مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الأب جورج مسوح في مقابلة مستعادة تحية لروحه: في مقابل كل إيمان هناك كفر به ولا مشكلة في التكفير بل في نتائجه

لا تكتمل عدّة الفتنة من دون رجال دين

136

حوار هاني الحلبي

(تشرين الأول 2009)  

شاءت إدارة مجلة وموقع حرمون أن تحيّي روح المفكر الراحل الأب جورج مسوح بإعادة نشر مقابلة فكرية هامة بمواقفها المميزة والشجاعة والعميقة أجراها ناشر مجلة وموقع حرمون الزميل هاني الحلبي في خريف 2008 إذ كان له شرف اللقاء بالمفكر الكبير مسوح. وهو باحث على مقدار عظيم من العمق والجرأة والشجاعة والتنوّر، في سياق إطلاق مجلة “فكر” عدداً لمحور بعنوان “التفكير والتكفير”، حيث كانت للمفكر الأب مسوح إطلالة بارزة في عدد مجلة فكر ذي الرقم 11021 كانون الثاني 2009 .

لم يتردّد المفكر الراحل من التصريح أن لا مشكلة لديه في أن يكفّره المسلم او غيره، إذ من الطبيعي لكل إيمان وجه آخر هو الكفر به، ولكون الأب مسوح مسيحياً فهو لا يؤمن بتنزيل القرآن، وهذا برأيه حقيقة. فلمَ النفاق المتبادل بين المؤمنين؟ لكن المشكلة ليست في التكفير بل في نتائجه الاجتماعية والسياسية والقانونية.

ورأى أن لا بد من قراءة سياقية تاريخية للمسيحية في سيرها التطوري، فهي ليست جوهراً ثابتاً لا يتطوّر. وميّز المفكر الراحل بين المسيح والمسيحية، وكذلك بين الكنيسة كمؤسسة إلهية وبين رجال الدين الذين هم بشر خطاؤون وتجب مساءلتهم. ورغم قبول التكفير المتبادل يرى ضرورة قيام حوار جدّي لبلورة مشروع إنسان مجتمع واحد بالدولة المدنية ذات القانون الحديث الواحد الذي يتساوى امامه المواطنون.

لروح الأب مسوح السلام والسماء، ولنا تفاصيل الدرر التي ادلى بها ولو تنازعنا حولها.

 

بدء الإيمان المسيحي كفرٌ بالنفس

– هل تكفّر المسيحية حسب نصوص الإنجيل؟

مسوح: الكفر هو تعبير موجود في الأديان جميعها والكفر هو عكس الإيمان ونقيضه. وطالما أن هناك مؤمنين إذا يجب أن يوجد كفار بهذا الإيمان. والكفر أيضاً يُستعمل أحياناً في مجال الكفر بالشيطان، وليس فقط الكفر بالله، وبالتالي هو نقيض الإيمان وانطلاقاً من ذلك نعم المسيحية فيها الإيمان وفيها الكفر أو أنها تحكم بالإيمان وبالكفر بالنسبة للعقائد ورؤية الله والإنسان وكل ما له علاقة بالبناء الإيماني. من هنا مثلاً يقول المسيح “مَن أراد أن يتبعني فليكفّر بنفسه وليحمل صليبه ويتبعني”. إذا هناك الكفر بالنفس والذي تدعو إليه المسيحية ولا أجد غضاضة إذا قال لي أحد المسلمين أنني كافر، لأنني أكفر مثلاً بنبوة محمد وأكفر بأن القرآن كلامٌ منزلٌ من عند الله. إذاً هنا تعبير توصيفي. فالكفر هو تعبير وصفي عن نقيض الإيمان، المشكلة تقع عندما تكون هناك تبعات لموضوع التكفير.

 

– الحكم بالكفر!

مسوح: نعم، أي أن يقول لي فلان إني كافر بهذه المسألة أو تلك ويدعني وشأني ويحترم حضوري ولا يؤذيني. هذا شيء. وأن يقول إني كافر ويسبّب لي المشاكل والقتل والتهجير، فهنا تقع المسألة! وليست المشكلة في الحكم بل في نتائج هذا الحكم. المسيحية عبر التاريخ مارست التكفير الذي كان يؤدّي في كثير من الأحيان إلى نقيض ما تعلّمه المسيحية كلياً، فالمسيح دعا إلى المحبة وعدم إيذاء الآخر وهناك نوع من الاعتزاز بأن المسيحية هي دين اللاعنف والمحبة هذا كلام موجود في النص، ولكن عبر التاريخ المسيحية أخطأت كثيراً ليس فقط أيام محاكم التفتيش في اسبانيا وقتل الهراطقة وإنما أيضاً في ظل الدولة البيزنطية لم يكن مسموحاً لأحد يخالف دين الملك أن يكون موجوداً وكان يرغم على اعتناق مذهب الملك…

 

الناس على دين ملوكهم.. هل هي قاعدة مسيحية؟

– الناس على دين ملوكهم!

مسوح: نعم. وإلا فليرحلوا عنهم. وطبعاً المسيحية خلال التاريخ أخطأت وكانت تمارس الاضطهاد والتعذيب ليس فقط في الغرب بل أيضاً في الشرق ويجب أن يكون حكمنا مجرّداً ولا شخصي أو موضوعي بالأحرى. فالمسيحية كفرت ومارست التكفير ونفت. وعندنا قديس كبير في الكنيسة اسمه يوحنا الذهبي الفم نُفي بتواطؤ رجال الدين والكنيسة. وهناك من قُتل وهناك روايات كثيرة تُروى عن البيزنطيين وحروبهم مع البلغار وكلهم مسيحيون فقتلوهم شر قتلة وفقأوا أعينهم… المهم أن المسيحية مارست التكفير في القديم إلى أن تم فصل الدين عن الدولة في أوروبا.

