومة اللبنانية، لمن يلقي القبض على أنطون سعاده، قد قبضها حسني الزعيم، وأن المحكمة العسكرية، حكمت على قادة الحزب بغرامة بلغت قيمتها خمسة وعشرين ألف ليرة لبنانية، فأوحى ذلك الحدث، أن الدولة أرادت أن تسترد، من القوميين، بدل الجائزة التي دفعتها الى حسني الزعيم. (يراجع بشأن هذا المعلومات كتاب الأستاذ أنطوان بطرس المذكور سابقاً ص: 153 – 154).

 

متى كان رؤساء الجمهورية والملوك وأشباههم مخبرين؟ أو متى كان لهم ثمن مقابل إخبارهم؟ ومتى كانوا يعتقدون، أن جرائمهم ستبقى طيّ الكتمان، إلى أبد الآبدين؟؟؟

 

 

الفقرة السادسة: رباطة جأش أنطون سعاده أمام المشنقة أهبط الينا من ذراك!

بدمعات الذين بكوا في وداعك… أو في وليمة إعدامك… برباطة جأشك أمام الموت… برفضك عصب عينيك والركوع، إلاّ بإسم القانون… وقولك «شكراً» للجندي آغوب سحاقيان…لأنه أزاح الحصى من تحت ركبتيك.

 

أهبط إلينا!

 

بابتسامتك الصفراوية، على ما أوردته وزارة الأنباء في كتاب: قضية الحزب القومي ص: 88 و82، نقلاً عن مطالعة النائب العام، في قضية أركان الحزب حيث نقرأ:

 

«لكن أنطون سعاده الصبور مزاجاً، والمتجلّد مادة، هو غير شجاع أدبياً فقد حكم عليه وأعدم. وفي الفترة بين الحكم والتنفيذ، لم تتجه أفكاره إلى عمله الذي نعته بالجبار، ولا إلى رجاله الذين تحكّم بهم دهراً، بل انصرفت أفكاره إلى أمور مادّية، ومسائل شخصية. ولم يُعيّش سوريا التي طالما عيّشها في حياته.

 

«وبينما كان أنطون سعاده يتظاهر بالعمل على إنشاء جيش لإنقاذ فلسطين… إذ به ينتقل من معسكر إلى معسكر، ويخابر اليهود بغية تسليمه الحكم في لبنان، ثم مقاومة رئيس الدولة السورية الحالي حسني الزعيم، لما يظهره من مناهضة للصهيونيين، وذلك على يد منفذ عكا العام محمد جميل يونس».

 

لو كان النائب العام يتوقع، أن الحقيقة ستطفو على السطح يوماً، وسوف يروي الشهود العيان ما شاهدوا، فيردد الكبار أقوالهم، دون أقوال النائب العام، لكان عدّ إلى الألف قبل أن يطلق هذا الحُكْم.

 

إن الصحافي اللامع، إبراهيم داغر، الذي كان يعمل في جريدة الحياة الغرّاء، تتبع قافلة الإعدام إلى أقرب نقطة، من المكان الذي نصب فيه عمود الموت من قبلُ، وروى:

 

«تقدم الملازم الأول بريدي ليعصب عينيّ الزعيم… فقال لماذا هذا؟ فأنا لا أخاف الموت… فأجابه الملازم الأول: إنه القانون»، فأجاب إني أحترم القانون.

 

وبدورها أوردت جريدة القبس الغرّاء عن تلك اللحظة:

 

ثم طلب الملازم أول بريدي من أنطون سعاده أن يركع فأجاب أنا لا أخاف الرصاص… أفليس من سبيل إلى الإستغناء عن هذه المسائل؟ فأجيب إنه القانون فأُركع – بضم الألف- بعدها وقف الكاتب يتلو عليه نص الحكم فلم يجب سوى بابتسامة مُرّة وكلمة شكراً…

 

أمّا جريدة النهار الغرّاء، فقد أوردت في «مانشيت» اليوم الثاني للإعدام: «إن أنطون سعاده طلب مشاهدة الرصاص يخترق صدره وهو طليق اليدين».

 

وأمّا اللواء عزيز الأحدب، فقد روى للأستاذ أنطوان بطرس، عن تلك اللحظة فقال: كان أنطون سعاده طوال الوقت هادئاً، كأن الإعدام شيء نفذ به مراتٍ عديدة من قبل.

 

(كتاب الأستاذ أنطوان بطرس: قصة محاكمة أنطون سعاده وإعدامه في طبعته الثانية ص: 129 – 130).

 

 

الفقرة السابعة: لو كانت وزارة الأنباء اللبنانية تعلم!… أو تتوقع؟!

لو كانت وزارة الأنباء اللبنانية عام 1949 تعلم،، أن التاريخ سوف يكشف الثمن الذي دفعته الدولة اللبنانية، إلى حسني الزعيم، مقابل تسليمه أنطون سعاده لها، لما تجرأت على إصدار كتابها: «قضية الحزب القومي».

