مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الشعب سيد الخيّارات.. كيف يحقق إرادته؟

85

د. منير مهنا*
التمييز بين الغايات والوسائل هو ما يحتاجه الحراك الوطني اللبناني بامتياز في انتفاضته المباركة على النظام الطائفي الفاسد ورموزه من أمراء الحرب والإقطاع المالي الذين استمروا بتحالفهم – على أقل تقدير – منذ بداية الحرب 1975 حتى نهاية مرحلتها الأولى سنة 1990، ليعودوا ويتسلموا مقدرات الدولة مع تحوّلهم من أمراء الحرب الساخنة الى قادة الحرب الباردة وليستثمروا نتيجة حروبهم بامتلاك الدولة والتحكم بمقدراتها مع شريك مضاف هو الحريرية السياسية ونهجها النيوليبرالي الذي سارت عليه الحكومات والعهود المتعاقبة منذ 1992 حتى اليوم.
هكذا كان أن وصل حال الشعب اللبناني وبهندسات نيابية تلفيقية وسياسات طائفية ترهيبية الى تأبيد التخلف واستحكام المنطق الطائفي كقوة قاهرة لكل منطق ينادي بالتغيير والاتجاه نحو نموذج اقتصادي لبناني جديد يُعيد التوازن الى بنية الاقتصاد اللبناني وتوجهه الرأسمالي المتوحش .
اليوم يقف اللبنانيون وجهاً لوجه أمام أمراء الحرب وناهبي المال العام ليقولوا كلمتهم.
الغاية التي ينادون بها ويريدونها هي :
* إسقاط دولة أمراء الحرب وأسياد الاحتكارات والمنافع المالية التي نهبت دولتهم عبر حكم المصارف وتكديس الديون وسرقة المال العام باسم التوازنات الطائفيّة البغيضة واستعادة ما هو حق لهم .
* اللبنانيون ينادون بالخروج من دويلات النظام الطائفي الى الدولة المدنية العلمانية العادلة.
*اللبنانيون ينادون بقضاء عادل يحاكم الفاسدين ولصوص المال العام وأن يعمل القضاء في سبيل الحفاظ على حقوقهم كمواطنين في دولة، لا كرعايا في طوائف ومعتقلات مذهبية .
– غايات اللبنانين في حراكهم عبر كل الساحات واضحة وجلية، فقد كفروا بسياسات التفقير وصانعيها وداعميها ويريدون سياسات تخدم وجودهم وحقهم بحياة كريمة كمواطنين أحرار.
– غايات اللبنانيين أن ينتصروا لحقهم في دولة قوية تواجه أطماع أعدائهم فتكون قادرة بجيشها ومقاومتها وشعبها على إسقاط مؤامرات التقسيم والتهشيم والاستعمار القديم والمتجدد.
– غايات اللبنانيين أن يخرجوا من عباءات الذل الى حياة الحرية فيستثمروا في نفطهم ومواردهم المادية والبشرية بدل أن يبقوا عبيداً لمكرمة من هنا وصناديق إغاثة من هناك.

ليس الخلاف على ما يريده اللبنانيون من حراكهم، فهو كما ذكرت وغيره الكثير مما فيه قوة لدولتهم ولمجتمعهم وضمانة لمستقبلهم وحياتهم .
الخلاف الجليّ سيظهر حول وسائل وأساليب تحقيق هذه الغايات. وهي بين خيارين:
1- الأول: يقول بإسقاط المنظومة الحاكمة (الممثلة برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والوزراء والمجلس النيابي). والنتائج المترتبة على هذا الخيار هي الدخول في مرحلة “الفراغ ” وهي الأسوأ .

2- الثاني: يقول بالضغط على هذه المنظومة الحاكمة باسم الشعب لتنفذ إرادة الشعب وتحقق الغايات التي يسعى اليها الحراك الشعبي كما سبق ذكره. وهذا ليس موضع ثقة من الناس لكثرة الوعود التي أغدقها الحكام على الناس عبر سنوات وسنوات ولم تنفذ .

ويبقى السؤال: أيّ خيار يمكن أن يكون الأفضل؟
ما أراه هو أن من تسبّب بهذه الأزمة ووضع لبنان تحت التهديد المالي وتقويض اقتصاده يعرف تماماً أن الفوضى تناسبه. وهو كما تخبرنا التجارب صانع نظرية “الفوضى الخلاقة” ويهمه أن يكون لبنان بلا قيادة وحكومة، فيسهل عندها تدخله باسم “الشرعية الدولية” لإنقاذ “الدولة الفاشلة”. وبهذا يتحكم بمصير ثرواتنا ويحمي حقوق المتعاملين مع منظومته الرأسمالية النيوليبرالية.. ولذا من الأفضل تجنب الذهاب الى هذا الواقع الذي لا يعود فيه تأثير لأي إرادة لبنانية وتسقط المطالب كلها .
وعليه أجد أن خيار التفاوض مع المنظومة الحاكمة ووضعها أمام ضغط ومطالب وغايات المتظاهرين في كل ساحات لبنان هو الأنسب عملياً والممكن واقعياً .
لبنان لن يعود كما كان قبل 17 تشرين الأول… والرهان على إرادة اللبنانيين سينتصر فيما لو أحسنوا فرض قانون انتخاب جديد على قاعدة لبنان دائرة واحدة وخارج القيد الطائفي.
تحت الضغط الشعبي يمكن تحقيق هذا المطلب. وهو برأيي استعادة لقرار الشعب الذي هو وحده سيد الخيارات كلها .
*أستاذ جامعي.
20-10-2019

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0