مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

فاتحة عصر الاستشهاديّات سناء محيدلي في ذكراها الـ36: ذهبتُ لأكبر مستقبل

 

هاني سليمان الحلبي

سناء محيدلي اسم على مسمّى سناء لامع في سماء البطولة والفداء. إحدى أيقونات المقاومة الوطنية اللبنانية ومن مجموعات الحزب السوري القومي الاجتماعي التي عملت ضمن صفوف المقاومة الوطنية لطرد جيش الاحتلال اليهودي وتحرير لبنان. قامت بعمليتها البطولية في التاسع من نيسان/أبريل عام 1985.

كانت عمليتها الاستشهادية مؤشراً مرعباً لجيش الاحتلال أن فتاة ابنة الثامنة عشرة من العمر، تحوز على مواصفات ملكة جمال، زهدت بالعيش تحت الاحتلال وقررت الانطلاق للفداء لحياة خالدة لا تحدها أسماء وأعمار وأمكنة ومعدوديات طوائف وسجلات نفوس كيانية. عندما تحيا في وجدان الأمة التي استشهدت لأجلها.

وجهت في وصيتها المؤثرة باقة رسائل:

  • للعدو ملأى بالوعيد والويل المقبل من قوافل الاستشهاديين التي لا تنتهي لتنقل ضباطه وجنوده أشلاء إلى بيوتهم.
  • لشباب الأمة وشاباتها ان يلتحقوا بصفوف المقاومة الوطنية التي وحدها تستطيع تحرير الأرض كما حررت الإنسان الجديد أسوة بسناء ووجدي وغيرهما من الشهداء الأبطال.
  • لقيادة المقاومة شاكرة على بذل كل جهد توفير فرصة قتال العدو وبالدماء لتسقط اكبر عدد من جنوده وضباطه قتلى راجية التوفيق في عمليتها الفدائية.
  • لأهل بلدها وأقاربها أن يفخروا بها وان يتابعوا المسيرة حتى الانتصار.
  • لأمها انها التزمت حرفياً بكل ما علمتها من قيم نبيلة. عملتها التضحية، عملتها حب الأرض الوطن وعملتها احترام الحياة والغير والناس، وها هي تضحّي بحياتها لأجلهما، لأجل الوطن والشعب والأمة.
  • لأبيها طالبة منه ألا يحزن عليها ولا يبلس ثوب حداد، بل يزفها رقصاً وفرحاً لأنها تدعى عروس الجنوب. طالبة تسميتها بهذه التسمية.

 

وصية سناء محيدلي

وفي وصيتها إلى أهلها ورفقائها وشعبها قالت: أرجوكم، أقبل أياديكم فرداً فرداً.. لا تبكوني، لا تحزنوا عليّ، بل افرحوا. اضحكوا للدنيا، طالما فيها أبطال، طالما فيها آمال بالتحرير، إنني بتلك الصواعق التي طيّرت لحومهم وقذارتهم، بطلة. أنا الآن مزروعة في تراب الجنوب أسقيها من دمي وحبي لها.

آهٍ لو تعرفون إلى أي حد وصلت سعادتي، ليتكم تعرفون لكنتم شجعتم كل السائرين على خط التحرير للتخلص من الصهاينة الإرهابيين. مهما كانوا أقوياء إرهابيين يهوديين قذرين هم ليسوا مثلنا. إنهم جبناء، يطعنون من الخلف، ويفرّون، يلتفتون شمالاً ويميناً هرباً من الموت. التحرير يريد أبطالاً يضحّون بأنفسهم، يتقدّمون غير مبالين بما حولهم، ينفذون، هكذا تكون الأبطال.

إنني ذاهبة إلى أكبر مستقبل، إلى سعادة لا توصف لا تبكون عليّ من هذه الشهادة الجريئة. لا، لحمي الذي تناثر على الأرض سيلتحم بالسماء. “أمي” كم أنا سعيدة عندما سيتناثر عظمي من اللحم، ودمي يهدر في تراب الجنوب، من أجل أن أقتل هؤلاء الأعداء الصهاينة، والكتائب نسيوا بأنهم صلبوا مسيحهم.

أنا لم أمت. هذه واحدة، والثانية ستأتي أكبر، وستليها ثالثة ورابعة ومئات العمليّات الجريئة. فضّلت الموت بشرف من أن يغدرني انفجار أو قذيفة أو يد عميل قذر، هكذا أفضل وأشرف أليس كذلك؟ ردّوا على أسئلتي، سأسمع بالرغم من أنني لستُ معكم، سأسمع لأن صوتكم الجريء سيصل إلى كل حبة تراب سقيتها من دمي وسأكون صاغية هادئة لكل حركة، لكل كلمة تلفظونها.