 

ولو كانت وزارة الأنباء اللبنانية هذه تتوقع، أن وزيراً بعثياً من أركان حزب البعث الحاكم في سوريا الأسد، سوف يكشف عن إتصالات حسني الزعيم بحكّام إسرائيل كما سنرى بعد قليل، لكانت امتنعت عن تعظيم حسني الزعيم، وعن الإشادة بمواقفه الوطنية المناهضة لإسرائيل، ولكانت فضّلت إحراق كتابها المعنون: «قضية الحزب القومي» بدل نشره خوفاً من الفضيحة… أو خوفاً من إسترجاعه من المكتبات، ومنع نشره مجدداً، فور اشتعال فجر الحقيقة… كما حصل فعلاً.

 

ولو كان النائب العام ووزارة الانباء يتوقعان، أن رئيس قلم النيابة العامة الإستئنافية، الأستاذ موسى جريديني، سوف يخبر نسيبه الصحافي إبراهيم داغر:

 

«إن أكثر شيء أثّر في نفسي في عملية إعدام أنطون سعاده هو ارتفاع صوته قبل إنطلاق الرصاص وقوله تحيـا سوريا». (ذكرت هذه الواقعة في كتاب الأستاذ أنطوان بطرس المذكور أعلاه ص: 130 ).

 

نعم!

 

لو كان النائب العام، ووزارة الأنباء يتوقعان، ما سوف يدلي به رئيس القلم موسى جريدني، لكانا مزّقا ما كتباه، للنيل من كرامة أنطون سعاده، ونبله وشجاعته… ووفّرا على نفسيهما، ما سوف يكتب التاريخ والأحرار عنهما.

 

الفقرة الثامنة: أنطون سعاده يدمغ القرن العشرين بطابعه

يا زعيم النهضة

 

أهبط إلينا من ذراك

 

بالصدر الممزّق… بالدم المراق… بالرصاصات الإحدى عشرة… بشرط الإنتصار… وقل لنا: كيف يُحرّك شعبُنا فيه قوة لو فعلت، لغيرت وجه التاريخ، قبل أن يزول تاريخنا كله من الوجود، بفعل قادة ما حافظوا على شرف القيادة… وما تصرّفوا إلاّ كما يتصرّف الأطفال وربات الحجال… يعشقون التقاتل ويكرهون القتال… ولا يخجلون لا من خيانة… ولا من فضيحة… ولا من هزيمة.

 

مزّق سكون الموت… كسّر أغلال الغياب… وقل لنا كيف استطعت أن تدمغ القرن العشرين بطابعك…؟ وكيف تستعد لذات المهمة، في القرن الحادي والعشرين؟ وكيف سكنت العقول والقلوب؟ ودخلت البيوت من أبوابها، في كل المناطق والطوائف والمذاهب والكيانات؟ وكيف بذرت مبادئك القومية والإجتماعية، فحصدتَ أحلى الغلال في أحلى الحقول، وأعطيت أمتك كواكبَ متعاقبة، من الفرسان والمفكرين… وكيف رسّخت العلمانية المتألقة والصادقة، في النصوص كما في النفوس، حتى أصبح المسلم شقيق المسيحي فعلاً، وراح الجميع يرددون معك بصوت واحد:

 

«كلنا مسلمون لرب العالمين. منّا من أسلم لله بالقرآن ومنّا من أسلم لله بالحكمة، ومنّا من أسلم لله بالإنجيل… وليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا ووطننا إلاّ اليهود».

 

وقل لنا كيف استشرفت خطر الصهيونية العالمية، عندما كنت في السابعة عشرة من عمرك، فكتبتَ في جريدة الجريدة البرازيلية، بتاريخ 1/10/1921، وتحت عنوان «السوريون والإستقلال»:

 

«إن الصهاينة جمعياتٍ وفروعاً في جميع أقطار المسكونة، تعمل يداً واحدة لغاية واحدة… هي الإستيلاء على فلسطين وطرد سكانها السوريين منها».

 

أهبط الينا من ذراك

 

وقل لنا كيف كنت أغنى الناس، بليراتك الورقية الأربعمئة اليتيمة، أو الثلاث عشرة، وساعة يدك، وقلم حبرك، التي أوصيت بها إلى زوجتك وبناتك، كما يقول محاميك المسخر الياس رزق الله، فتقزّم أمامك كل الأثرياء حتى التلاشي… حتى الزوال…

 

وكيف جعلتَ من عرزالك غير المكتمل، في صنوبرات ضهور الشوير، قصراً أعظم من قصريّ الخورنق والسدير… ؟ وكيف احترمت ما أقسمت عليه حتى الشهادة…؟ فصرت كما الضمير، رادعاً لكل من يستسهل التنكر لعهد قطعه، او لقَسَمٍ أقسمه، فتمنعه من التمادي في غواية السقوط.

