مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

د.قصي_الحسين: وراء الخبر

 

د. قصي الحسين*

 

الثالث من أيار/ مايو، اليوم العالمي لحرية الصحافة. يصنع الإعلاميون للحرية، طائرة ورقيّة. تحلق في السماء. تذهب بعيداً بعيداً، في تقصي أوجاع الناس، وفي تقصي آلام الأرض. وتأتي لهم بالأخبار من حيث لا يزوّدونها. من حيث لا يدرون بها.

يتعرّض رجالها للمشاق، منذ أن تشق الشمس دربهم، ولا يعودون من رحلتهم، وراء الخبر، إلا بعد أن يذوقوا آلامه.

كل خبر مجبول بروحهم. كل خبر مجبول بأنفاسهم. كل خبر مجبول بدمهم. يزمعون وراءه، وهم يعرفون مسبقاً، أن الخبر إنما يساوي حياتهم.

ما هذا الجدال اليومي، بين الرجال وبينه. يسيرون وراء خيط رفيع من الحبر الصيني، حتى يقفوا تحت مصابيح عيونهم على الحقيقة. يغزلونها بحروفهم، يلتقطونها بعدساتهم، ويقدّمونها لقى لمعامل التقصي والتدقيق والتحقيق. فتخرج قصصها للناس، مثل العرائس المحجبة.

في اليوم العالمي للصحافة، نستذكر الآلاف من شهدائها. ساروا وراء الخبر. ركبوا قطاره وسافروا. حلقوا في السبع الطباق. غاصوا في أعماق البحار والمحيطات. أخذوا جميع جهات الأرض دحماً دحماً. ثم استراحوا: جرحى وشهداء وفقراء ومعذبين. يبذلون النفس على الأعواد المعلقة، مثل عصافير الجنان، علقت أجنحتها بالأسيجة.

جنود مجهولون، طاروا بأوراقهم. طاروا بعدساتهم. طاروا بآلاتهم. كانوا يطاردون الخبر. يحملون نفوسهم على أكفهم. وبأيديهم دموع و حروف ومرايا، يجلون بها دفائن الأرض، ويحملونها للشمس في يوم صحوها.

ليس في الدنيا كلها، من يندفع بإرادته الذاتية، بالقوة نفسها التي يندفع بها أبناء الخبر، وراء الخبر. تراهم مسكونين به. يعيش معهم في أثوابهم. يقفز أمامهم، مثل ظلالهم. ينفض عن دروبهم، ثم هو فجأة يقفز إلى عيونهم وأحداقهم وأبصارهم. يساكنهم. يجالسهم. يؤاكلهم ويشاربهم. ثم هو يفر من أيديهم، فيلهثون به. يلهثون له. وسرعان ما يثوب إليهم. يعلق بخيطان شباكهم. مثل طريدة تعبت من التواري. برزت، تقفز فوق الشباك.

في اليوم العالمي للصحافة، نستذكر من يطوي لنا المطايا، ويسيل بنا في الأرض.

هؤلاء الصحافيون الذين يشقون الفجاج والمفاوز. يبحرون في الأثير البعيد، ثم يعودون إلينا، ومعهم عنق الأرض. صائدو اللؤلؤ. ثاقبو اللؤلؤ. غواصون. ينزلون بنفوسهم، يسيلونها في الأعماق ثم هم يخرجون، ويفردون لقاهم، على الرمال، يمايزون بين الصح و الزيف. يعجمون الخبر. يعضونه حتى التثبت منه. ثم يذهبون به إلينا، يعضون عليه بالنواجذ. ويقدمونه شهادة الصريح على المكتوم.

وحدهم الصحافيون ورجال الإعلام المكتومون منهم والصرحاء، يتذوقون عذوبة العذاب اليومي، في السعي الدؤوب، وراء كل مخبوء. يختبئون عن الخبر، ليمسكوا به: “أخذ الغريم بذيل ثوب المغرم”، كما قال عمر بن أبي ربيعة ذات يوم، تحت أسقف الكعبة، وقد فاجأه المحبوب، وهو يهم بالخروج من دارته.

ليس في الدنيا، من يقتل الناس، عموم الناس، خبراً، إلا رجل الخبر. إلا إبن الخبر. لا لشيء، إلا لأن الخبر، لا يستطيع أن يمضي عمره مختبئاً عليه.

فأهل الأخبار، وعموم أهل الصحافة، عمالا وصناعا وعشاقا، هم قافة كل زمان، وقافة كل مكان. ومن يا ترى، يحسن الاختباء من القائف؟

في اليوم العالمي للصحافة، تنحني الأرض، وترفع قبعتها للشمس، حيث يغفو الخبر وأهله. حيث تغفو الصحافة وأهلها. حيث اتخذوها سكنى لهم! تستيقظهم كل صباح، فتضاء السماء بهم.

هم وحدهم من معدن الشمس. يذوبون بها شوقا إلى خبر مخبأ تحت ظلالها. ينتظرون دهورا، حتى تفك أسره، وتطلقه لهم خبرا زاجلا، يطيرون به مثل الحمام الزاجل.

في اليوم العالم للصحافة، تأخذ الأرض قبسا من نورها، وتحمله إلى أضرحة شهداء الخبر، وشهداء الصحافة. تمحو به عتمة الظلم، الذي لحق بهم طيلة أمرهم: عذابا وجوعا وموتا، أمر من الموت!

 

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.

 

 

#د.قصي_الحسين، #الجامعة_اللبنانية، #3_أيار، #اليوم_العالمي_لحرية_الصحافة، #موقع_حرمون، #حرمون، #وكالة_حرمون، #موقع_ومجلة_حرمون، #هاني_سليمان_الحلبي،

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.