مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#هاني_سليمان_الحلبي: عند كسر شرنقة الكلس*

 

هاني سليمان الحلبي**

 

نهضنا باكراً وتهيأنا قبل وصول السيارة الأميركيّة البيضاء الطويلة. السائق نقولا* يرسم برنامج رحلته بالدقائق ولا يحتمل التأخير.

الزمان: 29 كانون الأول 1973.

المناسبة: موعد في مستشفى الروم – القديس جاورجيوس.

السبب: نزع قالب الجبص الذي كان يلفني من تحت الإبطين إلى أبهام القدم اليسرى.

لذا لم يكن من داعٍ لألبس ثياباً فثيابي من جبص سميك تفصله عن جلدي أطواق من القطن كافية لتشعل فيلاً كبيراً. بينما أنا كنت فتى في الثانية عشرة من عمري مقدود الجسم ومصقول القوام، لا أتجاوز وزن الخمسين كيلوغراماً ولا طول الـ 120 سم.

كانت بيادر الضيعة الفسيحة وحقولها قد حوّلتني رياضياً سنجاباً يسابق الرياح وشيبوباً صديق الفلوات وترزاناً رفيق البراري في نهاراتها وبعض لياليها.

وكان استعدّ أبي الجبل، بمهابة رجل الدين العابق بتاريخ بني معروف جدّية وشهامة ومروءة، اتردّى المنتان*، الجاكيت الذي تخيطه نسوة محترفات ولا تبخل على أطرافه بتركيب مزركش من خيطان غليظة وسميكة، وسرواله الأسود وانتعل حذاءه الخاص الذي كان قد أوصى عليه عند المعلم عبدالله** وكلّفه جزءاً وازناً من غلة البيدر عامذاك واخيراً اعتمر عمامته البيضاء وفوقها الحطة النقّية.

وما هي إلا دقائق حتى زعق زمور السيارة وصوت نقولا بعد أن أخفض زجاج شباكه قليلاً متفادياً زخات المطر الباردة، ولينفث دخان سيجارته الأولى الأطيب افتتاحاً ليوم شاقّ.

لمحتْ عيناي وجه أبي. الرجل الذي لا يهاب موقفاً ولا يعجزه تحدّ، وقد تهيّب هذا اليوم العصيب عليه لأسباب وأسباب. إذ يكفي أن يكون على الجدول السنويّ للمزارع القروي مشوار واحد إلى المدينة لينهمّ به، لكن مشاق هذا اليوم عسيرة بما لا تُقاس.

أنا في قرارة نفسي فرح ومتشوّق للحظة التي تنكسر بها شرنقتي الكلسيّة وأولد من جديد، بعد أن أثخنتني أسياخ الفضة اختراقاً من جهات عدّة لتعيد وصل قطع عظامي قواماً متسقاً..

كان أبي في حيرة من أمره. السائق يستعجل. ركابه يلحّون وبعضهم ينتظر وصوله إليه ليطمئن أن برنامجه النهاريّ كما يجب، فالساعة تقارب الخامسة والنصف صباحاً، ليحاول الانزلاق إلى بيروت قبل عجقة الصباح. والأرجح أنه كان يوم اثنين أول الأسبوع حيث يشهد زحمة مضاعفة يهابها جميع الوافدين إلى بيروت، وبخاصة في أم الشرائع، التي تفيض في الشتاء بمياه الأمطار المتدفقة أنهاراً وسيولاً من جبل لبنان، وبأمواه المجارير ذات الإنتاج المحليّ بقسطاس خبير ليستحمّ بها شعب الكيان الفريد وليوزّع عبقها على مدى 10452 كلم مربع، وما يليه من محيطه الطبيعيّ المشرقيّ..