 

وقل لنا كيف رفضت الهرب، من دمشق الى الأردن، بنصيحة العقيد توفيق بشور؟ والسفير الشاعر عمر أبو ريشة؟ والأستاذ الياس قنيزح؟ إنقاذاً لشرف الزعامة، واحتراماً للقانون، فقلت لمن سلّمك أوراق السفر: «تقبر الزعيم إللي سلامتو عندو أغلى من سلامة قضيتو». (على ما أورده الأستاذ أنطوان بطرس في كتابه المذكور أعلاه ص: 80 – 82).

 

فكنت بموقفك العظيم هذا، صنو ذاتك، أو صنو الفيلسوف اليوناني سقراط العظيم، يوم رفض الهرب من السجن بنصيحة بعض تلاميذه، إنقاذاً لشرف الأستذة، ففضّل تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضده، بشرب السم، على تشويه صورته في التاريخ، من أجل بعض سنين.

 

وقل لنا كيف رفضت المساومة، على ما كنت تعتقده حقاً وصواباً، أيام الإنتداب الفرنسي، وفي العهد الإستقلالي، فسبقت السيد قطب في مصر، وفرج الله الحلو في دمشق، في رفضهما العفو المشروط، بكتاب استرحام، يوجهه الأول، إلى الرئيس جمال عبد الناصر، وبكتاب استرحام، بوجهه الثاني، إلى عبد الحميد السرّاج، فرد كل منهما في جوابه على المساومة المطلوبة، مع فارق من بعض سنين: إذا كنتُ مسجوناً بحق، فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنتُ مسجوناً بباطل، فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل.

 

فذهب الأول إلى الإعدام شنقاً، والثاني إلى التذويب، في بئر الأسيد، مرفوعيّ الرأس شامخين كما صنين، أو كماكَ أنتَ… فانتصرا كما انتصرتَ أنت من قبل، وصارا كما صرتَ أنتَ من قبل، أسطورة تتغنى بها أجيال فأجيال، في سوريا الطبيعية، وفي وادي النيل، وفي لبنان الأرز والحرف والمطبعة، ومدرسة الحقوق في أمّ الشرائع بيروت، وفي بقية الأقطار العربية، وأقطار المنظومة الشيوعية، قبل إنهيار الإتحاد السوفياتي.

 

وفي هذا المجال نشير، إلى المقارنة التي أجراها وزير الدفاع السوري السابق، اللواء مصطفى طلاس، في مذكراته: « مرآة حياتي»، بين الزعيم أنطون سعاده، وزعيم حزب البعث العربي الاشتراكي، الأستاذ ميشال عفلق في مواجهتهما للسلطة فقال:

 

«من المعلوم علماً، والمعروف عرفاً، أن السياسيَّ الذي لا يتعرّض للسجن أو النفي أو الإعتقال، لا يكون على مستوى طموحه، ولا على مستوى الصورة، التي رسمها الشعب له. وعليه فالمصيبة التي لطم الحزب –حزب البعث – وجهه عليها، لم تكن في الحبس الذي تعرّضت له قيادته، إنما كانت في نتائجه، إذ انهار الأستاذ ميشال عفلق أمام حسني الزعيم… وطالعتنا الصحف، بكتاب الإعتذار الذي وقعه… والذي بايعه فيه وتعهد له بعدم الإشتغال في السياسة إلى الأبد».. (الجزء الأول من مرآة حياتي طبعة 6 ص: 116).

 

لم يكتف اللواء طلاس، بهذا الوصف للخوف، الذي اعترى زعيم حزب البعث، في مواجهة حسني الزعيم، إنما انتقل إلى وصف حالة الحزن، التي اعترت أفراد حزب البعث عند انتشار النبأ- الفاجعة، وصولاً إلى حد التواري من وجوه القوم، ولسان حالهم يقول:

 

ماذا نقول للناس؟ ماذا نقول للأصدقاء ؟ وبماذا نجابه الخصوم؟ وكيف نجد التفسير والتبرير؟

 

وبعد هذا الوصف، إنتقل الوزير البعثي مصطفى طلاس، إلى المقارنة الصريحة، بين الزعيمين بشجاعة أدبية تحسب له إذ قال:

 

«وجاءتنا الضربة القاضية من لبنان، إذ وقف أنطون سعاده، عميد الحزب السوري القومي، أمام المشنقة، برجولة منقطعة النظير، ليختصر الحياة كلها بعبارة «الحياة وقفة عز فقط»، فأُسقط في أيدينا، وما عدنا نقابل محازبي سعاده، ولا نتقابل حتى مع الشيوعيين، الذين يزخر تاريخهم بمئات المناضلين، الذين جابهوا السلطة ولم يخشوا بطشها… ومنهم اللبناني فرج الله الحلو، الذي فاوضه عبد الحميد السراج في العام 1959، على أن يَكْتب له كتاب التوبة، أو الإعتذار، أو التخلّي عن العقيدة، فرفض فذوبه السرّاج عضواً فعضواً، بحمض الكبريت، وأصبحت قصة فرج الله الحلو أسطورة لدى الشيوعيين (ذات المرجع المذكور أعلاه ص: 117).