 

  • المسيح طلب من المؤمن شرط الإيمان أن يكفر بنفسه، ماذا يعني الكفر بالنفس؟

 

مسوح: هي دعوة للتخلّي عن الأنانية فأن تؤمن بنفسك أنك جميل وذكي وذو أموال يؤدي بك إلى الهلاك وأن تكفر بنفسك هو أن تؤمن بالله بأنه هو الذي يرزقك ويوفقك وينعم عليك بالصحة والعافية والأولاد. فالكفر بالنفس هو ان تؤمن بالله وأن تؤمن بأن الله موجود في كل الناس وأنك إذا شئت ان تؤمن بالله انه الرازق فإنك ترزق أخاك أيضاً من رزقك وأن ينعم الله عليك فإنك تتقاسم هذه النعمة مع جارك أو قريبك وان تشعر أنك بحاجة دائما لمن يرزقك في حياتك. وبالتالي كما يقول الإنجيل “كونوا رحماء كما أن الله رحيم وكونوا كاملين كما أن الله كامل”. اي انه بهذا المعنى ان تكفر بنفسك أي ألا تظن أنك قادر على فعل كل شيء بل ان تضع ثقتك بالله الذي يعطيك كل شيء، وبالتالي أن تؤمن بالله هو أن تعطي الأقارب والجيران.

 

الكفر بالنفس ألا تشركها به

– أي ألا تشرك نفسك بالله وتشابهه؟

مسوح: أصبت. فيجب على النفس ألا تشرك نفسها به.

 

فكر: هذا كفر في معرض الإيمان

مسوح: نعم. هذا كفر بالإيمان وكما قلت سابقاً يمكن أن يكون الكفر بالمعنى الإيجابي كالكفر بالشيطان والشر والقادة السياسيين (ضاحكاً).

 

لا مسيحية مجرّدة عن سياقها التاريخي

– تكلّمنا عن النص وأما في التطبيق فقلت ارتكبت المسيحية أخطاء ككنيسة ومؤسسة في كيفية فهم هذه المسيحية؟

مسوح: عندما أقول المسيحية أقولها بقراءة سياقية أي في السياق التاريخي، اي انني لا أؤمن أن هنالك مسيحية مجردة وهي نوع من الجوهر نقيس بها إن كان الإنسان مسيحياً أم لا فهي دائماً خاضعة للتأويل وللعيش بحسب السياق الموجودة فيه، فاليوم لا أستطيع أن أقول إنه عندما أمر البابا بأن يجري محاكم التفتيش لم يكن موقفه مسيحياً…

 

– لماذا؟

مسوح: لأنه في السياق منذ مئة سنة قبلت كل الكنيسة ورضيت ومشيت وراء هذا القرار. وبالتالي المسيحية التي كانت موجودة في القرن الثاني عشر او الثالث عشر هي التي تغيرت. فمثلاً هل أستطيع ان اقول إن بوش ليس مسيحياً في ما يقوم به باسم المسيحية المحافظة. فله قراءته عن المسيحية وهناك من يؤيده وهناك ملايين البشر ممن يجدون المسيحية في جورج بوش وأنا أراه مختلفاً. انا أستطيع ان احكم حكما اخلاقياً واقول انني لا أنتمي إلى هذه المسيحية التي ينتمي اليها جورج بوش، ولكن هل أستطيع ان اقول بانه ليس مسيحياً؟ أنا أظن انني لا استطيع من منطلق انه لا توجد مسيحية مجردة هناك المسيح والمسيحية المتجلية في التاريخ وتتغير مع تغير التاريخ، لأن ثقافة الناس تتغير ولا نستطيع الغاء البعد الثقافي لها وأنا لي قراءتي ولغيري قراءة أخرى ونتناقش في هذه المسألة انطلاقاً من ان المسيحية هي غير المسيح، وبالتالي مع تغيرها وحتى ضمن البابوية تتغيّر. البابا الحالي مثلاً يعتذر عن الحروب الصليبية وهي قامت بها الكنيسة أجمع والبابا هو الذي أعلنها وأطلقها وقتلت ملايين البشر فهل هذا الاعتذار يصلح التاريخ؟ طبعاً لا. فالتاريخ مرّ والمسيحية التي كانت موجودة ايام البابا اوربانس هي غير البابوية اليوم والكنيسة آنذاك كانت ترضى ببعض الأمور التي لا ترضى عنها الكنيسة اليوم ولكن لا أحد يقول إن هذه الكنيسة ليست كنيستي. ولكن قد يقول ان موقف هذه الكنيسة لم يكن مسيحياً. ولكن برأيي ليس لهم الحق أيضاً بان يقولوا بان موقفهم لم يكن مسيحياً لأنه تم إجماع في عصر الحروب الصليبية في الكنيسة الغربية على ان الحروب الصليبية هي موقف ودعوة مسيحية ومستندة إلى الإنجيل وبالتالي المسيحية ليست جوهراً وهي تتغير. وقد أقول اليوم رأياً ويأتي بعد ألف سنة مَن يقول قد أخطأ الاب مسوح أو قد أخطأ البابا الحالي والمسيحية لم تكن كذلك وموقفه لم يكن مسيحياً. وإذا إذا اخذنا القياس انا اقول انه ليس اليوم اي موقف مسيحي يطابق المسيح كلياً هناك موقف مسيحي ولكنه لا يمكن أن يصل إلى قامة يسوع المسيح. وهذا هو المهم ان يسوع موجود، ولديه هذا الإنجيل العظيم والناس بالزمن تقترب او تبتعد من هذا النص او الكلام او الشخص. وكلما اقتربت منه اقتربت من جوهر المسيحية وكلما ابتعدت عنه ابتعدت عن المسيحية.

