مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الشعلة أُوقدتها الأرواح والدماء وتستمر بالعزائم

28

هاني سليمان الحلبي*

هذه الفقرة الأخيرة من هذا الاحتفال السنوي الثاني لإحياء ذكرى شهداء وقادة الثورة السورية الكبرى. إنها فقرة إيقاد الشعلة في يوم الشعلة في ذكرى انطلاقة أقدس ثورة مشرقية قومية توحيدية في بلاد الشام في التاريخ المعاصر.

وقيمة الشعلة أن تنتقل من جيل إلى جيل، ولا تحملها إلا يد الفتيان المغاوير. فلا يحتكرها جيل واحد.

والحكمة من الشعلة، كما يعرف الموحّدون في رسالة الشمعة، هي اللهبة الزرقاء، وهي الإيمان. الإيمان بأن يد الله العلي مع الجماعة، فإن أرادت استجاب. لأن أمتي لا تُجمِع على باطل. كما ذكر حديث شريف. ونحن واثقون من عقلها القومي التاريخي الممتاز.

لم أرتجل كالعادة، ليكون ما أقوله وثيقة مكتوبة وحجة لي وعليّ.

لن أكرّر ما قاله المتكلّمون قبلي.

عملنا الثقافي هو نبش بطون تاريخنا لننهض، وهذا هو روح الثقافة. كذلك هو نبش بطون العقول لتعطي، ونبش بطون القلوب والأرواح لتشعّ وتبني.

إنّ الثقافة روح النهضة والمقاومة وسرُّهما. الثقافة التي نؤمن بها ليست هي ثقافة بلا لون وبلا نكهة وبلا طعم وبلا معنى.

ليست ثقافة بلا هدف ولا اتجاه ولا حافز ولا غاية. ثقافتنا ثقافة أحرار وحرية وتحرّر وتحرير.

ثقافة الأحرار تعي تماماً ما تريد وما تفعل، وإلى أين تسير وبمن تسير ومن أجل ماذا تسير.

ثقافة الأحرار تعي تماماً ما تكون، وكيف تكون وكيف ستكون وكيف سنكون جميعاً. وكلكم يعلم عندما ننهض جميعُنا ماذا سنكون.

هي ثقافة التحرّر من الأبواب والأغلاق والمفاتيح. أكانت مصفّحة أو الكترونية، بأكواد وبلا أكواد.

هي ثقافة التحرّر من الزنازين والقواويش والحبوس، إلى ثقافة الضوء والهواء وحقوق التعبير والاجتماع والتأليف والكتابة والقول والمقاومة.

ثقافتنا ليست ثقافة منع التسلل والعبور إلى العدو لتحرير الأرض، كما فعلت الحكومات السابقة، التي اغتالت أنطون سعاده في دمشق وبيروت، وجعلت كل منطقة في بلادنا وطناً له ناطور وبوّاب طائفي.

ثقافتنا الآنَ تلبس ثياب الميدان الكاكيّة والمرقّطة، ولا تقبل أن تساوم على أرواحنا لا في عرسال ولا في القاع ولا في الهرمل ولا في غيرها، لتقدّمهم ضحايا او مختطفين للحليف الإرهابي، أكان داعشياً ام نصراوياً، لتتهم نظام الدولة بالتقصير، أياً كانت الدولة، سورية او لبنانية أو عراقية.

ذخيرة ثقافتنا، هي الحبر. لكنه ليس الحبر الجبان المخصيَّ. بل هو الحبر الفدائيّ، الذي خطّ به طارق بن زياد تلك الخطبة الإسلامية العصماء: البحرُ من ورائكم والعدو من أمامكم، فماذا أنتم فاعلون؟

حبرنا هو الحبر البطل الذي خطّ به الشهيد يوسف العظمة وصيّته إلى ابنته الوحيدة ليلى، أن خبرته مع هذه الأمة تجعله واثقاً من انتصارها في المستقبل ولو خسرت مؤقتاً في معركة ميسلون.

