مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#هاني_سليمان_الحلبي: الانتخابات السوريّة.. الجمهوريّة العربيّة السوريّة تنتخب غداً لا سورية (1)

 

هاني سليمان الحلبي*

 

الجمهورية العربية السورية ليست سورية.

وشتان بين الاثنتين.

وإذا كان المتداول الذي أراده الأعداء والمخطّطون لفناء سورية قد راج وانتشر، لتكون الجمهورية العربية السورية مرحلة في هذا الفناء فإنهم نجحوا نجاحاً لافتاً.

لا حاجة للحديث عن الجمهورية العربية السورية، لأنها دولة تمّ طردُها من عرب تتمسّك بهم، من جامعة دول عربية تظنّ فيها هوية قوميّة لها، ويتم سحب حقوقها واحداً تلو آخر من المنظمات الدوليّة استضعافاً لها، وكانت المنظمة المعنية بالأسلحة الكيميائية هي آخر ظلم تتعرّض لها الجمهورية الصامدة صموداً أسطورياً، لكنه قد لا يكون الظلم الأخير.

أما سورية التي ليست الجمهورية العربية السورية فهي التي تمسّك بها إجماعاً المؤتمر السوري العام في 8 آذار 1920 وكان التعبير الشعبي الأول والوحيد عنها للأسف، وتمّ اغتصابها بخطة متدرّجة مستمرة من الأعداء والأبناء ويساهم السوريون بقسط وافر وغير حميد بهذا الاغتصاب.

التحديد الذي اعتمده المؤتمر السوري العام اعتمده قبل 50 عاماً منه المعلم السوري بطرس البستاني في وطنيّاته السورية.

والتحديد نفسه ورد في مطالبات شعبية عدة وكثيرة جداً ما جعل لجنة كينغ كراين المنبثقة من عصبة الأمم البائدة لتضيمنها تقريرها النهائي بعد أشهر مديدة من الجولات في المناطق السورية. وهذا التحديد كان في عشرينيات وحتى أربعينيات القرن الماضي بديهة لا ينبغي البرهان عليها.

كذلك أعيان منطقة اللد في فلسطين عام 1919 ضمّنوا عريضتهم تحديد سورية الطبيعية إلى لجنة كينغ كراين.

قالوا في العريضة المحفوظة في ارشيف جامعة ألينوي الأميركيّة (نص المستند مرفق) وهنا النص:

“إن مطالبنا نحن الموقعين – إمضاءتنا وأختامنا أدناه -بخصوص مستقبل بلادنا هي ما يلي:

أولاً – أن تكون سوريا التي تبتدئ من جبال طوروس شمالاً وتنتهي بالعريش ورفح جنوبًا مستقلة استقلالاً تامًا في الوحدة العربية.

ثانيًا – أن تكون فلسطين التي هي جزء لا ينفكّ عن سوريا مستقلة استقلالاً داخليًا تنتخب جميع حكامها وتسنّ قوانينها الداخلية وفقًا لرغبة أبنائها الوطنيّين وحاجات البلاد.

ثالثًا – نرفض مهاجرة اليهود إلى بلادنا رفضاً باتاً ونحتجّ على الصهيونيّة بكل قوانا، أما اليهود الأصليون المتوطّنون في بلادنا قبل الحرب فنعتبرهم وطنيين (مواطنين) لهم ما لنا وعليهم ماعلينا.

رابعاً – إذا ألغيت المبادئ القاضية بتحرير الأمم والمصرّحة بأن لكل أمّة الخيار في تقرير مصيرها وأرغمنا على اختيار إرشاد أي دولة فإننا نكل ذلك لقرار المؤتمر السوري الذي يُعقد في دمشق مؤلفًا من مندوبي المقاطعات السوريّة ونكون أسوة ببقية سوريا ولا ننفصل عنهم بشيء.

التواقيع أهالي اللدّ”.

أصبح بيّناً وواضحاً جداً من قرائن عدّة ضرورة التفريق العلمي والفكري والنفسي والوجداني والوطني بين المصطلحين: سوريا – او سورية وبين الجمهورية العربية السورية التي يتم اختزال اسمها السياسي إلى سورية – او سوريا خبثاً وتمريراً للخطة اليهودية – الصهيونية – العربية العبرية – العالمية – الإقليمية – السورية الرجعية.