 

يا زعيم النهضة القومية!

 

ومؤسس المدرسة المدنية العلمانية الرائدة!

 

والمترفع عن صغائر الطائفية والمذهبية القاتلة.

 

إن تعذر عليك الحضور، أو رفضتَ أن تهبط إلينا، إمّا إنشغالاً بإكمال موسوعة: «نشوء الأمم»، أو إعادة كتابة مرافعتك الشفهية، أمام المحكمة العسكرية، لعلمك باختفاء الملف، وإمّا استنكاراً لما أقدمتْ عليه وزارة الأنباء، في كتاب «قضية الحزب القومي»، الذي استغابتك فيه وأصدرته بعد إعدامك.

 

وإمّا قرفاً مّما حلّ في لبنانك…، وفي أمتك السورية، وجبهتك العربية، وتوجيه الدبابات ضد المتظاهرين، وإغلاق الجامعات لإنعاش السجون، وتدجين وسائل الإعلام، أو إقفال أبوابها بالشمع الأحمر، وتشريد موظفيها في أصقاع الأرض، وإطلاق يد العسس والمخبرين، وابتلاع إسرائيل فلسطين، وصولات شارون وموفاز ونتانياهو في مواجهة الثوار، وفقدان النخوة في رؤوس العرب، وعدم تحريكهم ساكناً…، بإستثناء المقاومة اللبنانية ضد العربدة العسكرية الإسرائيلية، ورفرفة أعلام العدو في بعض عواصمنا، وما جرّه علينا التعصب الديني «البنلادني»، وبدعة قطع رؤوس الأسرى، من الرجال الأبرياء، إلى النساء الأمهات، والعذارى الطاهرات، والأطفال الذين لم يبلغوا سن المراهقة بعد.

 

وإمّا احتجاجاً، على تحويل الجمهوريات العربية، إلى مملكات دِكتاتورية، يرث فيها الحفيد وحفيد الحفيد، أباه وجده، وجدّ جدّه… ويستمر في حكمها أكثر من ملك… ويحكمها بالحديد والنار والمخابرات… بدعم من شقيق له مونه… أو من قوي غريب، في يده عصا طويلة… وتُسخّر فيها الدساتير، من أجل مآرب خاصة… وإن زُينت بخطاب قسم، أو خطاب عرش، أو بسلّة من النوايا الحسنة… أو بعبارة: نعدل الدستور لمرة واحدة الساخرة، أو لمرة واحدة وأخيرة العاهرة».

 

وإمّا استنكاراً لتحوّل المبادئ إلى تجارة، أو إلى إله من تمر مثل الإله هُبَل، نعبده عند الفجر، ونأكله عند الظهيرة، ونرجمه عند المساء، ولا نتغنى في حياتنا، إلاّ بشعرات بنت خالتنا، أو بأمجاد إحدى عمّاتنا وإن كانت، من غير أب، أو من غير أم، أمّ، أو من غير عرق، فنفرح إذا فرحتْ، ونحزن إذا حزنت، ونرتعب إذا لوحت بالعصا، وعلى قدر المسافة منها، نوزع شهادات الوطنية، أو مضابط الإتهام بعدم الوطنية، فنسيء إليها عن قصد، أو غير قصد، ونظهرها بمظهر الوصي علينا، في كل شيء وصولاً إلى إنتخاب الرؤساء الكبار وما دونهم، ونسيء في ذات الوقت، إلى أنفسنا بأنفسنا، كأننا أطفال يتامى، أو صنف من المواطنين العبيد، وأحط أنواع العبيد، نكره العيش بحرّية… ولا نستسيغ إلاّ حكم الوصاية… والبقاء في ظل الدولة الوصيّة، ولا ندرك أن العهود التي تدوم، هي التي تقوم بين الأنداد، وليس بين الأسياد والتابعين.

 

وهذا ما حمل أحد الممسكين، بأبعاد الكلام وتأثيره في السامعين، على التغني بأبي الطيب المتنبي، في مجلس حافل، ضم خليطاً من أهل الفكر والسياسيين الفحول، وبعض المصابين بمرض عبادة المال، وعبادة الأشخاص والكراسي، فتنبه أحدهم وقال: «إن التغني بأبي الطيب المتنبي، في هذه الايام، ليس بريئاً، ولا يقصد منه» إلاّ قصيدته في هجاء كافور حيث نقرأ:

 

لا تشترِ العبد إلاّ والعصا معه

 

إن العبيـد لأنجــاس مناكيـدُ

 

ولمّا وافقه رفاقه، على هذا الإستنتاج، هدّد السياسي، بارتداء ثوب «المواطن الصالح والمخبر الصادق»… وتقديم إخبار بحق المعجب، بأبي الطيب المتنبي، وتوجيه تهمة التعامل مع إسرائيل إليه، فردعه أولي الأمر عن هذا التوجه، وحسناً فعلوا.

