مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

على طريق الجنوب… العز والكرامة وظهرنا لدولة الفساد والخراب

48

هنيبعل كرم

عندما تلقيت الدّعوة إلى العشاء السنويّ لجمعية «نور» للرعاية الصحية والاجتماعية، لم أكن أعرف أنها ستكون مناسبة غير متوقّعة لأتعرّف عن قرب وبهدوء على تضاريس البطولة في أرض الجنوب. شهداء الحزب السوري القومي الاجتماعي الأبطال… العمليّات الاستشهادية النوعية التي زلزلت كيان العدو… شهداء المقاومة وأبطالها الميامين… كلّ هذا قرأته في بطاقة الدعوة التي تفوح منها رائحة الجنوب.

المكان: نبع البحصاصة – حاصبيا.

الزّمان: 3 آب من عام 2019.

لم يكن الطريق هذه المرّة كغيره، رغم أنّ معظم طرقاتنا وشوارعنا تزدحم بذاكرة دامية يعشّش فيها الألم وتبني المعاناة فيها غصّات لا يشبهها شيء.

في الطرق إلى الجنوب، تلقي وراءك كلّ شيء مع كلّ متر تجتازه بالسيارة: هموم الحياة العادية، والعمل، والأقساط البنكية، الكتاب والشعراء الذين يموتون بالشّهرة، أرباب العمل، مشاكل الناس… ونشرة الأخبار بكاملها.

طرقات الجنوب مفخّخة بأسرار عجيبة! على التلال لم تزل صور الأبطال الرابضين بين الأجمة قابضين على أزندة بنادقهم وفي عيونهم ألف اشتهاء. تتخيّلهم بوجوه معفّرة بالتراب، على أكتافهم أسلحة اعتنوا بها بشدة لتحكم الرمي… فوهاتٌ ساخنة وأخرى لم يزل الدخان يخرج منها. في الوديان.. في السهول.. مشاهدُ تعود بك إلى عزّ لا مثيل له، المعارك التاريخية التي اشتعلت فيها قلوب المجاهدين بالإيمان بأرضهم ووطنهم وتبغهم وزيتهم وزيتونهم وكرومهم… فانقضّوا من فوق أعنّة الرياح على جحافل الغزاة ودبابات «الميركافا» التي رأيناها على الشّاشات تحترق منفجرةً مقلوبةً رأساً على عقب.

لم يزل بإمكانك أن تشمّ رائحة البارود قادمة مع نسيمات المساء، ممزوجة بإكسير الكرامة والشرف.

في معتقل الخيام، تتعمّد أن تقيس المسافة من بوابة المعتقل الحديديّة إلى آخر جدار لم يزل صامداً، بالخطى. عدد الخطوات مهمٌّ هناك.. ومذهل. آليات عسكرية مهترئة متروكة شاهداً للزمان.. زنزانات بحجم صناديق كبيرة، مظلمة، باردة، وكأفرانٍ مشتعلةٍ بأبوابها الحديدية تحت الشمس.

لاقانا أحدُ المعتقلين، صار شيخاً، يعاني في جسده آثارَ التعذيب والاعتقال العينان والرئتان والكليتان.. والقلب يسأله «أحمد»: «كم بقيت في المعتقل؟» فيجيبه بأنه لم يغادره حتى اليوم.. ويضحك الجميع. وبصوته القوي راح يشرح لنا ظروف الاعتقال ووحشية العدو بالتعامل مع المعتقلين، شباناً وصبايا.. غرف التحقيق والتعذيب المظلمة.. الأعمدة التي كان يُربط عليها المعتقلون.. يُضربون، يُجرحون، «يُكهربون» ويُجلدون حتى يقشر لحمهم عن عظمهم… يستشهدون.

ما سمعته لم يكن جديداً، وما رأيته لم يكن غريباً عن ذاكرتي المفعمة بأخبار الحرب والتهجير والحصار والموت. أمران فقط كانا يرفعان الأدرينالين في دمي تحت شمس الجنوب الحارقة: «هنا كانت إسرائيل هنا دفنت إسرائيل … إلى الأبد.

أن تسيرَ على أرض داسها عدوّك وخرج منها ذليلاً مطأطأ الرأس مكسورَ الجبين، لهو أمرٌ جدير بألا يُنسى، بل جدير بأن يُحفر على ألواح القلوب وداخل الجماجم والكلى.