المؤسسة الدينية تغتال النبوءة

– في هذه الحال نستطيع القول إن المسيح هو المقياس؟

مسوح: طبعاً هو المقياس لا الكنيسة، فالكنيسة هي بشر، صحيح هي مؤسسة إلهية وما شئت، ولكن يقودها بشر لهم شهوات ومصالح ومنافع وأهواء. وبالتالي الكنيسة موجودة في التاريخ وبرأيي كل مؤسسة تقتل النبوءة والإصغاء إلى كلام الله. النبي يصغي إلى كلام الله ويعمل بمشيئته وإنما للمؤسسة مصالح تقتل الروح. وبهذا المعنى من يتحدث اليوم باسم الكنيسة، قال المسيح “أنا هو الطريق والحق والحياة” ولم يقل المؤسسة الكنيسة او البابا او البطريرك او الاساقفة او الكهنة. وبالتالي الكنيسة لا تصل البتة إلى قامة هذا الشخص يسوع المسيح، إنما هي ضرورية لاستمرار الإيمان وللحفاظ على النص وعلى بعض القوانين والدساتير، ولكنها تخضع للحاكم وللأهواء، فأنا لا أستطيع أن أعزل انتخاب البابا يوحنا بولس الثاني عام 1979 عن انهيار الاتحاد السوفياتي بعد عشر سنوات.

 

– أي التخطيط…

مسوح: التخطيط. ولا أبرئ المؤسسة الفاتيكانية من الاستجابة للمطالب الأميركية مثلاً. وأنا اعرف ان الكثير من التدخلات تحصل هنا وهناك لانتخاب هذا المطران بطريركاً او لإبعاد هذا المطران. وكل ذلك يخضع للأهواء السياسية والتجاذبات الموجودة في البلد أو المنطقة اي ان الكنيسة خاضعة لمعايير هذا الزمن لا لمعايير المسيح.

 

– تشكل الكنيسة حجاباً بين المسيح والمؤمنين وتتخذ قرارات بخطورة حرب كونية وتخضع لأهواء سياسية محلية أو دولية ونسمّيها كنيسة إلهية؟ كيف يمكن ان تكون المسيحية مسيحية حقة وفقاً للمقياس؟

مسوح: الكنيسة نشبّهها باللاهوت. فالكنيسة لاهوتياً ذات بعدين بعد إلهي وبعد بشري. بالضبط مثل شخص يسوع المسيح، فنقول انه إله وانسان والكنيسة في البعد الإلهي نؤمن بأنها مكان لتقديس النفس لمن شاء أن يتقدس. وهي المكان الذي نتذوق فيه مسبقاً الملكوت الآتي أي أنها مكان الخيرات الآتية. وهذا متفق عليه بأنها مكان تقديس العالم. وعندما نأتي إلى البعد البشري والمؤسسي فالأفضل ان نقول إن الكنيسة برجال الكنيسة هم غير الكنيسة الإلهية، هم يؤمنون استمرارية الكنيسة…

 

الملكوت لكل المؤمنين

– هي ذاتها متجسّدة بأشخاص…

مسوح: بالضبط ولكن هؤلاء الأشخاص من يقول دائماً إن انتخاب أحدهم هو موافق للروح الالهية؟ إذاً يوجد في الكنيسة دائماً أشخاص لا يعنيهم الإيمان البتة ولا البشارة ولا الدعوة ولا حتى أمر الكنيسة بل فقط أمر أنفسهم ومنهم في سلم اولوياتهم ان خدمة الوطن هي قبل خدمة الكنيسة مثلاً ولا يعنيهم موضوع الرعايا والبشر والتقدّم والازدهار الروحي بقدر ما يعنيهم أن يندرجوا في منحى سياسي معين او دعم قائد سياسي معين ومن هنا تتدخّل أهواء رجال الكنيسة في تشويه الصورة الإلهية. هذا لا ينفي بان المسيح يبقى حاضراً في كنيسته لتقديس من يريد أن يتقدس، ولكن الكنيسة لا تبلغ كمالها إلا في الزمن الآتي وهذا من لاهوتنا فنقول إن الكنيسة في بهائها الأخير تكتمل في يومها الأخير، حيث يكون في هذه الكنيسة الملكوت السماوي وناس من كل الأديان وليس فقط المسيحيون ويمكن أن يكونوا الأقل ويمكن أن يكون جميع المسيحيين في جهنم، ولكن المهم أن الكنيسة وهي الإلهية والحق هي ليست الكنيسة المجاهدة اليوم بل الظافرة بالملكوت السماوي، ولكن هذا كلام خطير لأن فيه إرجاء.

 

التحالف التاريخي بين رأسي المؤسسة الدينية والسياسية مُفسِد

– هذا ما كنت سأقوله فرغم ذلك الكنيسة بالقسطنطينية اتخذت حكماً باتجاه مار يوحنا الذهبي الفم، وبالتالي لم ترجئ الحكم وتترك حسابه لربه، فهنا هل كان التفكير بمواجهة التكفير؟

مسوح: القديس يوحنا الذهبي الفم وجه مضيء، ولكن الكنيسة آنذاك ظلمته، لأنه قام ضد الإمبراطور ووزّع ماله على الفقراء وهذا أزعج الإمبراطور واعتبره نوعاً من ثورة “اشتراكية” آنذاك، مما استدعى البطريرك والمنتفعين من رجال الكنيسة لإصدار امر بنفيه إلى ارمينيا، ومات بعد ثلاث سنوات في المنفى. إذا دائماً يوجد نوع من التحالف الموضوعي او غير الموضوعي بين رأس المؤسسة الدينية ورأس المؤسسة السياسية. وعندما دخلت الكنيسة في حلف مع الدولة البيزنطية او الرومانية او الدول الأوروبية ما قبل الثورة باتت هناك مساومات على الإيمان من أجل البقاء في المناصب والانتفاع المتبادل بين الحاكم والبطريرك أو رجل الدين.