***

كيف يحملني؟ هل أكون مشدوداً إلى صدره؟ أو يشدّني إلى ظهره؟ أو يرفعني فوق كتفيه؟ وفي الحالات الثلاث ليس همّه في وزني وهو في عامه الرابع والخمسين، ما زال فتياً بهمّة ثلاثينيّ. بل همّه ألا يلحق بي ضرراً، ولا يؤلمني بلمس قضبان الفضة الحادة الرؤوس، لكنها كان مغلفة بقماقم البنسلين ومُحكمة الربط بلصاق قماشيّ طبيّ متين كانوا يسمّونه شرتيتون. فهو كان يظنني هشاً إلى درجة خطيرة. فربماً أتكسر إن وقعت من يديه كبيضة سقطت من مؤخرة دجاجة زراعيّة فوق الحصى الحادة، وهي تتبع نظاماً غذائياً قاسياً كالعارضات البرازيليات اللواتي يرسمن حيواتهنّ على الشعرة الضئيلة بين الموت جوعاً والحياة بقلة قاتلة.

غاب عن بال أني كنت يوميّاً أزدرد بيضتين بلديتين مقليتين أو مسلوقتين وحدي، وعيون باقي أفراد الأسرة تحسدني على هذا العزّ. وعندما تحدجني نظراتهم أستقرأ أمانيهم لو يتحطّموا قطعاً ليحتكروا بيض دجاجاتنا اللذيذ. وكم عشقتُ تلك الدجاجات وأكن لهن بفضل تاريخيّ عليّ، فساعدتني مع دُرَّتيْ بقرتينا على استجماع قوامي الطبيعي وطناً مشدوداً من جديد. وأعترف بعد ما يقارب نصف قرن أنه أصابني اكتئاب عندما أغار عليها في القن ثعلب معادٍ فأباد نصفها ولم توفر ما تبقى تباعاً طنجرة أمي احتفاء بضيف نادر هبط من علٍ على بيتنا من دون سابق إنذار وتنسيق. وربما كانت تلك التجربة أولى تجاربي في العشق وخيباته، فسامني عذاب عميق أن ما كان أوله غراماً مؤرقاً لن تكون نهايته دلالاً وحنجلة.

حزم أبي أمره، فوضع يمناه من تحت إبطي وطلب مني أن أتعلّق بيسراي برقبته لأساعده على التماسك والتوازن، ومدّ يسراه تحت ساقي اليسرى الملفوفة بالجبص ليمسك ساقي اليمنى بيده اليسرى، فكدت أصرخ من أصابعه الفولاذيّة عندما كان يجمعها على عضلات فخذي الهزيلة بعد أشهر من قعودي. فرفعني إلى صدره وانطلق بي والشتاء يزخّنا حبات بَرَدٍ كأننا في حمام تركيّ حديث بلا كهرباء.

آخر كلمة سمعتُها من فم أمي: انتبه للصبي، يا سليمان! الله يسهلكم!

ارتقى بي الجلّ الترابيّ الموحل، فوق ممرّ مرصوف بحجارة تغلق فراغاتها حصى صغيرة حتى بلغ رصيف الطريق.

وأول كلمة بادره بها السائق يلومه: ولو يا أبو علي ما بتعرف الركاب ما بيتحمّلوا وطريقنا طويل!

  • اجاب أبي باقتضاب ووقار كعادته : مبلى بعرف، ولكن الصبي ما بيقدر يمشي، وكيف بدّي أحمله ليوصل للسيارة. ربّنا يسرها. بدّي من فضلك تعطينا المقعد الخلفي.
  • كان لازم تقلّي مبارح هيك، أنه بدكم محل 3 ركاب. هلق شو بعمل بأمّ جورج؟

تداركت أم جورج الموقف. فأنزلت شباكها وطلبت من الشوفار ان يُعيدها إلى ساحة البلدية لتستقل بوسطة العم أبو ظاهر، قبل أن ينطلق إلى بيروت، ونحن نأخذ المقاعد الخلفيّة الثلاثة.