 

 

الفقرة التاسعة: أنطون سعاده يأبى أن يصدّق في ذراه، أن وزير خارجية إسرائيل موسى شاريت قد زار حسني الزعيم في دمشق

يا زعيم النهضة؟

 

نحن نعلم أنك تأبى، أن تسمع أو ترى، أو تقرأ، ما كتبه وزير الدفاع السوري السابق اللواء مصطفى طلاس، حول مجيء وزير خارجية إسرائيل موسى شاريت، أو شرتوك… إلى عاصمة الأمويين للإلتقاء بحسني الزعيم، في بلودان حيث نقرأ:

 

“في إحدى المرّات وصل حسني الزعيم إلى فندق بلودان وبرفقته الأمير عادل أرسلان وصلاح الطرزي، حيث جلسوا في إحدى الغرف الداخلية. وبعد ذلك دخل المقدّم ابراهيم الحسيني، رئيس الشرطة العسكرية، وبرفقته شخص يرتدي بزة مقدّم في الجيش السوري… محاطاً بالمزيد من الاحترام والتبجيل. أمّا بزة المقدّم الغريب فكانت أكبر من حجمه… وكان يسير أمام الحسيني، بخطوات مرتبكة… وبشكل ملفت للنظر… وكان شاربه مقصوصاً على طريقة هتلر… فأثار بذلك شكوك الملازم في المخابرات، سامي جمعه… فأخبر آمر الشعبة الثانية، العقيد سعيد حبي… وأجريت المقابلة بين أوصاف المقدّم الغريب… وأوصاف موسى شاريت أو شرتوك… في صورته الظاهرة، في إحدى المجلات البريطانية… فتأكدوا أنه هو ذاته”.

 

(لطفاً تراجع: مذكرات وزير الدفاع السوري السابق اللواء مصطفى طلاس تحت اسم «مرآة حياتي» ج1 طبعة 6 ص: 126 – 128).

 

ولمّا عرف عادل أرسلان، أن هوية الضيف هي موسى شرتوك، وأنه وزير خارجية دولة العدو الإسرائيلي، إنسحب من الإجتماع، وقدّم إستقالته من الحكومة، فوراً، فأبعد كأس العار عن شفتيه إلى الأبد… وأثبت أنه ما زال في بلادنا رجال، ترفع لهُم التحيات تقديراً وإحتراماً.

 

وبعد أسبوع، على هذا الحدث الغريب والمرعب… تكرر اللقاء بين موسى شاريت وحسني الزعيم، في بلودان… فأثار هذا الأمر حفيظة بعض الضباط، ومنهم سعيد حبي وعزيز عبد الكريم وأمين النقوري وتوفيق نظام الدين وأديب الشيشكلي، وقرروا مقابلة حسني الزعيم إحتجاجاً… فلم ينكر إنما قال:

 

«إني أضحك عليهم… ولقد طلبت منهم //800// مليون ليرة سوري مقابل الصلح فعرضوا //400// مليون سوف نأخذها ونشتري بها أسلحة ثم نعود لمحاربتهم وتحرير فلسطين». (ذات المرجع ص: 128).

 

وإذا عرفنا أن المقدّم إبراهيم الحسيني – قائد الشرطة العسكرية – كان يهودي الأصل، من سكان مدينة عكا، على ما ذكر عن لسان العقيد سعيد حبي، في ذات الصفحة 128، من ذات الجزء الأول من مذكرات الجنرال طلاس، نكون قد عرفنا لماذا كان منهمكاً باستقبال موسى شاريت، ولماذا كان يحيطه بكل مظاهر الأبهة والإحترام.

 

وإذا تذكرنا، أن المقدّم إبراهيم الحسيني… هو الذي رافق الزعيم أنطون سعاده، من بيت معروف صعب، في دمشق… الى بيت حسني الزعيم، في ليل 6/7/1949… يصير من حق اللبنانيين، بشكل عام، ومن حق السوريين القوميين الإجتماعيين، بشكل خاص، ومن حق رجال القضاء والمحاماة، بشكل أخصّ، أن يرسموا علامات استفهام كبرى… حول الخلفيات الحقيقية، التي فرضت محاكمة الزعيم أنطون سعاده وإعدامه، وتنفيذ حكم الإعدام به، بسرعة أقلقت وتقلق كل صاحب فكر… وكل محب للعدالة… وأن يتأكدوا من ضخامة المؤامرة، في أبعادها الإقليمية العربية والصهيونية، ضد أنطون سعاده وحزبه… والتي تكلّم عنها النائب كمال جنبلاط، في إستجواباته الثلاثة للحكومة، بعيد الإعدام…ومن ضخامة الثمن المادي والمعنوي والإقتصادي، الذي دفعته الحكومة اللبنانية، مقابل تسليم زعيم الحزب السوري القومي إليها.