 

رجال الدين عامل فتنة

– وجّهت سؤالاً شبيهاً إلى الأب مونس أن المؤسسات الدينية تقدّم منطقاً روحانياً موحياً بالرجاء ولكن في الوقت نفسه تحتضن قادة النزاع السياسي الدموي والحربي، كالعلاقة الحميمة بين شيخ العقل والنائب وليد جنبلاط، بين البطريرك صفير وسمير جعجع، بين المفتي قباني والنائب سعد الحريري، وبين الشيخ قبلان ودولة الرئيس بري. على ماذا يستند في الواقع هذا الخطاب الموحي الذي يجمع قساة الحرب وطغاته؟

مسوح: ليس دور رجال الدين إصلاحياً وفق رأي الدكتور مؤنس، بل على العكس أنا أعتقد أن رجال الدين يؤدون الدور المفتن الذي هو بحاجة إليه الرجل السياسي الطاغي لاستنهاض الشارع. فهم بحاجة إلى رجال دين يظهرون على التلفزيونات ويهيّجون الناس ولا تكتمل عدة الفتنة من دون رجال دين. وللأسف فإن رجال الدين عندنا في لبنان لا يؤدون دور المصلح والمقرّب بقدر ما يصطفون وراء الزعيم، خصوصاً أيام الفتن، فانظر أيام السلام لا يظهر اي رجل دين على التلفزيون بينما أيام الحرب والفتنة يكثر ظهور رجال الدين لأنهم عامل فتنة. الدين في هذه البلاد كما هو هو فتنة ولا اتكلم في الأصل وانما في الجانب المؤسسي. وبالتالي الفساد أكثر ما هو موجود في المؤسسات الدينية. ولا أقدر أن أتكلم بصراحة كبيرة ولكن مثلاً شيخ العقل تقريباً وليد جنبلاط عيّنه فكيف لا يقف معه في كل ما يقوله. فعندما يكون الرجل السياسي هو الفاعل الأول في تعيين رجال الدين في المناصب الدينية فكيف يمكن لرجل الدين هذا ألا يصطفّ وراء زعيمه وهو المفضل عليه في هذا الموقع. فمن هنا الدين اليوم هو عامل توتر لا عامل جماع، ولا حرية لرجال الدين.

 

يشمل الخلاص كل الأمم

– إذاً كشعب للحفاظ على وحدتنا الوطنية التي فيها قيامتنا يلزمنا مجيء يسوع آخر لخلاص الناس؟

مسوح: أنا لا أقول ذلك، بل إن المسيح لم يكن إرجائياً فقد عمل وثار ووقف ضد المؤسسات الدينية اليهودية وهو قُتل، لأنه كان خطراً على الأمة اليهودية وثائراً. وانا اعتقد ان اليهود عندما قرروا صلب يسوع المسيح كان قرارهم سياسياً، لأنه دعا ان يشمل الخلاص كل الأمم ودعا المؤسسة اليهودية إلى الانفتاح وقبول الآخر. وهذا ما ترفضه.

 

المسيح لعن المؤسسة اليهودية

– وهل كفّر تلك المؤسسة وأتباعها؟

مسوح: المسيح لعن المؤسسة اليهودية.

 

– ما الفرق بين اللعنة والتكفير؟ هل المؤسسة اليهودية كافرة بالإيمان المسيحي ولا تؤمن بالمسيح؟

مسوح: هي لا تؤمن بالمسيح، ولكن هذا الكلام بعد المسيح. فأيام المسيح كانت توجد مؤسسة فقد كان المسيح يدخل إلى الهيكل ويصلّي معهم.

 

– صلاته أو صلاتهم؟

مسوح: صلاته هي صلاتهم، ولكنه كان يحضر مجالس اليهود وبحسب نصوص إنجيلية أنه فتح الكتاب وقرأ نصاً طويلاً يقول لهم فيه: “إنكم أنتم تريدون ذبيحة لا رحمة، بينما أنا أطلب الرحمة لا الذبيحة”. هذا يعني أنه يفضل الرحمة على أداء الشعائر، وبالتالي قال رئيس الكهنة اليهودي “خير أن يموت إنسان عن الأمة”. أي خير ان يموت المسيح على أن تموت الأمة أي أنهم استشعروا خطره على المؤسسة اليهودية والدين اليهودي والعنصرية الانغلاقية. وهم الذين كفروه وأدّى بهم هذا إلى قتله، لأن الكفر في اليهودية يؤدي إلى هدر الدم. والمسيح لعنهم لأفعالهم ولم يكفرهم، لأنه قال لقد أتيت إلى العالم لأخلصهم لا لأدينهم إذا هو كان يأمل أن يخلص كل اليهود بدخولهم في الإيمان المسيحي، لكن هذا لم يجر هو فقد قال إنه لم يأتِ لهلاك الناس بل لخلاصهم وهو نصّ طويل أهم ما ورد فيه النبوءة بأن الله بعث لكم الأنبياء خلال ألف سنة ولكن ازدادت قلوبكم قسوة أكثر من الحجر أي أن الله فعل كل ما يمكن فعله، ولكنكم رفضتم وبقيتم على ضلالكم وانحيازكم ضد الشريعة، ولذلك يُترك لكم بيتكم خراباً ويقول “يا أوراشاليم يا قاتلة الأنبياء والمرسلين إليها يا أولاد الأفاعي” لأنهم كانوا منافقين، ولكنه لم يؤد هذا الكلام إلى تبعات ان أمر بقتلهم، فإن تكفير يسوع او لعنة يسوع لهم لم تؤد إلى ان يحضر جيشاً جراراً ويقتلهم. والأهم أن قتل يسوع المسيح كان بدافع سياسي من قبل اليهود، للحفاظ على الشريعة اليهودية.

