مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.قصي_الحسين: حديقة أعشاب البحر

د. قصي الحسين*
في هضبة جبلية تحت سطح الماء، حديقة تعادل مساحة سويسرا. تتراقص أوراق خضراء أشبه بالشرائط، في تيارات المحيط الذي تتحرك.
رصدت هذه الحديقة تحت الماء، كاميرا، يتم التحكم بها عن بعد. تسير على صفحة المياه الفيروزية، تحت أشعة الشمس، في ذلك الركن القصي، من غرب المحيط الهندي، لتسجل لقطاتها النادرة، لما يعتقده العلماء، أنه أكبر غابة من أعشاب البحر في العالم.
ويخشى العلماء على هذه الحديقة البحرية تحت الماء، من النشاط البشري، والذي يسهم في تدمير، ما يعادل مساحة ملعب لكرة القدم، من هذه الأعشاب كل 30 دقيقة، في مختلف أنحاء العالم.
لبنان أشبه ما يكون بحديقة بحرية غارقة في بحار التنابذ والتباغض والاقتتال وشد الحبال. كأنه لم يخرج بعد من أعماق البحر، منذ العصر الجيولوجي الأول.
لبنان، غريق هذه الحروب التي لم تنته فيه منذ نشوء الكيان حتى اليوم. وهو يتعرض للخسارة باستمرار. من أرضه وشعبه واقتصاده ونفوذه وعلاقاته، بأكثر من مساحة ملعب لميليشيا، في كل ثانية تمر عليه من ثواني حياته.
حدوده تتعرض للقضم كل يوم. فالخط الأزرق، نهشت آلته وآلياته، مساحات عظيمة من الأرض، تقدر بعشرات الكيلومترات. وحقول النفط المكتشفة في بحره، يتم الاعتداء عليها وشفطها، وشطفها. ولجان التحكيم، لم تصل بعد إلى وضع خرائط متفق عليها للترسيم.
وفي الشمال والشرق، يتم وضع اليد على الماء وعلى التراب، وترتفع الصيحات ولا أحد يرد.
وبعد أكثر من نصف قرن، في الأخذ والرد، حول مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وقف الرئيس السوري، وأعلنها لبلاده، وما رد أحد عليه. ولا قامت الدولة ولا الحكومة ولا الرئاسة بواجبات حفظ التراب اللبناني التي أقسمت الحفاظ عليه.
ولم يحافظ اللبنانيون أنفسهم على جبال لبنان ولا بحره.
فجروا صخوره، وشفطوا رماله، واعتدوا على ما تبقى له من أرض. وسرقوا ما فيها من كنوز الأهل والأجداد. وبددوا ما لهم من أحلام وآمال.
أملاك الدولة، في البحر والبر والجو تبخرت، أو هي كادت أن تتبخر، بتخلي أهل الدولة عن أهليتها في السيادة والحكم. فما بالك، إذا ما احتسبنا، خسارة الدولة لأبنيتها وإداراتها، أمام زحوف الخصخصة، على كل ماله صلة بالشأن العام، والمال العام، والقطاع العام.
لبنان، حقا يتبخر. كأنه ما ظهر بعد العصر الجيولوجي الرابع. شعبه يتخلى عنه للمهاجر. وشبابه لم يعودوا يطيقون العيش فيه. لم يعودوا يرضون بالذلة، على أبواب أرباب العمل، ولا على أبواب سوق العمل. ولا تحت رحمة السلاح، الذي يحكم البلاد، ويأخذ الناس عنوة للحرب.
لبنان، خسر اقتصاده. هدمت مصانعه. وبارت أسواقه، وصارت مواسمه في الحقول والكروم، وفي السهول والجلول، إلى البوار.
لم يعد للبنان قطاع مصرفي، بعد تجفيف أمواله. ولم يعد للبنان قطاع تعليمي، ولا قطاع صحي، بعد هجرة أساتذته ومهندسيه وأطبائه.
بارت قطاعات العمل كلها: فلا فنادق ولا مصائف ولا متنزهات ولا شواطئ. ولا مطار ولا مرفأ.
ها هي عاصمته بيروت، يدمر مرفأها. وتدمر أبنيتها وتدمر أسواقها. كل شيء في لبنان إلى نيران الحروب. كل شيء في لبنان إلى الموت.
لم يعد في لبنان، حتى حراس للمقابر وللقبور. فرق اللصوص والسراق والناهبين، تعتدي على أبواب الحديد في المقابر وتسرقها بالجملة، وتبيعها خردة. وتعتدي على أسلاك الكهرباء وتبيعها خردة. وتعتدي على ريغارات الطرقات وتسرقها وتبيعها خردة. ولا يهتز للنائم جفن، ولا يستيقظ له ضمير.
يغيرون ليلا، فيفككون كل شيء قابلا للتفكيك، ويحملونه لمخازن الخردة، وقاطرات وبواخر التسفير. ولا من يسأل، ولا من يسائل. حتى سرقة السيارات، صارت تتم في وضح النهار.
يوما بعد يوم، تنحسر الدولة عن أرض لبنان، وعن حماية أملاك لبنان. تبيح مالها للسراق تبيح مال شعبها للسراق. تبيح أمن شعبها، لتجار الحروب، الذين لم ينتصروا بعد، في أية قضية.
لبنان يخسر كل ثانية، أعظم من ملعب كرة قدم من حديقة أعشاب بحرية.
لبنان يخسر شعبه وبحره وماله. لبنان يخسر شبابه وقطاعاته، تحت عنوان القضية.
لبنان يجف يوما بعد يوم، مثل، حديقة أعشاب بحرية.

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.