 

 

 

الفقرة العاشرة: أنطون سعاده يرفض النزول إلينا بانتظار إعادة محاكمته، في يقظة ضمير مفاجئة تعصف في صدر مسؤول، فيعدّ العدّة لاستصدار قانون يجيز هذه الإعادة.

يا زعيم النهضة

 

يا شهيد المحاكمتين: القضائية والسياسية

 

إذا رفضت النزول إلينا من ذراك، لأنك لم تعد تعرفنا… أو لأننا خذلناك… ووصلنا في إنحطاطنا، إلى حد الغيبوبة… وصرنا مضغة قات، في أفواه البشر… وموضوع تندر في المجتمعات الدولية…

 

أو لأنك صُدمتَ، إذ عرفتَ، أن حكومة الإستقلال الأولى، عقدت إجتماعاً إستثنائياً، عند فجر السابع من تموز، فأيدت رئيسها بوجوب التشدد في محاكمة القوميين وزعيمهم، وإنزال أقسى العقوبات بهم.

 

أو لأنك لم تصدّق أن تكون هذه الحكومة قد استدعت عدداً من رجال القانون، واستمزجت رأيهم حول أي قانون يجب أن يطبق، في محاكمة أنطون سعاده، هل هو قانون الأحكام العرفية؟ أم قانون الطوارئ، فتم الإتفاق على وجوب تطبيق قانون الأحكام العرفية على أساس أنه ما زال قائماً، شرط أن يبقى هذا الأمر سرّياً، وممنوعاً من النشر (تراجع الصفحة (90) من كتاب الأستاذ أنطوان بطرس: «قصة محاكمة أنطون سعاده وإعدامه طبعة ثانية».

 

أو لأنك لم تصدق، عندما استدعيت من مكان توقيفك، إلى مكتب الزعيم نور الدين الرفاعي في سيار الدرك، حيث بدأ إستجوابك، ليستأنف في المحكمة العسكرية… من قبل هيئتها المؤلفة من المقدّم أنور كرم رئيساً، والقاضي المدني غبريـال باسيلا، والنقيب طانيوس السمراني، والنقيب عزيز الأحدب، ومثَل الحق العام، أمام هذه المحكمة، النائب العام الإستئنافي يوسف شربل ذاته…. فامّحى بذلك دور قاضي التحقيق في التحقيق، ودوره في إصدار قرار الإتهام، وإحالتك على المحكمة العسكرية… وحرمت من إبلاغك قرار الإتهام… ومن كل الحقوق والضمانات، المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية، الصادر في 18/9/1948.

 

أو لأنك لم يخطر في بالك، أن يُمنع الجمهور والصحافيون من حضور المحاكمة، وأن يكون حضور المحاكمة مقتصراً، على أركان الدولة، مثل وزير الدفاع الأمير مجيد أرسلان، ومدير عام وزارة الدفاع منير تقي الدين، ورئيس الأركان العامة العقيد توفيق سالم، وقائد الدرك الزعيم نور الدين الرفاعي، والمقدم منصور لحود، مرافق رئيس الجمهورية، وكل من خليل وميشال الخوري، نجلي رئيس الجمهورية، والمدير العام لرئاسة الحكومة ناظم عكاري، وبعض القضاة والضباط. (ذات المرجع ص: (97) و(103) و(104)

 

نعم…!

 

إذا رفضت النزول إلينا…وتنكّرتَ لنا جميعاً، فأنت محق، لأننا حرمناك من حق الدفاع… وقد وصل تحامل مؤسسات الدولة عليك… إلى حد اتهامك في شجاعتك، التي كانت مضرب المثل، وإلى حد تزوير رسالة كتبها منفذ عام عكا محمد جميل يونس…لإثبات تهمة تعاملك مع إسرائيل.

 

ولهذا سأل رئيس المحكمة العسكرية، المقدم أنور كرم، المدعى عليه الدكتور عبدالله سعاده… بحضور وكيله المحامي الكبير أميل لحود، عن تلك الوثيقة بقوله: «هذه رسالة محمد جميل يونس. إنها تثبت أن ما تسميه زعيمك أو مَن تسميه رئيسك كان يتعامل مع إسرائيل».