 

“لا تدينوا كي لا تُدانوا”

– هل نفهم من قول السيد المسيح “لا تُدينوا كي لا تُدانوا” نهي عن التكفير وعن إصدار الأحكام على الآخرين؟ وهل هذا ينطبق على رجال الدين أيضاً فضلاً عن الكافة؟

مسوح: طبعاً هي دعوة إلى تطهير النفس أي بدل أن تنظر إلى الخطايا عند أخيك فانظر إلى نفسك فترى خطاياك أكبر. وهنا لا علاقة لموضوع الإيمان، بل الذي له علاقة عندما يقول إن كل خطيئة تغفر للإنسان إلا التجديف على الروح القدس، وفهمت في الكنيسة وهي أن تقول عن عمل الله إنه شر وعن عمل الشيطان إنه خير، أي أن تقلب الخير شراً والشر خيراً هذا خطيئة لا يمكن أن تغفر للإنسان، لأنه حر ألا يقبل عمل الله، ولكن أن يقول عنه إنه شر فهذا لا يُغفر وإنه المكان الوحيد الذي نرى فيه أن له تبعات لها، ولكن الله هو الذي يأمر بذلك، لأنه الذي يعرف السرائر والقلوب. فالله لم يسلم القصاص للكنيسة فلا يوجد نص يقول بأن الكنيسة تقتص من الكافرين، وطبعاً الذي حصل خلال التاريخ في محاكم التفتيش وعلى يد البيزنطيين من قتل ومجازر حصل باسم المسيحية وهي تبنّته آنذاك، ولكن النص الذي يقول إن الكنيسة تقتصّ غير موجود، ولذلك “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وهي آية قرآنية تنطبق كلياً على المسيحية، ولكنها في اليوم الأخير لا تُغفر للإنسان إذا شاهد أن عمل الله شيطاني او إذا قال عن عمل شر بأنه خير.

 

كفري برسالة محمد ليس رفضاً للتفاعل مع المسلمين

– تكلّمنا عن علاقة المسيحية بما قبلها وقلت إنك تكفر بنبوة محمد. ماذا تعني بالضبط، هل المسيح لم ينبئ أن محمداً قادم؟

مسوح: عدا عن الحجج اللاهوتية لكن لا أحب أن أناقش بها أني أرى إذا آمنتُ بنبوءة محمد أي انني أومن بصحة كل ما ورد في القرآن وإذا آمنت بأن المسيح ليس إلهاً مخلصاً لي أكون خرجت من المسيحية. هذا بديهية بكل بساطة. إذا فالطبيعي أن أكفر بنبوة محمد، ولكن هذا لا يعني إنكار كل ما ورد في نبوته أي أن هناك نصوصاً استفيد منها روحياً فتوجد نصوص مثل سورة العصر: “ان الانسان لفي خسر الا الذين عملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”. فإذا كفرتُ بنبوة محمد لا يعني أن كل ما ورد لديه غير صالح، ولكن الإيمان بها يجعلني خارج المسيحية وأنا أؤمن بالمسيحية، وكفري برسالة محمد لا يعني أني أكفر بالمسلمين أو أني أكفر بأن الصلاح موجود عند المسيحيين، فأنا أؤمن أن الصلاح موجود في كل امة وفي كل بشر وان كل إنسان له طريقه إلى الله، وإن كل إنسان له طريق الخلاص وإن الله يتكلم مع كل الناس وليس حصرياً في مكان واحد وإننا والمسلمين لدينا مشروع مشترك للإنسان وللوطن ولإعمار الأرض وللخير. إذاً كفري برسالة محمد لا يعني انقطاعي عن العمل مع المسلمين والاعتراف بأن لديهم فضائل وقيماً. إذاً هما مستويان مختلفان كلياً والمستوى الفكري يتلخّص يأني لا أؤمن بالقرآن كتاباً منزلاً.

 

– وفي هذا يشاركك بعض المسلمين، كالكاتب المصري الكبير طه حسين.

مسوح: (ضاحكاً) وأنا فكرت أكثر بالمعتزلة، فلو أنهم بقوا لكان وضعنا أفضل، فعلى المستوى النظري théorie فأنا أقول إن القرآن ليس كتاباً من الله، ولكن على المستوى العملي فأنا أعترف أن الصلاح موجود في القيم والفضائل ويتجاوزون الكثيرين من أتباع أديان أخرى، ولا أريد أن أحكم هنا عليهم، ولكن كفري برسالة محمد لا يعني عدم رغبتي بالعيش معهم.

 

القرآن رفض جهل مسيحيي العرب بالمسيحية

– ألاحظ نقطتين في ما يعني القرآن الكريم أنه لم يكن يناقش المسيح لا في نبوته ولا في إلهيته، بل كان يردّ على فهم محدود للمسيحية عند المسيحيين العرب مثلاً يقول بأن الله ليس ثالث ثلاثة. فهل يقول المسيحيون إن الله ثالث ثلاثة وإن الله ينقسم على ثلاثة؟

مسوح: كلا. لا يقولون ذلك.

 

– إذاً ماذا يخصّ المسيحية في هذا القول وهو لا يخصهم بشيء. وإنما ينتقد الجهل عند بعض المسيحيين إذا صحّت التسمية.

مسوح: صحيح، مثلاً القرآن يقول: “كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح”. اننا لا نقول إن الله هو المسيح، ونحن نقول إن الله هو آب وإبن وروح القدس والإبن هو المسيح ولا يحصر الله في المسيح، ولكن هذه الجملة كما هي واردة غير موجودة عندنا، وطبعاً الإسلام كان يناقش مسيحية موجودة آنذاك في الجزيرة العربية، ولكن على الأرجح هي مسيحية متهوّدة بمعنى أنها كانت تؤمن بأن المسيح مثله كمثل موسى أي أنه نبي وليس أعظم من ذلك، ونبي خالص لبني إسرائيل.

 

– وعلى هذا الأساس نظروا إليه كملك وعندما خذلهم قتلوه.

مسّوح: طبعاً، هم ينتظرون المسيح المقبل على حصانه.

 

التسامح الإسلامي موضع إشادة

– المسيح السياسي.

