مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#هاني_سليمان الحلبي: #أربعون_وذكرى.. #الأخضر_العامليّ حيّاً بعد الأربعين

 

هاني سليمان الحلبي*

 

الحياة زاخرة بالعِبر تكنزها مأثرة، تثبتها قيمة، تحفرها حكمة، وتخلد نفسها جيلاً فجيلاً.

والموت عبور، تغيّر في الحالة والشكل والحضور والماهيّة والكيفية والمدى.

وبين الحياة والموت اختلاف وائتلاف.

كيف يموت مَن يتنفس الحياة؟ كيف يموت المنذور لقضية الحياة، حياة أمة وشعب ووطن؟ كيف يموتُ من يريد شهادة من صميم معركة محفورة في الوجدان بالنار والنور؟ كيف يموت مَن عمل كالجذور بصمت ودأب وعزم وحزم ليحوّل يباس العقول وبور الحقول نهضة وغيضة؟

لذلك، المنذورون للقضايا لا يموتون، والمعطون للحياة لا يزولون بل يتّحدون بها، نوراً لنورها ووهجاً من نارها، ونبضاً لقلوبها وقدوة لأجيالها.

فكيف إذا كانت اسماً على مسمّى تُكنّى بالأخضر، والخضرة صفة الربيع، ظاهرة قيامة الحياة وتجدّدها وفرحها وفتوتها المجيدة.

كُنِّيَتْ بأخضر، أسرة عامليّة ضاربة جذورها في التاريخ في جبل عامل او عاملة، التصقت بالأرض واتّحدت بها، حيث الجبل ملجأ أحرار ومأوى أبطال يطاردهم السلاطين البغاة والخلفاء العتاة ليخرسوا صوت الحق وشكوى المظالم..

ما فتئت أسرته تقدّم قامات تتنافح العز، وتطاول السماء، وتتنادى للجهاد، كلما دق النفير وسمعه ذوو همم. لم تبخل أن تبذل مهجها الفتية الغضّة على درب لبنان ومن قبل على درب فلسطين. وحيث كان واحد من رجالها وأنّى كان، كان قرّة العين ومفخرة الحضور.

فامتشقوا السلاح وما خافوا الجراح، وثبتوا حصوناً في كل ساح، حتى شهد بهم العارفون، ورفعوا شهادتهم برخاميّة. وما انتظروا شكراً من أحد.

 

الشهيد البطل محمد عباس أخضر

فالشهيد البطل محمد عباس أخضر، المناضل المثقف المشتبك، لم ينكفئ عن واجب التضحية عندما ولج العدو أرضنا، فشارك في التصدّي البطولي له، ولم يبحث عن شباب يخبئه لمقبل الأيام ولا عن مجد فرديّ ولم ينتظر غيره ليقدم إلى الوغى، بل اعتبر الإقدام والجهاد فرض عين عليه بالذات، فكان الشهيد في معركة بركة ريشة في آذار 1970، ضد العدو اليهودي، وهو بعمر 21 عاماً، وكان حائزاً على إجازة في الرياضيات، كما شهدت بلدية الزرارية بلوحة رخاميّة مثبتة في بلدة الزرارية فأسمت شارعاً باسمه. هذا ما تضمنته:

“شارع

الشهيد البطل

محمد عباس أخضر

استشهد على طريق فلسطين

أثناء المواجهات البطوليّة

في منطقة بركة ريشة

بتاريخ 8 – 3- 1970م.

ولد بتاريخ 2 – 10 – 1949م.

حائز على إجازة

جامعيّة في الرياضيات

بلديّة الزرارية”

 

علي عباس أخضر

وسموّ الأسماء والقامات يكتمل بـ عليّ، مهما تكنّت فإنه فخرها.

الفقيد علي عباس أخضر، الذي لُقِّب بـ “الأخضر العاملي”، كان الشهيد الحيّ في كل آن وأوان، معطاء لنفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه، أديباً منبريّاً زاخراً بالجمال والمعنى، شاعراً جزلاً بالصور والدهشة والفكرة اللامعة، مفوّهاً حيث اعتلى منبراً أو توسّط جمعاً.