الأمر الثاني هو رؤية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية المحتلة، وعلى كلّ تلة نصبَ «الاسرائيلي» نقاطَ الإرسال والتنصّت والمراقبة. لقد كنت في التحامٍ مع العدو! معاركُ مجنونةٌ صمّت أذنيَّ فيها أصواتُ محركاتِ الطائرات والقذائفُ، وأزكم أنفي رائحةُ الدخان وأجسادُ الشهداء المحترقة. ورأيت وجهي مبتسماً في اقتحامٍ تاريخيّ استعدتُ فيه سِيَرَ القادة العظماء وأصواتهم، ورأيت مَن رُبط على عمود في بيروت ورُمي بالرصاص.. رأيته في كلّ وجهٍ مقتحمٍ وعلى كلّ زند، وفي كلّ نبض يشتعل هناك. كنت مزهواً فوق دبابة تخطئها الطائرات، تتقدمُ الصّفوف في حقول الدخان، أصدِرُ أوامرَ مفهومةً واضحةً بتلقائية وعفوية: إلى اليمين.. إلى اليسار.. فوق التل.. إلى الجنوب.. وإلى جنوب الجنوب. رتلٌ وراءَ رتل.. كتيبةٌ وراء كتيبة.. بيارقُ تسقط، بيارقُ ترتفع.. نارٌ ودخانٌ تخرجُ منهما أصواتُ الرجالِ الرجال برقاً ورعداً… كانت أقدامُهم تهزّ الأرض في معركةٍ أخيرةٍ تغيّر وجه التاريخ!

يخرجني من تخيّلاتي المحمومة صوتُ طائرةِ التجسّس «الإسرائيلية». لحقتُه حتى غابَ فوق تراب فلسطين. أرضُ فلسطين على مرمى حجرٍ منّا. فلسطين التي باعها العرب وعملاؤهم وعملاء «إسرائيل».

أنْ ترى هذه الأرض في نشرة الأخبار… أمرٌ، وأن تعانق ترابها وحَصَاها بعينيك أمرٌ مختلف تماماً. كانت المسألة التي عشت تعقيداتها لعشرات السنين بسيطةً وسهلةً جداً أمام ناظريّ. الأمر بسيط. «هم» هنا.. أمامنا.. على بعد مئات الأمتار.. بيوتُ المستوطنات، الشجرُ المرتفع مزهواً، الهواءُ الذي يأتي من هناك… وصمتٌ ثقيل جدّاً يؤجلُ الانفجارَ إلى وقت آخر. لِمَ التأجيلُ يا «سيّد»؟ إنّ تأجيلَ أية حربٍ مصيرية تغيّرُ وجهَ التاريخ، لأمرٌ لا يُعوَّل عليه أبداً.

أعدتُ السؤالَ بلمعةِ دمعتين مشتاقتين، وأعرفُ أنه سؤالٌ صعبٌ في معادلة أتمنى أن تبقى على الصّراط المستقيم.

لملمتُ بعينيَّ ما استطعتُ من مشاهد الدّمار والحديد الصّدئ وصور الشهداء… وأسماء العملاء المعلقة على جدران المعتقل. أدرت ظهري، في رأسي فكرة واحدة: لن أعود إلى هذا المكان مرة أخرى. هذا المكان يجب أن يقفل إلى الأبد! فمن المقلقِ والمخيفِ أن تتحوّل القضيةُ أو الثورةُ إلى متحفٍ للزيارة ولصناعة الدهشة في أناسٍ يعيشون الحياةَ على وقع صوت «فيروز» ومع رائحة القهوة بالهال.

أدرت ظهري للغرف المظلمة، ودَّعْنا «الحج» الطيب وانطلقنا في شوارع البلدة التي يعيش أهلها أمجادَ البطولات وذكرى عذابات لا تنسى. يقاطع «أحمد» مشاهداتي باتصال، وهو مَن يقود السيارة التي أمامي ليخبرني تفاصيلَ سريعةً من زمن البطولة التي عاشها في هذه الأرض مع رفقاء له في السّلاح: «هنا إلى اليمين… إلى اليسار… فوق التل… تحت تلك الشجرة… هنا خُضنا… وانتصرنا… هنا أكلت هذه الأرضُ من أقدامنا… من لحم أجسادنا لتزهرَ من جديد… هنا كانت «إسرائيل»… هنا دُفنت «إسرائيل»… إلى الأبد».

اليوم التالي، ودَّعنا الجنوب. حفظتُ من كلّ شيء صورةً واحدة: جدارُ الفصلِ الذي أقامه المغتصبون بين لبنان وفلسطين المحتلة… وفي روحي شهوةٌ جامحةٌ للأرض الممتدة وراء الجدار… وسؤالٌ في معادلة صعبة: لِمَ التأجيلُ يا «سيّد»؟ إنّ كلّ حربٍ مصيريةٍ تغيّر وجهَ التاريخ، وتؤجَّل… هي حربٌ لا يُعوَّل عليها.

أدرْنا وجوهنا صوب الشمال البعيد. سأعود يوماً إلى هذه الأرض لأمرٍ واحدٍ فقط. سأعود يوماً بلحمي وعظمي ودمي… أو يعودُ بي أبنائي لأمرٍ واحدٍ فقط…

أدرنا وجوهنا إلى الشمال… وهمساتُ الشّهداء المباركين تحفُّ بنا من كلّ صوبٍ وبتهذيبٍ فائق: «عسى أن تكونوا قد سررتم في أرضٍ للبنانَ عادتْ… نحن هنا في الهواء والماء والتراب.. في قشّ الحقول.. في صخور الجبال.. نحن هنا.. نحن هنا…»

أدرنا وجوهنا إلى الشمال… وراءنا حقٌّ لا يموت… وأمامنا الدولةُ… والخرابُ والفساد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0