مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#توفيق_محمد_الحلبي.. #طريق_السماء

 

هاني سليمان الحلبي*

 

تستحق بلدة الكفير من قضاء حاصبيا، أن تزورها، فهي بلد القامات والكبار ممن نعرفهم أو سمعنا بهم، كالسياسي الشهير فارس الخوري، الروائية إميلي نصرالله، الجنرال عصام أبو جمرا، راجح الخوري، د.نسيم الخوري، وغيرهم من الأفذاذ؛ وكثيرون ممن لم نسمع بهم ولم نعرفهم، لأن هذه القرى على رحابة صدرها وقلوب بنيها وآفاقها الجميلة لا تتسع لأهلها. فهي طاردة لبنيها لأنها تقع ضمن الاحتلال اللبناني!!

هناك من ميامينها مَن طردتهم إلى العاصمة فتبيرتوا، وغابوا بين عماراتها الموحشة وشوارعها الرطبة ومؤسساتها المغلقة على الشمس والعافية، وهناك منهم مَن تغرّبوا إلى أقاصي الأرض ونجّموا فيها، لكنهم لم يحضوا بشرف احتضان التراب المهجور في حرمون..

وهناك مَن تشرّقوا إلى بلاد النفط والغاز فحرقتهم رمالها، وأشعلتهم شمسها، وأغشى عيونهم طوزها، وفتت قلوبهم بدوها الرحّل، عقوداً من خمسينيات القرن العشرين يبنون الصحاري ويحوّلونها مدناً.

ممن أعرفهم أخي سلمان، غادر إلى السعودية بعد عودته من ليبيا عام 1980 ولم يستقرّ في لبنان إلا منذ بضع سنوات بعد تشرُّق أكثر من 35 سنة، عاد خالي الوفاض على أمل قبض تعويضاته في سعودي أوجيه، وإن شاء الادعاء على المعنيين يمنعه ضيق ذات اليد وانعدام الثقة في القضاء الخليجي أو اللبناني.

وأخ ثانٍ لي هو بكر أسرتنا، عليّ، الذي فاضت روحه، رحمه الله، في حزيران 2006 في مشفى سعودي في جدة، إثر وعكة صحيّة قاسية، سببها المباشر غدر زميل له بلحظة قاسية مستغلاً حالة صحية طارئة فطعن به في عمله ما أدّى لفسخ عقد، كان ريعه يفوق نصف مليون ريال سعودي، فأصيب بانهيار عصبي أدّى إلى وفاته خلال أيام.

الحبيب الثالث توفيق الحلبي، أبو أسامة، لبنانيّ حرمونيّ متشرِّق، مكافح. أعرفه منذ عقود كرماً على درب وبيت مضافة مفتوح القلوب والأكفّ النظيفة المعطاء، منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما يرسل أحد أخوتي لأسرته أمانة، او عندما تريد تكليفه بأمانة حين عودته إلى الخليج فنحجّ إلى منزله الدافئ الواقع إلى يمين مدخل الكفير، في أعلى الضيعة، تستقبلنا البسمات والقلوب وتودّعنا الأيدي النظيفة.. متمنين له الوصول بالسلامة. و”متل ما تودّعوا تلاقوا”..

عاد أبو أسامة من الصحراء العربية تاركاً رمالها وحرها وقيضها، عاد بغلّة العمر، شاكراً ربّه على النجاة. محاولاً جمع حوله ما تفرّق من شمله.

أودع غلته رصيداً في مصرف لبناني، موقناً أنها ذخيرة عمر لأسرة ميسورة مع حسن التدبير ورشد التقرير.

لم يخطر بباله أنه في لبنان الفساد. وأن النظام المصرفي الذي أودعه أمانته غول لا يشبع من النهوب والطيوب ونبض القلوب. وأنه مغارة لبنان بابا والـ 4000 حرامي برعاية طوائف فاسدة وأحزاب بائدة، لا يهتمون للذمم والأرواح والأملاك والأموال.

وبدأ الانهيار. وتمّ منع المودعين من سحب أيّ رصيد من ودائعهم. وتمّ إذلال يوميّ لهم في طوابير ذلّ ومهانة.

ويسألون ما سرّ انفجار شرايين المودعين؟ ولماذا تنذبح قلوبهم؟ وسبب تجلّط أوردتهم؟ وأيضاً المسامح كريم؟!

المرحوم توفيق الحلبي، أبو أسامة، ضحية فساد ونهب يتحمل وزره كل سياسيّ، كل مصرفيّ، كل عامل في الشأن، كل مواطن تقاعس عن التغيير!!

كم توفيق وتوفيق، خسرناهم بلحظات قلة التوفيق، لمّا فرّطنا بالحساب والتدقيق، مع أنفسنا ومع دولتنا ومع أمننا ومع جيش الموظفين الذي يجتمع العالم لتوفير قوته وخبزه في بلد الذل!

ولا يفوتني، الإقرار بفضل المرحوم توفيق، أنه كان رفيقاً لأخي المرحوم علي، في حياته. وفي مماته تحمّل الكثير من العناء معه مريضاً، وفي المشفى، وبعد وفاته، ولتأمين نقل جثمانه إلى لبنان، بكل ما يلزم إلى جانب الكثير من أهل مروءة وفضل نبل وشهامة وخير، من لبنان وسورية وفلسطين، مثل توفيق تماماً، كانوا أسرة واحدة، كما هم في الحقيقة، ولم يبخلوا لا بجهد ولا بمال، ولا بوقت ولا بمبادرة..

لأسرة توفيق وذويه كل التعازي الحارة، راجياً لروحه الرحمة، ولقلوبهم خالص العزاء والسلوان، وأن يرضيهم الرب بأحبابهم، وأن يعينهم على مصاب فقدانه، وأن يعين هذا الشعب الصابر وهذا الشباب الثائر على إصلاح مغارة الفساد.

ولروح توفيق اعتذار، ولروح أخي علي اعتذار، ولكل مهاجر، لأننا لم نبن بلداً يكفيهم شر التشرّق، والتغرُّب.. فلا تذبح قلوبهم عربان وطليان و”ذبّان” المصارف من لبنان!

*كاتب وإعلامي ومؤسس موقع حرمون.

#توفيق_محمد_الحلبي، #بلدة_الكفير، #الخليج، #النظام_المصرفي، #جلطة_قلبية، #حرمون، #موقع_حرمون، #وكالة_حرمون، #هاني_سليمان_الحلبي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.