مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.قصي_الحسين: منتحر مجتمعات

 

#د.قصي_الحسين*

حين أكتب عن #لبنان، أجدني كمن يكتب عن نفسه، وهو ينظر إليها في مرآة النفس، المختصة بسبر الأغوار.

إنه نوع من غضب الكتابة الجارف، يتأكلني. طال به #النفاق_الاجتماعي، وتلوّن الناس، وملقهم وتملقهم، ودفعه للتساقط كجدار تهاوت حجارته، بعد تغافل عن هوية الحجر الأساس. أو كرف من الحجال، أجفلت، ذعرت، فطارت فجأة. شقت بأجنحتها باب السماء.

“أنا الجرح والسكين”، يقول الشاعر الفرنسي #بودلير عني، عنا جميعاً، وعمن أمثل من الناس، من هم مثلي، في كل حال. فتلك نظرة الكاتب، بأفهوم نفسه، للكتاب والمبدعين، والشعراء والفنانين والرسامين الموجوعين والمتألمين.

أكاد لا أعرف، حين أكتب عن لبنان، إلا صيغة واحدة في الكتابة. فالمعادلة مع الوطن الذبيح، إنما هي تكون باللغة، وبالوضوح في الفهم، وفي المعالجة، وفي الإنصاف الإنساني والوطني، لا الدولتي المخزي، معاً في آن.

أراني دائما، أتبنى قضية وطن قضى انتحاراً، نيابة عن مجتمعات كثيرة قاتلة: مجتمع لبنان، ومجتمع العرب، والمجتمع الدولي.

مجتمعات امتهنت، إطلاق الأحكام، والتلذذ بالقتل المعنوي. وبالذبح من الوريد إلى الوريد.

ليست المسألة مع الوطن الجميل الطفل – لبنان، كما أراه أنا، في حده الأدنى، مسألة مرافعة جمالية وأخلاقية، ولا مسألة عشق بري، وحب مغمس بدم الأهل، الذين مضوا في سبيله، ثم قضوا، ومضوا أيضاً في سبيلهم. بل هو نوع من الضرب على الحديد الحامي، لما لحق بلبنان من تشوّه مادي ومعنوي، ومن ظلم إنساني، لبناني وعربي ودولي.

أحاول ها هنا أن أحسم المسألة مع وطن جميل – طفل: إني أكتب عنه، لأبرئه من جنونه الذي قاده للانتحار. أبرئه من هذيانه التاريخي في جميع حروبه الدموية التي تآكلته. في جميع الحقبات التي هزته وزلزلت منه الكيان.

أريد أن أعرّي قادته الصفقاء الضعفاء، وقادة العالم المشرب بالدماء، وقادة المجتمع العربي المغفل، وقادة المجتمع الدولي الوحش، الذين دفعوا بلبنان إلى الجنون الدموي والانتحار.

أريد باختصار، أن أحملهم مسؤولية انتحاره مدمّى، منذ نشوء الكيان، قبل مئة عام، حتى الآن!

أريد ها هنا، أن أكشف الحقيقة، للبشرية جمعاء. فلبنان قضية كونية، تتعلق بالفرادة وبالجمال، وبالعمق في التاريخ، بين سائر أجبل العالم، وبين سائر الأوطان.

ولبنان، إن ازدادت عليه الاضطرابات والاهتزازات، وتأججت منه البراكين، ووضع قيد المعالجات المرضية، غير المرضية، فإني أرى منه، قناعة متوطنة فيه، وثابتة عليه، تقول: المجتمع اللبناني، هو المريض. والمجتمع العربي هو المريض. والمجتمع الدولي هو المريض.

لبنان حقيقة، يجسد الظلم الذي وقع عليه، والجريمة التي لحقت به.

تناوبت على أذيته والإساءة إليه والإضرار به، جميع هاتيك المجتمعات التي آذته ولوثته بالدماء. فحاول أن يدفع عن نفسه، عبر تاريخه الطويل، جميع من آذوه واتهموه. وأن يرد عن نفسه كيد المكيدين. أن يدفع عن نفسه، أبشع القذارات التي أغرقوه بها، وأرذل الإساءات التي أنزلوه عنوة، ومقيداً، إلى بئرها.

حين أكتب عن الوطن الجميل – الطفل لبنان، أجد نفسي فجأة، أمام عاصفة تتحفز على الوريقات الهزيلة بين يدي.

وريقات يحركها الألم وما أبعد من الألم والاتهام. يحركها الجنون الذي أصابه، لحظة دفع للانتحار.

فالحقيقة الكامنة خلف انتحار لبنان، عبر جميع الأزمان، إنما هي متصلة بالغضب الذي أراه، قد اعتمر قممه، وملأ أعماق أوديته، وسال كأنهاره الجارفة التي تصب في. تصب في المحيطات.

غضب لبنان، يكاد لشدته، يكسر الأبواب. أبواب العالم كلها. يسعى إلى التحرر من الأغلال. ومن يسعى لذلك، يكسر القيود والأغلال.