كانت محطة القضماني للمحروقات، لم يمض على افتتاحها وقت طويل، ويعمل فيها عامل نشيط في النهار وفي الليل يقضي وقته بالرسم حتى غدا فناناً نجماً يتوق شعر الأوانس والجميلات أن يرسمه لوحات ملوّنة، فيطير على القماش وتطير قلوب شباب الضيعة الوادعة حوله وهو معلّق إلى جداران مكتب المحطة. وكان الشيخ يونس مغرماً بالغابات والشلالات والصيادين والكلاب والطرائد قد زيّن جدران مكتبه في المحطة من الداخل بلوحات الصيادين والكلاب الفاغرة أفواهها والطرائد التي تسجل آخر لحظات حيواتها قبل أن تتساقط على الأرض او تجاهد للاختفاء فالطيرأن أو الموت بصمت بعيداً عن نَتْفِ البشر.

طلب نقولا من أبي أن ننتظر قليلاً في المحطة ليوصل أم جورج إلى البوسطة ويعود إلينا. في هذه اللحظة يخرج الشيخ يونس ويدعونا إلى مكتبة الدافئ، من زمهرير كانون الأول وزخّات الشتاء في أيامه الفتيّة الأولى.

ربع ساعة مديدة ثم عادت السيارة وتعاون الشوفار نقولا والشيخ يونس وأبي على إدخالي إلى المقعد الخلفي، وأقفلوا الباب الأيسر من جهة، ومن الجهة الثانية جلس أبي وطلب أن ألقي رأسي إلى كتفه الأيمن.

برزت خبرة الشوفار في اختيار طريقة الدخول إلى السيارة، فطلب اعتماد الباب الأيمن للإقفال والنزول بحيث يتمّ سحبي سحباً منه.

سارت السيارة تجوب الطريق بسرعة لافتة. وكأن أبي يعاني من دوار السيارة، فتحسّب بحامضة يشمّها عندما يشعر بالدوار الذي بدأ بالتأثير على معدته ورأسه. كانت حدّة الدوار تزداد أكثر مع المنعطفات الجبليّة في ظهر البيدر وصوفر وبعلشميه وعاليه والكحالة والجمهور، وهي تعربش المرتفعات أو تتدحرج نزولاً، حتى أخذت تتراجع مع انزلاق نزلة الحازميّة والصياد والدخول في شوارع بيروت نحو الأشرفية لننزل في مستشفى القديس جاورجيوس في الجعيتاوي، ثم يكمل طريقه نقولا إلى ساحة البرج، أو ساحة الشهداء، التي كانت الموزّع الرئيس لخطوط النقل العموميّة للبنان الكبير كله، حينذاك قبل الحرب البغيضة التي نشبت بعد سنتين ونيّف ربيع العام 1975.

***

وصلنا المستشفى. كان النزول من السيارة أهون من الصعود إليها، فربما أبي حصّل خبرة جديدة وربما خبرة الشوفار قد ألهمته حسن التصرّف ويُسر العمل.

ربع ساعة أخرى، كنا قد وصلنا إلى قاعة الانتظار في قسم الطوارئ، إلى الزاوية مجسَّم للقديس جاورجيوس محارب الحقّ التاريخيّ بوج التنين الغاشم، فوق فرسه الأبيض المشعّ وسط هول معركة لما تنته بعد، مع تعدّد الأدوار والمراحل والأزمنة.

تذكرتني كاتيا، فرحّبت بنا. السكرتيرة الشقراء في طابق الطوارئ، نجمة هيفاء. شديدة النعومة، عشرينيّة كزهرة اقحوان متفتحة للحياة والحب، ووجدتني فتًى ناعماً، باسم الوجه بعينيه الخضراوين يسبح الحياة لم تقبل تُمَّه إلا أمُّه.

كثيراً ما كانت تكلفنا، نحن المرضى في صالة فسيحة، بوجبات طي الشاش الطبي لتزويد الصيدلية وغرف العمليات، لكني والعم محمد الذي كان مايسترو موسيقى الجيش، كما قال، كان شريكي الأبرز بخدمة الشاش، لم نتأفف مرة. فعلى وقع تلحين فمه للنشيد الوطني وأي نشيد وأغنية بتصفير مموسق من شفتيه، فيُطربنا ولا نشعر بتعب ولا بوقت يمرّ. بعض النزلاء في القاعة المديدة التي كانت تضمّ رقم سريري 82، المدوّن بالبويا الخضراء على الحائط الرمادي، كانوا يتأففون من خدمة الشاش، متذرّعين أنهم ليسوا في المشفى للسخرة.