 

وشاء القدر أن يكون الدكتور عبدالله سعاده، ومحاميه الأستاذ أميل لحود، قد قابلا منفذ عام عكا، محمد جميل يونس، في السجن… وعرفا منه حقيقة الرسالة، فقال الأستاذ أميل لحود في رده على كلام رئيس المحكمة:

 

هذه وثيقة لا إله. نحن نريد وثيقة لا إله إلاّ الله. نحن نطالب بإلحاح إبراز الوثيقة الأصلية المكتوبة بخط اليد… فطلب الرئيس من النائب العام أن يبرزها ويقرأها… فقرأها…فاذا بها مغايرة تماماً، للصورة التي جوبه بها الزعيم والقوميون… ومنهم الدكتور عبدالله سعاده، فصفّق الحاضرون داخل المحكمة… لجلاء الحقيقة بهذا الشكل وسقطت الوثيقة رسمياً. (الأستاذ أنطوان بطرس في كتابه طبعة 2 ص: 41). لكنها لم تسقط في كتاب: «قضية الحزب القومي».

 

كم من الوثائق والتهم كانت سقطت، لو احترم القضاء حق الدفاع… وأعطي المحامي الكبير أميل لحود الوقت الكافي، لدراسة الملف وإعداد دفاعه عن الزعيم؟

 

وإلى أن يأتي الوقت، الذي تستجمع فيه الحكومة اللبنانية شجاعتها… فتنشر ملف محاكمة الزعيم أنطون سعاده، بكل تفاصيله وخلفياته ومستنداته، اذا كان ما زال موجوداً. وإلاّ فلتباشر بإعادة تكوينه… تمهيداً لتشكيل هيئة رفيعة المستوى، لا يقل عددها عن مئة شخصية وطنية وعربية وعالمية، من كبار القضاة، وكبار المحامين، وأساتذة الحقوق، ورجالات الفكر، لإعادة دراسة الملف الأصلي… أو المعاد تكوينه… في جلسات علنية متعاقبة…ومتلفزة على ضوء كل ما كتب، حول هذه القضية…تمهيداً لإصدار قرار نهائي يكون بمستوى الحدث.

 

فإن ثبت، أن محاكمة أنطون سعاده تمت، وفقاً لأحكام القانون اللبناني، ووفقاً للمعايير الدولية في ذلك الزمان…

 

وإن ثبت أن الزعيم أنطون سعاده، كان جباناً فعلاً… أو كان متعاملاً مع إسرائيل فعلاً… وأنه قام بالثورة بعد إعداد، ولم يستدرج إليها استدراجاً… وأن هدفه كان الإستيلاء على الحكم في لبنان وسوريا بالقوة…معتمداً في ذلك على مساعدة إسرائيل كما يقول النائب العام ووزارة الانباء…

 

نعم!

 

إذا ثبت ذلك يدوّن كلّه في متن القرار… ويعطى القضاة والسياسيون، الذين كان لهم دور في إلقاء القبض على الزعيم…وفي تسليمه، وفي حرمانه من حق الدفاع، وفي محاكمته وفي إعدامه، صكّ براءة أو إبراء ذمة، من كل المثالب التي ألصقها رجال الفكر والإعلام بهم.

 

أمّا إذا ثبت وجود مؤامرة لبنانية، وغير لبنانية… ضد الزعيم أنطون سعاده وحزبه… وقضت باستدراجه إلى حادث الجميزة أولاً، تمهيداً لردة فعل متوقعة، من أجل القضاء عليه وعلى حزبه…

 

وإذا ثبت أن أنطون سعاده، حُرم من حق الدفاع… وأن نتيجة حكم الإعدام كانت معروفة مسبقاً… كما يقول الضابط المسخّر الياس رزق الله…

 

وإذا ثبت أن أنطون سعاده كان يتمتع بشجاعة أدبية عالية، في مواجهة الرصاص، وفي مواجهة النائب العام…وقضاة الحكم… كما كان شجاعاً في حياته الخاصة والحزبية…

 

وإذا ثبت أن أنطون سعاده لم يكن في وارد الثورة ضد الدولة، لولا حادث الجميزة.

 

وإذا ثبت أن أنطون سعاده كان رائداً، في الوطنية وفي مناهضة الصهيونية، ولم تلن له عريكة أو قناة، في محاربة إسرائيل… ولم يتصل بها… ولم يتعامل معها… وعمل المستحيل من أجل محاربتها، وطردها من الأراضي التي احتلتها…

 

وإذا ثبت تزوير رسالة منفذ عام عكا، محمد جميل يونس، لإرهاق كاهل الزعيم وحزبه…

 

يدوّن كل ذلك في متن القرار…ويعطى أنطون سعاده صكاً يثبت، أنه كان شهيداً للعدالة… وضحية خطأ قضائي مقصود… من قبيل إعادة الإعتبار المعنوية إليه، وإلى عائلته وحزبه، وكل من استنكر الطريقة، التي تمت فيها محاكمته.