فالحياة الحقيقية غائبة فيه. مغيبة فيه. غريقة بالدماء. هكذا كانت وما زالت حياة لبنان!

لم يعد لبنان موجوداً في العالم، بعد مئة عام من تأسيس الكيان. لكنه حتماً، موجود، في كنه جماله. وفي كنه طبيعته، وفي كنه حقيقة حضوره، في كنه عرائس الجمال: جبلاً قائماً في عالم الجمال – الطفل، بين سائر الأوطان، بين سائر الجبال.

أريد هاهنا، أن أشرح جميع الرسائل التي يوجهها هذا الوطن الجميل – الطفل:

فهي ليست على الإطلاق لهذا العالم. وهي ليست أبدا لهذه الأرض المعطوبة بالقنص وباليأس. الأرض القتيلة المسحولة، المغسولة بالدماء حتى الينابيع.

فلبنان عمل دائما على الترفع والارتفاع عن صغاره، عن جراحه. صرخ من الرعب والبؤس والحقد. صرخ من الفضيحة والاشمئزاز: من هذه الأشياء التي سممته جميعها. فصار إلى الانتحار الأخير. على الرغم من سحر اللبنانيين بها، متواطئين، لا مناضلين ولا مجاهدين.

صار لبنان حقيقة، كنا أختصر: منتحر مجتمعات.

مقاربة لبنان، في هذه الأيام، لغة، لا يمكن أن تكون سهلة. فهي حتماً، فيها الكثير من الهذيان. فيها الكثير من الجموح. فيها الكثير من الجنون. لغة مكهربة، ممسوسة. نذهب بها، لمحاذاة لبنان الجبل الطفل الصغير الجميل، التاريخي، بإيقاعاتها قدر المستطاع.

فنحن حين نحاول لبنان في الكتابة، نجد أنفسنا فجأة أمام قراءة نص مشتعل، يحتمل الكثير من القراءات. يحتمل الكثير من التفسيرات. من الاجتهادات. من التأويلات.

أقول باختصار شديد: إنه اللغز الخالص، لوطن زهرة. زهرة معذبة بين جميع الأوطان. تراه ينتحر بعد أن يترك وصيته للإنسانية، برفض الامتثال للأعراف السائدة فيه. برفض الامتثال للقتل المجنون. برفض الامتثال لكل ما من شأنه، عرقلة صعوده من الأعماق، التي أولدته ذات مخاض عسير. وصنعت له تاريخا من الطفولة والجمال.

إنني من خلال الكتابة عن لبنان، لا أريد إلا الظفر براحة ضمير أدبية أبدية. لا أريد الوصول، إلا لتعرية نقدية للغط الذي تحوط لبنان قضية إنسانية ووطنية. وللتشوهات التي لحقت به، من خلال اجتماع المجتمعات كلها عليه، حتى انتحاره الأخير.

أريد أن أقف في صف لبنان- الطفل، رافعاً الصوت: لا ! لبنان لم يكن مجنونا، طوال حقباته المئوية من دورة العنف التي دمرته.

لبنان كان ضحية المجتمعات التي ضحت به. وأعظمها المجتمعات الثلاثة: اللبنانية والعربية والدولية.

فقد رفضوا سماعه. رفضوا الإصاخة في وديان التاريخ لعويله. ومنع من بث حقائقه، كلما أراد بعث الحقائق من الحرائق.

لبنان مضى بتاريخه كله، يبحث عن أناه الوطنية والإنسانية، ولم يدفع إلى الانتحار بسبب هذيان أو جنون أصابه، في حقبة من الحقبات. أو بسبب ذعر أصابه من عدم النجاح، في محاكمة المجتمعات.

لبنان- الطفل، كان ضحية الضمير العالمي العام لهذه المجتمعات كلها، التي تخلت عنه، فعاقبته بدفعه للانتحار، لانشقاقه عنها. فقط لانشقاقه، عن مجتمعات كهذه.

لبنان على عهده، ينشق عن المجتمعات التي تشربت الوحش في قلوبها. يظل يضرب أشكال الطبيعة، يحاكيها، بأشيائها كلها.

لبنان يشكل بجباله زمنه. يصنع حدثا تاريخيا له. حدثا عظيم الدلالة.

لبنان يقول اليوم لنا: إن المجتمع الدولي، بكل أطيافه، إنما يكره لبنان، الجبل – الطفل، بين الأوطان. يكرهه وطنا – طفلا جميلا، جذوة من شمس وثلج. يريده ترسا له حين هو يجن.

لمثل هذا يموت اليوم لبنان منتحرا. لأن جوقة مجتمعات – الوحش، لم تعد تستطيع تحمله.

إنه الوطن الألم الذي يعصف به، وقد أصبح جرحا، وردة، ترابا، تربة.

تربة تزهر لوزا وعوسجا. وتقطر حنظلا من شاهده، في فم مجتمع الوحش، عله يستيقظ على جريمته. عله يستيقظ، ولو بعد حين.

 

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.