تقدّم أبي من السكرتيرة، خطوات. قفز قلبي خوفاً مما دفع أبي للذهاب للسكرتيرة. خطر لي أنه سيلقنها درساً في الأخلاق عندما رآها مهتمّة بي فلا يريد منها إفساد أخلاق طفله البريء ولا أن يكون ضحية إعجاب ببنت من خارج الطائفة. اسمها كاتيا؟ وهذا دليل كافٍ على أنها ليست من طائفة أبي، وهو قرينة حاسمة على جرم مشهود.

لكن أبي التفت إليّ وقال لي: شوي وبرجع.

سلة من أسرار تدور حولي ولا أعرف لها جواباً. ماذا قال أبي للسكرتيرة؟ ولماذا اتجه نحوها؟ وماذا لو لم يعُد أبي، لا سمح الله؟ وانا حَمَلً غريب في غابة ذئاب ترطن بالفرنسية حيناً وحيناً بالإنكليزية موشحتين بعربيّة بيروتيّة.

وأنا في لجّة الأسئلة والهواجس غابت عيناي عن المشهد أفقت وكاتيا تضمّني إليها، وتشدّ رأسي إلى صدرها وتمسح يديها في شعري بحنان مثله لم أشهد من قبل ومن بعد. وهمست: شوي وبيوصل الدكتور أنطوان فرحات، فهو على الطريق ويعاينك. وإذا كان كل شي تمام ترتاح من الجبصين، وتبدأ مرحلة علاج أخرى. الحمدلله على سلامتك حبيبي.

أنهت كاتيا مغامرتها، وأعادت ترتيب شعرها فوق كتفيها، وجلست خلف مكتبها لتردّ على المتصل بالهاتف.

رن رن.

  • ألو، نعم وصل. هو وأبوه وهما بانتظارك.

عاد أبي، والحمدلله. وجه مشرق وعيناه عابقتان بعافية وثقة أكثر. أحسسته أنه ارتاح من تفاعلات الدوار الحادة. وبادرني بالسؤال عن الدكتور. قلت له إنه وصل وسأل عنا. هكذا استنتجت من جواب السكرتيرة له.

برهة وصل الدكتور أنطوان شاب نحيل، طويل القامة، ممشوق الجسم، يرتدي قميصه الطبي الأبيض، مشرق الوجه بعينيه الزرقاوين ولما وقعت عيناه عليه ابتسم لي ملء وجهه. واقترب ورتّب على كتفي. وقال بلسانه الزحلاويّ: خلصنا. ما تحمل همّ.

ابتسمتْ له شاكراً.

سأل عن جريس. وطلب استدعاءه لينقلني بالشاريو إلى الأشعة. وإطلاعه على النتيجة.

كانت صورة الأشعة جيّدة. كما قيل لي، أظهرت عظامي المكسّرة قد أصبحت بشكل قضيب زعرور عملاق، غليط الشكل وكل بضع سنتيمترات تبدو كتلة من الكلس قد تكوّرت وبرزت فجمعت جانبي الكسر.

فرح جريس لما رأى الصورة وقال لي: برافو. كل شي تمام. ومن الان وصاعداً لا تقوى سكة قطار على تكسير عظامك.

وساقني إلى غرفة مجاورة وأخبر الدكتور فرحات بالنتيجة فطلب منه فتح الجبصين وتعقيم جسمي.

انتهى جريس وأخبر الطبيب أنطوان فأتى. وطلب مني أن أقف وحدي فوقفت على رجل واحدة بصعوبة لثوانٍ وتأرجحت وكدت أقع.

طلب مني أن أتوازن قربه وأتمسك به. حاولت فلم أتمكن إلا من القفز كأرنب مقصوص الذيل. فلم أكن أشعر أن لديّ قدماً ثانية. فأردف لا مشكلة.

