مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

حماة “أبي الفداء” وقصة نصر جديد

47

مي أحمد شهابي

هي مدينة أبي الفداء، وكما هي معقل من معاقل الأدب والفكر، فهي معقل للمحبة الوطنية، وكيف لا وهو قطعة محببة من الثوب السوري المقدس.

هي حماة. المدينة السورية التي تحتل المرتبة الرابعة من حيث السكان بعد دمشق وحلب وحمص، وتقع على نهر العاصي، وترتفع عن سطح البحر حوالي مائتين وسبعين مترا، وتقع عند خط عرض 35 وخط الطول 62، هواءها معتدل جيد، رطوبته قليلة وتتعاقب عليها الفصول الأربع كبقية البلاد السورية وأجمل هذه الفصول فيها فصل الربيع حيث يعتدل المناخ والهواء وتنتعش النفوس وتزهو المناظر بالزهور والورود وتفترش الخضرة السهول والجبال.

بيد أن اهمية المدينة قد ازدادت مع التقدم، والنهضة العمرانية والفكرية، وخصوصاً بعد مد خطوط السكك الحديدية، وفتح أوتستراد حلب الدولي، مما زاد من أهمية تلك المدينة التي تتوسط التراب السوري.

ولأنها كذلك، لم تسأم المدينة من رياح الأزمة التي تعصف بالوطن السوري ككل، بل كانت هي اللقمة التي يطمع بأكلها الإرهابيين، والذين تقاطروا من كل العالم، باسم الدين، لكي يمتصوا خيراتها، ويغرسوا خنجر الإرهاب في درها، وكما حاولوا في بقية المدن السورية.

بيد أن حماه البطولة كانت عصية على ذلك، حيث تكاتفت البندقية السورية، وتوحدت من كل حدب وصوب حتى تحرير آخر شبر من رجس أولئك الإرهابيين.

وهكذا، وبعد أن قررت قيادة الجيش العربي السوري، والقوات الرديفة، والحليفة بأنه قد آن الأوان لتحرير تراب حماة وإدلب، وعند إعلان ساعة الصفر، دق الرجال نفير التحرير وبدأت رحلة النصر.

كانت البداية الناجحة تكمن في وضع خطة عسكرية محكمة، أشرف على التخطيط لها وتنفيذها أشاوس الجيش مع حلفائهم، وهو الأمر الذي أربك الجيش التركي، والقوات الأمريكية المحتلة، والقوات الأجنبية المراقبة، حيث خاض أسود الجيش السوري أشرس المعارك، في حين بدأت المدن والمناطق والقرى، تتحرر واحدة بعد أخرى، مصحوبا بانهيار تام امام الإرهابيين ومشغليهم، وهم يرقبون الموت القادم من كل مكان.

وعلاوة على ذلك، فقد علا صوت الاستغاثات والمناشدات التي كان الإرهابيين يبثونها على وسائل الاتصال، مستنجدين بأردوغان، وبالجيش التركي، والذي سارع إلى إرسال وحداته العسكرية نحو العمق السوري، لمؤازرة تلك الجماعات الإرهابية.

بيد أن الجيش العربي السوري، كان أكثر ثباتا، وإصرارا، حيث قرر إيقاف الأرتال العسكرية التركية، بالقرب من منطقة ” الهبيط ” في حين تم تحرير تلك القرية، وضرب الرتل العسكري التركي الذي رفض الامتثال للأوامر السورية، بالقرب من قرية ” مورك ” والتي كانت الوجهة التالية للجيش العربي السوري. كما تم ضرب نقطة مراقبة وتجسس تركية متقدمة، والتي كانت تقدم الدعم اللوجستي والعسكري للمليشيات المسلحة الإرهابية.

ومن ناحية أخرى، فقد كانت الحملة التي بدأتها القوات المقاتلة السورية، لتحرير مدينة حماة بالكامل، على شكل فكي كماشة، ذات طوقين، طوق شرقي، وطوق غربي، حيث قام نسور الجو السوري بتمهيد الطريق ومن ثم قوات المدفعية، مما جعل الثغرة مفتوحة لرجال الشرف في الميدان، كي ينطلقوا لزرع العلم السوري، فوق باقي قرى حماة.

وعلاوة على ذلك، فقد غنم الجيش السوري بعد الانهيار التام للمليشيات العديد من الآليات والأسلحة الثقيلة والمتوسطة وقاذفات صواريخ، كما عثر على ايضا على عبوات ناسفة كيماوية، على الرغم ارتقاء بعض الشهداء في صفوف الجيش العربي السوري.

أما على الصعيد العسكري، وبالرغم من الاتفاقيات التي عقدت بين الجانب التركي والجانب الروسي، فقد استمرت المعارك حتى وصلت القوات السورية إلى مشارف ريف مدينة إدلب، مورك وخان شيخون.. والسيطرة على اهم التلال المرتفعة لتسفط اغلب البلدات في ريف ادلب ناريا.. وهذه البلدات المحررة مورك وخان شيخون أهم بلدتين على الأوتستراد الدولي الذي يصل مدينة حلب، لقطع الإمدادات عن الإرهابيين.