مسوح: فبالتالي المسيحية التي كانت موجودة آنذاك أيام النبي كانت مسيحية متهوّدة، وليست من الكنائس التاريخية الموجودة حالياً، ولكن ما يعنيني في القرآن الكريم بأن لديه موقفين من المسيحية أحياناً هم أهل الكتاب ولكن توجد آيات قد تشير إلى أنهم مشركون كما ورد في سورة التوبة. وأحياناً يقول إنهم غير مشركين عندما يقول أهل الكتاب والمشركون واو المغايرة هذه تعني أن هؤلاء جزء والآخرين جزء آخر، ولكن بكل الأحوال القرآن أعطاهم وضعاً خاصاً بهم عبر تنظيم العلاقة بأهل الذمة وبدفع الجزية. وأنا أعتقد أن هذه الصيغة حافظت على النصارى في وقت لم يكن يقبل في أماكن اخرى او امارات اخرى وجود دين غير دين الملك. هذا الوضع الإسلامي سمح بوجود اليهود والنصارى في ديارهم إلى العصر الحديث. وهذا طبعاً ننظر إليه بعين الرضا وحتى تكفير الإسلام للمسيحيين لم يعنِ للإسلام الاول قتل النصارى كما هو اليوم في بعض الحركات العنفية خصوصاً في العراق.

 

لحوار جدّي في الأديان وحولها لبلورة مشروع إنسان كامل

– هنا الحاجة إلى حوار جدّي حول الأديان كأصول، روح وعمق وكمشروع إنسان كامل، وأن نتبين مشروع هذا الإنسان، لأنه بالتالي تجمعنا بيئة واحدة يجمعنا فيها نسق تاريخي واحد.

مسوح: لقد مللتُ من موضوع الحوار، لسنا اليوم في حاجة إلى الحوار، لأن من يأتي اليوم إلى الحوار هم أهل الحوار والذين يعرفون ماذا عند الآخر، لكننا اليوم بحاجة إلى فعل وإلى شجاعة وإلى مواقف قوية كل في مخيمه أي أنني اليوم عندما أنظر إلى الموضوع العراقي أحزن كثيراً أنني لم أجد ولا فتوى إسلامية تقول بأن تهجير المسيحيين من الموصل هو عمل كفر، في القرآن الكريم: “كل مَن قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً” في سورة المائدة الآية 32. فلم نر مفتياً ولا شيخاً ولا مرجعية يقول إن اليوم قتل النصارى في العراق هو عمل كفر وليس فقط انه عمل لا يجوز وإننا نتضامن. لقد مللنا التضامن وبيانات بلا معنى. نحن بحاجة لجرأة وشجاعة من المؤسسة الدينية الإسلامية اليوم تقف في وجه التكفيريين. إنهم يحاورون كثيراً فنتحاور مثلاً مع السيد هاني فحص والشيخ محمد النقري والشيخ غسان الحلبي وغيرهم من كبار الأحبة وعندنا رؤية واحدة في موضوع الحوار المسيحي الإسلامي، ولكن اليوم هذا لا ينفع. إننا بحاجة إلى الفعل القوي، فلم نر ولا مظاهرة في العالم الإسلامي قامت من أجل العراق بينما شعوب أوروبا “الكافرة” (بين مزدوجين) نزلت بالملايين ضد الحرب على العراق ولا مصلحة لديهم.

 

الرفض الإسلامي لتهجير المسيحيين هزيل

– رفض الحرب على العراق بمسلميه ومسيحييه.

مسوح: ويمكن أنهم لا يعرفون بوجود المسيحيين في العراق… لماذا هذا التخاذل والصمت الإسلامي الذي يخيفني؟ فإذا أصبح لا يعنيهم وجود مسيحي مختلف في هذه البلاد، فكل الكلام يصبح بلا معنى وبلا جدوى؟ فهل فعلاً الحضور المسيحي في العالم العربي هو هاجس عند المسلمين؟ أنا لا أعتقد ذلك. فلم أر أي خطوة جدية تثبت العكس. فهذا يشيد بالملك السعودي ومبادرته للحوار بين الأديان وذاك بالرئيس أحمدي نجاد ودعوته للحوار بين الحضارات، فأنا لا أريد حوار حضارات ولا حوار أديان. أنا أريد فعلاً اليوم هل المسلمون يعنيهم الوجود المسيحي المختلف؟

 

حوار نُخب غير شجاعة وغير مؤثرة

– ما قيمة هذا الحوار في الواقع الاجتماعي والطوائفي؟ وهل انعكس تقارباً في سلوكيات الطوائف أم لا بعد عشر سنوات من إطلاق الحوار؟

مسوح: الحوار انطلق منذ أربعين سنة ايام الندوة اللبنانية عبر السيد موسى الصدر، والمطران جورج خضر والاب يواكيم مبارك والشيخ صبحي الصالح وغيرهم، ولكن ما اريد ان اقول إن الحوار الديني الراهن في لبنان تحديداً هو حوار نخبوي لم ينزل إلى الشعب، لأن الحوار ما يجب ان يؤدي اليه هو كسر الحواجز النفسية بين المذاهب والطوائف. وهذا ليس في مصلحة المؤسسة الدينية اليوم، لأن المؤسسات الدينية اليوم تحتاج إلى الابقاء على نفوذها وابنائها وكل حوار وتقريب بين المذاهب والطوائف يضرّها مثلاً أنا أقول إن الحوار الإسلامي المسيحي يجب ان يؤدي اليوم إلى تشريع الباب أمام الزواج المدني أي أنني إذا كنت أحترم المسلم وهو يحترمني فيجب أن أسمح للمسلم والمسيحية او للمسيحي والمسلمة أن يتزوجا في ديارهما فلا يضطران للذهاب إلى الخارج. هذا إذا كنت حقاً أحترم الآخر وأحترم إيماني أي أنني لا أريد ان أنافق هناك حتى بين مسيحي ومسيحي. هناك مَن لا يشاؤون التزوج داخل الكنيسة والدولة اللبنانية ترغمهما وأنا أوافق مع أنني أعلم أنهما كافران فأزوّجهما وأعطيهما السر المقدّس. إذاً يوجد نفاق.