التفت إلى أبي وقال: كل يوم يجب تدليك الرجل اليسرى بمي ساخن وصابون، وبعد تنشيفها من الماء والرطوبة يتم دهنها بزيت الزيتون لمدة 3 أشهر ثم تعودون بزيارة ثانية إليّ..

شكرنا الدكتور فرحات وجريس اللطيف وكاتيا، ثم حملني أبي فوق كتفه الأيمن وقد تدلّت رجلي من إمام ورجل من خلف ومشى بي، التفت إلى كاتيا وأنا أخرج من الصالة فوجدت قلبها بين شفتيها وقد تورّدتا بلون ورديّ موشّح بقرمزيّة كرز.. وبعد أن مسحتهما بنعومة ساحرة ببعضهما ألقت تحية من جفنيها ورفعت يدها اليسرى ملوّحة.

***

خرجنا من الباب الرئيسيّ لطايق الطوارئ السفلي وتابعنا إلى الردهة حتى بلغنا الشارع العام.

توقعت أن يوقف أبي سيارة لتوصلنا إلى موقف السيارات العموميّة في ساحة البرج، لكنه لم يفعل!

فحادثت نفسي يبدو أن المكان قريب فلم ير المسافة تستحق ووجد الوقت كافياً للمشي في طرقات العاصمة، ولكنه يحمل آدمياً على كتفيه!

حاولت ان أخفف عنه.فقلت له يمكنني ان أمشي بجانبه متكئاً عليه، فقال اتكل ع الله، وما بدنا تستبقنا السيارة يا بيي.

حاولت مرات أن اطلب منه أن يرتاح، فلم يرتح ولم يتوقف. سوى أنه نقلني من الكتف الأيمن إلى الكتف الأيسر. وتابع بهمة أعلى من الأولى.

كان الطقس في بيروت رفيقاً بنا. شمس مشرقة وحرارة لطيفة تشبه يوماً بنيسان، وعندما ألمح من فرجات العمارات البحر تبدو خطوط الزبد الأبيض توشح أطوال الموجات وتتهادى عشرات المراكب والسفن المختلفة الأطوال والأحجام والأغراض والألوان.

وصلنا ساحة فسيحة كانت تبدو وكأنها ساحة الحشر. أصوات الباعة، صفوف السيارات المرتبة المتوقفة بجانب بعضها، البواسط الكبيرة الملوّنة. سأل أبي عن نقولا فقال له مشرف الموقف إنه غادر منذ قليل. انتظر راكباً طويلاً، لكنهما تأخّرا فقطع الأمل بعودتكما وغادر بمن معه.

فسألناه عن بوسطة راشيا، فأشار إليها أنها ما زالت هنا وستنطلق بعد حوالى ساعة. كانت الساعة تقارب الثانية عشرة ظهراً.

***

دخلنا البوسطة وسلّمنا على الركاب المنتظرين ساعة الفرج والعودة إلى الضيعة. كانت تكاد تمتلئ عن بكرة أبيها. بالركاب والأكياس، وأصناف البضائع، في بطنها المتخم وعلى سطحها المليء، حتى تناثرت رياش الدجاج من قفص كان مربوطاً إلى الشبكة الحديدية على السطح.

أتى العم أبو ظاهر، وفي يده كعكة كرواسون بزعتر. سلّم على والدي، وسألني : كيفك يا عريس. كيف صرت؟ بادر أبي قبل أن أتكلم أننا كنا في المشتسفى وفكينا له الجبصين، والحمدلله ترجّح العافية.

كان محرك البوسطة يرتفع هديره تدريجياً، حتى يكون مهيئاً للتعريج صعوداً 100 كلم للضيعة، منطلقين برحلة العودة في المساء.

دقائق أغلق العم أبو ظاهر الباب الثقيل المصفّح وحلّ فرام اليد وعالج الفيتاس بالغيار المناسب وأطلق زمورها العالي ليفسحوا الطريق إلى الشارع العام. سار فالأشرفية وفرن الشباك وسن الفيل والحازمية وعاليه فشتورا وتقاطع المصنع بمحاذاة الحدود مع سورية، وانعطف جنوباً إلى راشيا.