حبرُنا هو الحبر الهادي الذي خطّ بدمه أنطون سعاده شهادته أنه يموت لكن عقيدته تنتصر بالأجيال التي لم تولد بعد.

حبرنا هو الحبر الذي خطّ به جمال عبد الناصر مقولته الشهيرة: ثمن الكرامة فادح، لكن ثمن الذل أفدح.

حبرنا هو الحبر الذي خطّ به الشهيد كمال جنبلاط وصيته الأخيرة، بأنّ الانتصار الحقيقي هو للأقوياء بنفوسهم لا للضعفاء المستسلمين للمستقوين عليهم.

حبرنا هو حبر الإمام المغيّب موسى الصدر الذي فتح المعابر بين بيوت الله، فصلاة المؤمن مقبولة في أي بيت من بيوته.

حبرنا هو الحبر المقاوم الذي يخطّ به سيد المقاومة الوطنية الإسلامية السيد حسن نصرالله الطريق إلى القدس. وفي القدس متّسع للجميع لنصلّي معاً صلاة الانتصار على العدو اليهودي، وريث العدو الإنكليزي الفرنسي وربيب العدو الأميركي.

ذخيرة ثقافتنا، هي المقاومة. كلّ الثقافة أن تقصف ما يُسمّى مستوطنة، كلّ الثقافة ان تقصف عقلاً تمّ غسلُه، ليستسلمَ للتطبيع.

تصوّروا هولَ ما يحصُل. ممنوع علينا ان نحب سورية وفلسطين، بينما يأتي أرعنُ سعوديٌّ بنظارتين سوادوين إلى القدس فيرشقه فتيان القدس بأحذيتهم وتجار الحوانيت بالكراسي على رأسه، ويقابل قنوات إسرائيلية ويقول إنه عاشق للفن العبري والأغاني العبرية وديمقراطية الاغتصاب والاحتلال، بينما تعلق إسرائيلية على الحادثة أن لا همّ له سوى بائعات الهوى وليس الصلاة في القدس.

هل نخجل نحن بسوريّتنا الشامية، بعروبتنا المشرقية، بحبنا لدمشق وبغداد وبيروت والقدس؟ لا والله، إن هذا الانتماء هو كلّ القومية وكلّ الدين وكلّ التقوى وكلّ العروبة. وكلّ الدنيا وكلّ العليا وكلّ الأولى وكلّ الآخرة. ودمشق هي المعيار الوطني والقومي المطلق.

تذكّروا القاعدة الدينية التوحيديّة السامية، والتي قصّرنا في مراعاتها في هذا العصر «من وُلّيَ على عدد من الرجال كان له عقل الكلّ».

ثقافتنا هي ثقافة البيئة، فلا يخنق مكبّ في راشيا آلاف المواطنين بالهواء المسرطن، وعندما تعترض وتطالب يتهمونك بأنك عدو لئيم طامع.

كونوا أحراراً، استعيدوا الرأي والموقف، تثقفوا بالثقة بأنفسكم ليكون لكم مكان بين الأحرار في زمن الانتصارات بعد نهاية عصر الهزائم.

أيّها الأبطال. أيّها الشهداء. أيّها المقاومون وحدكم أنقذتم شرف الأمة وحيدين ولكم حق إهداء انتصاراتكم. وأنتم سادة النبل والغفران. يومَ لم تحنوا هاماً لحراب الأجنبي الفرنسي ولا لطيّارات اليهوديّ. إن موقفكم في ذلك التاريخ المهيب، والفاعل فينا بلا انقطاع هو هو كرامتنا. هو هو موقف الأمة لا غيره.

كلمة كتبت ولم تلقَ في الإحياء الثاني ليوم الشعلة المقدّسة تكريماً لأرواح شهداء وقادة الثورة السورية الكبرى العام 1925 نهار الخميس 25 تموز لسوء الإدارة والتنظيم والخلل المزاجي في البرنامج المعدّ مسبقاً.

*ناشر موقع حرمون وموقع الثوابت، عضو اتحاد الكتّاب اللبنانيين، عضو نقابة محرري الصحافة اللبنانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0