عدا عن ذلك في مسألة احترام الآخر المغاير يجب اليوم برأيي إذا أردنا فاعلية أو مصداقية للحوار الديني أن يقبل بزواج مدني اختياري ولكونه اليوم حوار نُخَب وتخاف أنها نخب غير شجاعة، لأن الشجاع هو الذي يقول موقفاً بصرف النظر عن الأغلبية الموجودة في طائفته او مذهبه، وإذا لم تقل موقفك الذي يجب أن تقوله بناء على ضميرك الديني هذا جبن، وعدا عن التلهي ليس فقط بمسألة الحوار الديني الإسلامي إنما على الصعيد الإسلامي الإسلامي والتقريب بين المذاهب. أخيراً رأينا أن رئيس مجلس تقريب المذاهب الشيخ يوسف القرضاوي يختلف مع نائبه حسب وتيرة الخلاف بين السعودية وإيران، وإذا اختلف مَن يعملون على التقريب بين المذاهب.

 

– وأثاروا فكرة الامتداد الشيعي في مصر وغيرها.

مسوح: ويأتي ذاك بكل المسائل القديمة وبأن عمر ضرب عائشة وكأنّها حصلت البارحة.. “والله زهقنا”.

 

الطوائفيات جفّفت الغابة لإشعالها

– عندما تكون النخب المحاورة غير شجاعة أو جبانة وقد تكون منقطعة عن وسطها الطائفي الاجتماعي الخاص بها ولا يشكل رأيها نفوذاً فيه، ما الحل؟ هل يمكن أن يكون الحل بوجود الدولة تطبق قانوناً عاماً؟

مسوح: نعم. هنا الدولة تتخاذل، ولكن الدولة لن تقوم طالما الذهنية السائدة هي كما ترى اليوم، ثم توجد خطيئة شنيعة في الدستور اللبناني عندما يعطي طوائف حقوقاً تتجاوز الحقوق السياسية وينقض الدستور نفسه بأنه جامع لكل اللبنانيين ويساوي بينهم، وبالتالي عندما يُعطي حق الفيتو وأن هنالك خطاً أحمر في الدولة لا تستطيع تخطيه وهو موضوع الأحوال الشخصية فكيف تضع خطوطاً حمراً لدولة داخل نطاقها تؤدي إلى التمييز بين أبنائها؟ إذاً المشكلة بنيوية، للأسف أتت الحرب وزادت الطائفية والعامل المذهبي في البلد وكل الفكر العلماني والمساواة والحرية والتقدّم هذا أصبح من التاريخ، ولذا يجب أن نكون اليوم واقعيين. وأيضاً أصبح التفكير العلماني اليوم تفكيراً نخبوياً وغير موجود في عامة الناس فتنزل إلى الجامعات وترى أساتذة الجامعات منتمين إلى الأحزاب الطائفية والى التيارات الحزبية الطائفية والمذهبية وهم أكثر بكثير من المنتمين إلى الفكر العلماني ويكاد أولئك أن يصبحوا ديناصورات. مثلاً في جامعة البلمند هناك تجمع الشباب الزغرتاوي والشباب الطرابلسي قبل أن يكون تيار المستقبل والقوات اللبنانية والتيار العوني، مع العلم أنه يزعم أنه علماني، ولكنه يبدو أنه انزلق إلى مواقف طائفية ليكسب شعبية أو ليحافظ على شعبيته المسيحية. إذاً في الممارسة دائماً العامل الطائفي هو الأقوى وحتى في اللبنانيين توجد دراسة قرأت عنها مؤخراً للدكتور عدنان الأمين أن طلاب البريفيه اليوم في لبنان لهم ثقة برجال الدين أكثر من رجال السياسة أي أننا اليوم امام وضع قرون وسطى مستعاد وفي إمارات مذهبية وطائفية في البلد متداخلة بعض الشيء، ولكنها ليست بحاجة إلا لعود ثقاب واحد حتى تشتعل الغابة.

 

حبل الرجاء لا ينقطع

– في هذه الحال ما هو دور المؤمن المتنوّر الذي يرى مؤسسته الدينية جوفاء بعض الشيء ويرى رجل الدين غير أصيل ويرى رجل السياسة منافقاً ويرى دولته مستلبة، وبالتالي مطلوب منه أن يكون مؤمناً؟

مسوح: عندنا أركان الإيمان ثلاثة الرجاء والإيمان والمحبة. الرجاء بأنني يجب الا أيأس وثم أن يظل صوت رجل الدين المتنوّر او حتى المواطن المتنور صارخاً في البرية من دون كلل. وهذا الصوت الصارخ على مثال يوحنا المعمدان وألا ينتظر صدىً جيداً وإذا لم يرجع فلا ييأس عن التبشير. دعني أنظر من حولي في المنطقة أشاهد الناس جحافل تذهب هنا وهناك بناءً على أوامر الزعيم فقط أي ان الشعب لا يقوم بالمطالبة بلقمة عيشه ولأمر سياسي تافه نرى الشعب ينزل إلى الساحات. هذا فعلاً يثير اليأس او القول إننا بحاجة إلى قرن او مدى طويل. فعلاً لا يوجد أمل على المدى القريب. ومع هذا كله يبقى لدينا كمواطنين متنوّرين ومؤمنين رجاء.