كانت الرحلة الفلكيّة مهولة من العمر. “تجمّع فيها من كل لسن وأمة فلا يفهم الحداث إلا التراجم”، كل بضعة أمتار يصرخ بالشوفار راكب يريد النزول، أو يقرع الجرس المربوط بخيط مشدود إلى السقف من الجانبين، وأحياناً مرات عدة يتوقف الشوفار لركاب ينتظرون مع أكوام من الأغراض والحوائج والمؤون والكائنات من كل الفصائل.

ساعات مديدة ونحن نتأرجح ونهتز شمالاً ويميناً ومَن كان حظه عاثراً وأتى آخر الركاب يكون مقعده فوق الدولاب الخلفيّ، فعندما تنزل في جورة أو ترتفع فوق مطبّ يرتفع من مكانه إلى الأعلى أو يصرخ من وجع الارتجاج من الهبوط حتى تكاد تُسمع فرقعة فقرات ظهره.

***

عزاء يوم البوسط الرفقة والوفرة في كلفة المشوار، وحلاوتها أنها يوم كامل مع أبي. ربّما هو اليوم الوحيد الذي أنست فيها قربَه وحضورَه واحتكرتُ عبق رائحته الزكية.

وصلنا مرهقَيْن جداً، بعد غروب الشمس، حوالى الساعة السادسة مساء، أنزلني أبي بتؤدة وساعده العم أبو ظاهر لأتمكن من النزول عن درج البوسطة المرتفع.

وصلنا البيت. وكانت أمي قلقة جداً على عدم وصولنا قبل هذا الوقت. واخذت تلوم أبي أنه لم يتقن التدبير وكعادته تأخر عن موعد السيارة، وقالت وهي تطلق قذيفتها الأخيرة لتتلافى الحرب “كل شغلك هيك!”.

نظرتُ إليها معاتباً، وأقول في سرّي، لو رأتْ ماذا فعل أبي، هل كانت ترشقه، بسيل من اللوم قبل أن تسأله عن التفاصيل.

كان أبي متعباً جداً، وبحاجة للراحة والعشاء. وبالأخصّ لعلاجه السحريّ بكوب الليموناضة المحلّى ليستعيد توازن جسده الجبل.

وأنا أخذت أسرد لأمي وإخوتي وأخواتي الذين تحلقوا حول المدفأة عن رحلة ابن بطوطة إلى بيروت من دق دق إلى استودعكم الله، وتوصيات الدكتور بالماء الساخن والصابون وزيت الزيتون كل يوم. وما هي إلا دقائق حتى كانت يدا أمي السحريتان تطوفان حول تضاريس رجلي اليسرى ثم تلبسني ثيابي. وتقرّبني إلى الدفء البيتيّ في غرفة الشتاء.

بحتُ لهم بكل شيء. لكن سرّ كاتيا احتفظت به 48 عاماً قابعاً في الروح.

***

 

في 11 تموز 1979 – الأربعاء – الساعة العاشرة صباحاً، كانت تغادر بيتنا آخر نسمة حياة تعبق بأبي.

كحبّة ملح غاب. انطفأ كضوء مضمّخ بالنبل والمروءة والصدق والعطاء.

بذكرى غيابك الثانية والأربعين، يا أبي الباقي، ليديك كل العرفان، ولقدميك المتعبتين كل الامتنان، ولكتفيك المرهقتين من أنواء الحياة وصروف الدهر، القبل وضمّة الوفاء والتبرّك بنورك.

رحلتَ، وبقي الحساب بيننا مفتوحاً على استحالة الوفاء. أعطيتَ ما لا يعطيه إلا جبل، وما أخذتَ منا إلا قليل القليل.

 

*تحية قصصيّة لروح المرحوم أبي، الذي تصادف ذكرى رحيله الثانية والأربعين في 11 تموز من كل عام.

**ناشر ومؤسس موقع حرمون.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.