أجل هذا ما أريد، ولا تغضبوا عليّ لأنني خرجت من البيت دون إعلامكم. أنا لم أذهب لكي أتزوّج، ولا لكي أعيش مع أي شخص، بل ذهبتُ للشهادة الشريفة الباسلة السعيدة. وصيتي هي: تسميتي “عروس الجنوب”.

 

نبذة عن سناء

والشهيدة البطلة سناء يوسف محيدلي مواليد 14 آب/أغسطس عام 1968 في قرية عنقون قضاء الزهراني جنوب لبنان. كانت تعمل في متجر لبيع أشرطة الفيديو وقامت بتسجيل وصيّتها وتأثرت كثيراً بعمليّة قام بها المناضل الشهيد وجدي الصايغ الذي نفّذ عمليّة استشهاديّة على معبر جزين – كفرحونة ضد قوات الاحتلال الإسرائيليّة في 14 آذار 1985 قبل أقل من شهر من تنفيذ عمليتها.

فصباح يوم الثلاثاء 9 نيسان 1985، اقتحمت محيدلي بسيارة بيجو 504 بيضاء اللون ومفخّخة بأكثر من 200 كلغ من مادة الـ”تي أن تي” الشديدة الانفجار، تجمّعاً لآليات جيش الاحتلال الإسرائيلي على معبر باتر – جزين، مفجّرة نفسها وسط التجمع الذي كان ينظم المرحلة الثانية من الانسحاب من القطاع الشرقي لجنوب لبنان.

 

تنفيذ العملية البطولية

تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية أنباء عمليّة البطلة سناء محيدلي الاستشهادية، كما اعترف كيان العدو بالعمليّة وتناولت وسائل إعلامه الخبر وحذرت جنودها من عمليات أخرى قد تستهدفهم، حيث أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن خبراً عاجلاً وصلها من الناطق العسكري الإسرائيلي في قيادة الشمال مفاده أن ضابطين من الجيش الإسرائيلي صُرعا وأن جنديين آخرين أصيبا بجروح بانفجار سيارة مفخّخة في نقطة عبور باتر – جزين في لبنان وأن السيارة المفخّخة وصلت من الشمال (بيروت) وانفجرت عندما اقترب الجنود من الحاجز لتفتيشها.

تسلّمت قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي رفاتها في 21 تموز 2008 وسلّمتها إلى ذويها ليتم دفنها في مسقط رأسها في عنقون بعد غياب قسريّ عنها طيلة 23 سنة.

وسنوياً تحتفي مؤسسة رعاية أسر الشهداء وذوي الاحتياجات الخاصة في الحزب القومي بذكراها وأقامت لها ضريحاً يزار باستمرار ومكتبة حافلة بآلاف الكتب باسمها في ثانوية بلدتها عنقون. وتقدم منحاً للطلاب باسمها.

 

تأثير سناء محيدلي وطنياً وعربياً وعالمياً

طلبت البطلة سناء في وصيتها الأخيرة قبل تنفيذ عمليتها أن يسمّوها “عروس الجنوب”، وشاع استعمال هذا اللقب عنها وصارت أحد رموز المقاومة الشعبيّة اللبنانيّة والعربيّة (حسب بيان طلبة من الأردن) وسُميت باسمها الشوارع والساحات والمدارس (كم حصل في سورية وليبيا واليمن). كما كُتبت العديد من القصائد بالعربية لتمجيدها ومدحها الكثير من القادة والسياسييّن العرب بعد استشهادها.

وغنى المطرب الكبير محمد منير اغنية شهيرة من كلمات عبد العظيم عويضة اهداء لروح الشهيدة كان مطلعها اتحدى لياليك يا هروب واتوضى بصهدك يا جنوب.. ومن بين كلمات الاغنية بيت بيقول: أشلاءك بتلم جراحي يرتعش الغدر وترتاحي. ما بعد الوفاة احتفظت “إسرائيل” بأشلائها حتى يوليو/تموز 2008 حين تمت إعادة رفاتها بعد مفاوضات جرت بين حزب الله وحكومة العدو لتبادل الأسرى وجثث المقاتلين بين الطرفين، في عملية كبيرة عُرفت بعملية الرضوان.

 

أحد الفيديوات التي سجلت اجزاء من الوصية:

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.