 

وبعد إصدار قرار إعادة الاعتبار المعنوية… وتدوين ما يجب تدوينه… تبادر الحكومة اللبنانية، إلى موقف يرفعنا إلى مستوى الدول الكبرى، في معاملة كبارها إذا أخطأت بحقهم ومنها فرنسا، التي أعادت الإعتبار إلى شاعرها شارل بودلير في 31/5/1949، بعد موته بإثنين وتسعين عاماً، فتعلن دولتنا:

 

1) أنها تعتذر إلى الزعيم أنطون سعاده وحزبه، عن كل الأخطاء السياسية والقضائية، التي وقعتْ عليه، في المحاكمة الأخيرة التي بدأت وانتهت ونفذ حكمها، في أقل من 15 ساعة في تموز 1949.

 

2) أن تكرّس الزعيم أنطون سعاده شهيداً للعدالة… وترفع له تمثالاً يليق به في ساحة عامة في بيروت… وتحفر على قاعدته نص حكم الإعدام، من جهة… ونص قرار إعادة المحاكمة، أو إعادة الإعتبار المعنوية، من جهة ثانية… ليكون هذا الحدث رادعاً لكل مسؤول سياسي أو قضائي أو عسكري، يظن أن مركزه يحميه أو يجعله قادراً على إخفاء الحقيقة إلى الأبد… فنقطع بذلك دابر السياسة في القضاء… ودابر الإستنساب، في فتح الملفات القضائية وإغلاقها… ودابر الأخطاء القضائية، المقصودة وغير المقصودة.

 

الفقرة الحادية عشرة: ما أشبه محاكمة أنطون سعاده، بمحاكمة الوزير العباسي الفذّ نصير الدولة، في عهد الخليفة الطائع لله

وإلى أن يأتي اليوم الذي تعاد فيه محاكمة أنطون سعاده، قررتُ أن أطرق باب التاريخ مستشهداً، بإحدى واقعاته الخالدات، فأقول بالفم الملآن:

 

في عهد الخليفة العباسي، الطائع لله، إتفق الأمير عضد الدولة بن بويه مع ابن عمه الأمير عزّالدولة بن بويه، ضد الوزير الطاهر محمد بن بقية، الملقب بـِ”نصير الدولة”، والمعروف بعصاميته، وكثرة حسّاده، وعبقريته الفذة، وثقافته العالية، وأدبه الجم، والشجاعة في إسداء النصيحة، وإعطاء المشورة… وقرّرا التخلص منه بقرار قضائي، يحمّله مسؤولية الحرب، التي وقعت بين الأميرين، فأُخضع إلى محاكمة شكلية وسريعة، أجراها له الأمير المنتصر.

 

ومن ثم صدر القرار بصلبه حياً، على عمود عالٍ وإقامة الحرّاس حوله، وعدم إنزاله… طالما بقي الأمير المنتصر عضد الدولة بن بويه، على قيد الحياة.

 

وشاء القدر أن يمر الشاعر، أبو الحسن محمد بن عمران الأنباري، بالوزير المصلوب… ففاضت قريحته وارتجل قصيدة عصماء طويلة جاء فيها:

 

علوٌّ في الحياة وفـي الممــــاتِ

لحــــقٌ تلـكَ إحدى المعجـزاتِ

كأنـك قائمٌ فيهمُ خطيبـاً

وكأنهـُم قيـامٌ للصــلاةِ

أســـأتَ إلى النوائــبِ فاستثـارتْ

فأنَ قتيــلُ ثــأرِ النائبـاتِ

 

ولمّا وصل خبر هذه القصيدة، إلى أسماع الأمير المنتصر عضد الدولة بن بويه، قال: يا ليتني كنت أنا المصلوب لتقال فيّ هذه القصيدة، فتدخلني التاريخ، وتغنيني عن كل مظاهر الملْك الفارغة. وأعتقد اعتقادًا راسخاً أن الذين ساهموا، في إعدام أنطون سعاده، المعروفين منهم وغير المعروفين، يتمنون اليوم، وبعد هذا السيل من كشف الحقائق، لو همُ كانوا المعدومين مكانه… أو أبطالاً مثله، أو راسخين في الوطنية مثله، أو صادقين في معاداة إسرائيل مثله، ليقال فيهم ما يقول الكبار فيه. وحده أنطون سعاده يستحق أن يقال فيه:

 

علوٌّ في الحيـاةِ وفي الممـاتِ

لحـقٌ تلكَ إحــدى المعجـزاتِ

كأنـك قائمٌ فيهـمُ خطيبــاً

وكأنهُ قيـام للصلاةِ

أسأتَ إلـــى النوائبِ فاستثارتْ

فأنَ قتيــل ثـأرِ النائبـاتِ

(جريدة الديار)

 

 

https://addiyar.com/article/1919874-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84-50-%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%85%D9%87-%D8%B9%D8%A7%D9%85-1999-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A6%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%AA%D9%87-%D8%B9%D8%A7%D9%85-2004

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.