ولا يزال أبطال الجيش يسجلون بالدم، قصة تحرير تراب سورية، والشهادات كثيرة وموثقة.

أما على الصعيد السياسي، فقد أثارت انتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه، حفيظة الرئيس التركي، والأمريكي، ومن والاهم.

وفي المقابل، فإنه، ومع تصاعد وتيرة المعارك في إدلب، بات الانتشار العسكري التركي في سوريا يخضع لشروط وقيود جديدة، وذلك في ظل تأكيد روسيا استمرار دعمها لما وصفته بجهود الجيش السوري في مكافحة “الإرهاب” في البلاد.

ومن جهة أخرى، فقد حاصرت قوات من الجيش العربي السوري، أبعد نقطة مراقبة تركية داخل الأراضي السورية، والواقعة في مورك شمالي محافظة حماة، وذلك إثر السيطرة على مدينة خان شيخون والقرى والبلدات المحيطة بها.

وقبل ذلك بأيام، قصفت طائرات الجيش السوري، طليعة قافلة عسكرية كبيرة أرسلتها أنقرة إلى إدلب، ولا تزال في مكانها منذ ذلك الحين.

وبالتالي، يبدو أن الجيش السوري لن يقف عند ذلك الحد بل، وسيقوم بتغيير خارطة انتشار القوات التركية في سوريا، لأنه لا مكان لها فوق التراب السوري.

كما ويرى مراقبون أن أنقرة مسؤولة عما يجري على الأرض، وذلك بسبب استمرار سيطرة “هيئة تحرير الشام” على 90% من محافظة إدلب رغم أن الاتفاق بين روسيا وتركيا، والذي كان ينص على نزع سلاح الجماعة وإقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل القوات الحكومية وقوات المعارضة.

وعلاوة على ذلك، فقد كان الرئيس الروسي ” بوتين” قد أعلن في مؤتمر صحفي مع نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن الجماعات “الإرهابية” كانت تسيطر على 50% من محافظة إدلب العام الفائت وأصبحت تسيطر على 90% في الوقت الراهن، وذلك بسبب إخفاق تركيا في طرد تلك الجماعات.

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف:

إذا واصل الإرهابيون هجماتهم انطلاقا من تلك المنطقة على الجيش السوري والمدنيين وقاعدة حميميم الجوية الروسية، فإنهم سيواجهون رداً حازما وقاسيا“.

وأضاف: “الجيش التركي أنشأ عددا من نقاط المراقبة في إدلب وكانت هناك آمال معقودة على أن وجود العسكريين الأتراك هناك سيحول دون شن الإرهابيين هجمات، لكن ذلك لم يحدث“.

ومن جانبه، سارع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى زيارة موسكو للقاء نظيره الروسي، فلاديمير بوتن، بهدف إيجاد مخرج لتركيا يحفظ ماء وجهها.

وقد اعترف أردوغان بأن الجنود الأتراك المنتشرين قرب إدلب السورية باتوا “في خطر” وذلك بسبب تعقيد الوضع العسكري في المنطقة.

وقد قال في مؤتمر صحفي مشترك مع بوتين، يوم الثلاثاء، إن أنقرة “ستتخذ كل الخطوات الضرورية” لحماية قواتها المنتشرة في منطقة إدلب.

وتابع أن “الوضع تعقد في شكل كبير إلى درجة بات جنودنا حاليا في خطر. لا نريد أن يستمر ذلك. سنتخذ كل الخطوات الضرورية لحمايتهم“.

كانت تركيا قد بدأت في شهر تشرين الثاني من 2017 إقامة نقاط المراقبة في إدلب في إطار اتفاق أبرمته مع روسيا وإيران في أستانة عاصمة كازاخستان في شهر أيلول من عام 2017.

كما وأقامت تركيا 12 نقطة مراقبة داخل محافظات إدلب وحماة وحلب بالاتفاق مع الجانب الروسي والإيراني بهدف تطبيق ما يعرف باتفاق خفض التصعيد في المناطق، التي كانت تفصل بين القوات الحكومية السورية والمعارضة.

وعلاوة على ذلك، فقد عززت تركيا لاحقا هذه النقاط، التي تحولت إلى ما يشبه قواعد عسكرية حقيقية داخل الأراضي السورية مثل تلك الواقعة قرب بلدة مورك، والتي تضم مئات الجنود وتقع على بعد 88 كيلومترا عن الحدود التركية.

كما وتحتفظ تركيا بعدد من القواعد العسكرية في مناطق الباب وجرابلس وأعزاز وعفرين، وهي مناطق خاضعة كليا للسيطرة التركية.

وفي الخلاصة :

لا شك لكل قارئ ومتابع، أن يرى انتصارات الجيش العربي السوري على الأرض، وإيمانه الذي لا يتزحزح، بوطنه، وجيشه، وقيادته، سيدرك تماما أن حسابات الوهم، تختلف عن حسابات الواقع. وإنما الحق لأصحاب الحق ما دام الوطن يحتضن أبناءه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0