لكن فعله الحقيق لم يقتصر على مساحة الضوء بل تعدّاها إلى فعل الجذور التي لا تتكلم إلا بالنتائج والأفعال. تعمل بصمت ودأب، وبلا منّة لأحد أو من أحد، تعمل بحكم طبيعتها الفاعلة الفعّالة، تمتص الاستعدادات المفيدة لتنتج منها قوى بناء ونمو وأجيال جهاد ومواسم خير وبركة وعطاءات عز.

المقاوم الكبير علي عباس أخضر غادرنا في أيار 2021 الماضي. والكبار لا ينتهون بمأتم ولا يكون أربعينهم خاتمة حضورهم وعلى الدنيا السلام. بل الأربعين يجدّد حضورهم ويطلقهم قيمة حياة لا تزول، يفعل بهم كما تفعل أوراق الأشجار المتساقطة إذ تحوّل مادّتها سماداً للتراب ووقوداً للحياة بغيابها والرحيل. مكرّسة أن المجد للحياة وحدها وأن الموت ليس سوى لعبة خفية من ألعابها السريّة.

والوفاء الذي جُبل به الفقيد علي أخضر في الجنوب اللبناني العابق بفلسطين القدسيّة، هو نفسه الذي تمرّس به في المغترب الأفريقيّ، وحيث حلّ، فحين تعرّض قريبه لمحنة أدّت إلى سجنه، لم يبخل بالمال والإنتاج حتى أفرج عنه، بعد معارك تحت أقواس المحاكم وحرّره من سجنه واستقبلته الجالية المنتظرة بلهفة استقبال الأبطال الظافرين.

وخير ما يعبّر عن قيم الروح البطلة التي عبّرت عن نفسها بقلم ولسان الفقيد الكبير قصيدة سمّاها وصيته.

 

وصيّة علي عبّاس أخضر

ما بْريد ع قبري نحيب ولا بكي

ولا نادبه تلطم خدودا وتشتكي

وما بريد موت فطيس ع ظهر الفراش

ولا يكفّنوني بالدموع.. وبالحكي..

 

وما بريد موت فطيس ع ظهر الفراش

كومة عظام وحولها لفّات شاش

هالروح ما بتفوت بخندقها بلاش

بدي شهاده من صميم المعركه..

 

بدي شهاده كيف نظمنا العقول

قدوة بـ “عمل” من غير ما كنا نقول

يا ما قلعنا شوك تا صاروا الحقول

بكرومنا عناقيد فضه مشكشكه

 

بعد الشهاده هلالنا بيطلع قمر

والدم ورد وزهر وعطور وقمر

هالأرض ما بتعطي حبوب ولا ثمر

إلا عشرب الدمع والدم الزكيّ

 

وآخر وصيّه سيّجو بعظمي الحدود

وسقو بدمّي الأرض بتفرّخ ورود

بتودّعوني سكوت ع لحن الخلود

نغمة نشيد العز، مش صوت البكي

 

هؤلاء الرجال، كم يعزّ على الحياة أن يغيبوا، أن يستحيلوا تراباً ينطق بالذكرى، بعد أن كان تراباً يصنع الحياة ويبلغ بالبطولة أقصى شأوٍ يمكنها بلوغه.

الرحمات الربانيّة لروح الشهيد محمد في ذكرى ارتقائه السماء، ولروح الفقيد علي في أربعينه، ولكل شهيد ارتقى ولكل شهيد حيّ ينتظر وما بدّل تبديلا.

البقاء للأمة.

*كاتب وإعلامي وناشر موقع حرمون.

 

#بلدية_الزرارية، #علي_عباس_أخضر، #الشهيد_محمد_عباس_أخضر، #معركة_بركة_ريشة، #فلسطين، #جبل_عامل،  #حرمون، #موقع_حرمون، #وكالة_حرمون، #هاني_سليمان_الحلبي

الصلاة على جثمان الفقيد علي
وصية الفقيد علي.. الأخضر العاملي
الشهيد البطل محمد عباس أخضر وإلى اليسار صورة الرخامية
الأخضر العاملي مع قريبه بعد الإفراج عنه

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.