ومن الواضح أن معظم السوريون شاركوا بالمؤامرة عليهم وعلى وطنهم وأمتهم، وبخاصة بعض الأقليات كالتركمان والموارنة، حيث في ظل توليهم مسؤولياتهم التي قصّر بها مسؤولون منهم تم اغتصاب لواء الأسكندرون، وقبله وبعده تم اغتصاب الأقاليم السورية الشمالية كافة وهي المناطق الفاصلة بين الحدود الشمالية السياسية للجمهوريتين العراقية والعربية السورية ومنابع الفرات ودجلة. هذه الأقاليم التي شكلت قوة الاقتصاد التركي زراعياً وصناعياً وتنموياً.

وخسرت سورية نصف مساحتها جنوباً للسعودية حتى شمالي الرياض ومن ضمن صحراء النفوذ والجوف ولمصر شبه جزيرة سيناء بمعاهدة كوتابية بين محمد علي والسلطنة العثمانية وصلاً إلى معاهدة كمب ديفيد التي ثبتت الواقع المفعول. ثم خسرت قبرص لبريطانيا ومن ثم اليونان. وخسرت شرقاً الأحواز وما يفصلها عن قمم زاغروس، وتم تفكيكها إلى دول سياسية ضعيفة هي الجمهورية العربية السورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين.

ومن المحزن جداً أنه ساهم السوريون الرجعيون بتنفيذ هذه الخطة المجرمة بقبولهم تولي مناصب ومسؤوليات تحت حراب الأجنبي وأعطوا لسلطاته والسلطات المنبثقة من حرابه وإرادته شرعيّة شكليّة نفّذت جريمة الإبادة. سكتت عن إبادة مليون ونصف من السوريين المسيحيين على يد التركي السنيّ، ولم تعترف معظم البرلمانات الوريثة لسورية بإبادتهم حتى الآن سوى مجلس الشعب السوري إلا منذ سنة ونصف، مسايرة للأكثرية المحمديّة السنية في العالم العربي على حساب الحق السوري المطلق في الاعتراف بالإبادة ومطالبة القتلة المجرمين بالتعويض على الضحايا. وسورية هي الضحيّة وهي المبادة وهي الشعب القتيل.

وساهم العرب الرجعيون، بخاصة اولئك الذين ينادون بوحدة عربية وقومية عربية، بتنفيذ كل الخطط الأجنبية فأفقدوا دعواهم أية شرعيّة صحيحة لأنه قبلوا ما بني على باطل انه حق، وتغافلوا عن القاعدة الجوهرية الأزلية أن ما يُبنى على باطل يسقط مع الباطل مهما امتدّ في الزمن. لأنهم قبلوا انتزاع جزء حميم من بلادهم لغازي اجنبي ولم يتمسكوا بتلك الأجزاء التي انتزعها في أية نصوص مؤسسة لقوميتهم العربية. ولا حتى في أية مناسبة وطنية أقاموها. سوى اللهج لماماً بعروبة لواء اسكندورن.. وهذا تقصير معيب جداً ينسف الأساس الفلسفي لمدرستهم السياسية.

لذلك الجمهورية العربية السورية هي بعض الأشلاء المتبقية من الوجود السوري، وبعض قوانينها وسياستها تعيق هذا الوجود وتمنع قيامه، لأنها لا تنطلق من حقيقة سورية التاريخيّة فلا تعتبر مواطناً سورياً مستحقة لجنسيتها إلا مَن ولد من أبوين سوريين ومن أقام في نطاق الجمهورية سنوات عدة متلاحقة ولو لم يولد من أبوين يحملان الجنسية السورية، بعد قيام الجمهورية العربية السورية.

هكذا فَقَدَ أكثر من 90 في المئة من السوريين حقهم في المشاركة الوطنيّة في استحقاقات الجمهورية العربية السورية، دفاعاً عنها، حماية لوجودها ولحدودها، وفقدوا حقهم بتولي المسؤوليات العامة، وحقهم في الوظائف العامة، وحقهم في انتخاب رئيس عتيد لبلادهم العظيمة من بين المرشحين الثلاثة لمنصب الرئيس السوريّ.

يتبع غداً..

*كاتب وإعلامي، مؤسس موقع حرمون.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.