 

النظرة القومية تعبّر عن حقيقة تراثنا الروحي

– عرضت هذه المقولة التفكير والتكفير فهناك جناس لفظي في الأحرف وطباق معنوي بينهما وكأن كل مرة يلتقي هذا بذاك فيتصافحان ويقولان إننا لن نلتقي كما قال جبران عن يسوع الناصري ويسوع النصارى، مقولة انطون سعاده في هذه النقطة “كلنا مسلمون لله رب العالمين فمنّا من أسلم بالقرآن ومنّا من أسلم بالإنجيل ومنّا من أسلم بالحكمة وليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا وحقنا ووطننا سوى اليهود”، ألا تشكل أرضية المشترك بيننا للتقدم والحوار؟

مسوح: مقولة انطون سعاده بالمنحى السياسي صحيحة أي أننا أهل هذه الديار السورية أو العربية أتينا من أب واحد ونؤمن بالإله الواحد، واليهود من بعد رجوعهم إلى ارض فلسطين واضطهادهم أهلها أخرجوا أنفسهم من أن يكونوا شركاءنا في هذه البلاد. أنا شخصياً لا ضغينة لي ضد اليهودي كيهودي، ولكن ضد اليهودي الذي يملك مشروعاً صهيونياً عنصرياً ضد أبناء المنطقة وضدي أنا شخصياً كمسيحي وضد أخي المسلم، وبالتالي أفهم ضمن هذا السياق هذا الموضوع وأنا لا أقدر أن أعرف نسبة اليهود غير الصهاينة فهم قلة جداً.

 

– إن وُجدوا!

مسوح: على الأقل يوجد بعض الأشخاص من هذه النخبة التي تكتب، ولكن هذا لا يعني ان يشكلوا عقدة ذنب لنا أن نميز بين الصهيونية واليهودية، فهذا يحصل بعد ان يعود الشعب الفلسطيني إلى ارضه عندها نفكر بالموضوع، ولكن طالما هم لا يزالون تحت الظلم فإننا لا نصافح يهودياً ولا نكلّمه. وهذا هو الصحيح. وفي موضوع لبنان ورد موقف معبر في الوثيقة الفاتيكانية “أن في كل مسلم شيئاً من المسيحية وفي كل مسيحي شيئاً من الإسلام”، ولأننا نعيش في بلاد واحدة وحتى على المستوى العقائدي أحياناً أو على مستوى الممارسة الدينية والشعائر تجد تبادلاً في بعض الأمور، وانا درست في الدكتوراه عن المسلمين في لبنان ونظرتهم إلى المسيحية خلال الحرب (كنموذج موسى الصدر وفضل الله)…

 

التدامج الحضاري والقومي للمسيحية والإسلام

– بما أن هناك ترابطاً تاريخياً ومفهومياً أساسياً عاماً بين المسيحية والإسلام على الأقل في البلاد المشرقية، والسورية خصوصاً، لماذا لا ننطلق من النصف الملآن من الكأس ليكون ضماناً لإملائها كلها في وحدة حياة موحّدة الحقوق والواجبات لكل مواطنيها؟

مسوح: هناك مشترك بين المسلمين والمسيحيين، حتى أن المطران جورج خضر يقول: أنا مسلم حضارة مسيحي إيماناً. وأختم بالقول للحبر الأعظم الراحل إن لبنان أكبر من وطن إنه رسالة. بقصد أن يعمل اللبنانيون على صياغة هذه الرسالة لأنها موجودة بالقوة وليس بالفعل. ولكن اللبنانيين بدأوا الدبكة والأهازيج وكأنها تحققت. الرجاء أن يعي اللبنانيون أن عليهم العمل الجاد من أجل الارتقاء إلى استحقاق الرسالة الجامعة الموحدة قبل فوات الأوان.

 

 

كادر

 

الأب العلامة جورج مسوح أكبر من سطور:

 

تعود أصول الأب العلامة جورج مسوح إلى سورية إلى عكار / وادي النضارة قضاء تلكلخ.

انتقل والده إلى لبنان، ولد في البوشريّة ساحل المتن الشماليّ في العام 1962

 

دراساته العليا

حاز شهادة دكتوراه في الدراسات الإسلاميّة من المعهد البابويّ للدراسات العربيّة والإسلاميّة في روما العام 1997.

حاز شهادة الليسانس في اللاهوت الأرثوذكسيّ من معهد القدّيس سرجيوس اللاهوتيّ في باريس للروس البيض العام 1991.

حاز شهادة الماجيستر في اللاهوت من المعهد المذكور في العام 1992.

عاد إلى لبنان وحاز ليسانس في الرياضيّات من الجامعة اللبنانيّة العام 1987.

1995-1997 تمّ تعيينه استاذاً محاضراً في جامعة البلمند، ومن 1997-2010 أستاذاً مساعداً في جامعة البلمند. تم تعيينه أستاذاً مشاركاً في جامعة البلمند ما بين 2010 – 2014.

وكان قد تم تعيينه مديراً لمركز الدراسات المسيحيّة -الإسلاميّة في جامعة البلمند منذ 1995 وحتى وفاته.

 

كهنوته

رسمه سيادة راعي الابرشية المتروبوليت جورج خضر كاهناً بعد شموسيته وعينه خادماً لرعية بلدة عاليه الارثوذكسية وكاهناً لكنيسة القدّيس جاورجيوس في عاليه منذ العام 1997 وكان متروبوليت الابرشية المطران جورج خضر يكنّ له محبة شخصية نظراً لصفاته العلمية والفكرية

 

أسرته

متأهل من السيّدة ماغي وهبه وله ثلاث بنات، رزان ونور ورنا

 

تولّى منصب المدير المسؤول في مجلّة النور التي تصدرها حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة منذ العام 1995 وحتّى العام 2006.

 

صفاته وإنتاجه العلمي والروحي

 

منذ العام 2004 كاتب مقالة أسبوعيّة في صحيفة “النهار” اللبنانيّة تعنى بالشؤون الدينيّة والثقافيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة.

شارك في مؤتمرات علميّة ودينيّة عديدة في لبنان والخارج.

قدّم العديد من المؤلفات في القضايا الدينية والاجتماعية والثقافية وفي الدراسات الروحية الارثوذكسية والمسيحية الاسلامية.

عرف بانفتاحه وتواصله مع مختلف فئات المجتمع ومعروف عن الأب مسوح فكره الانفتاحي وأفكاره في التسامح والمحبة، وكتاباته عن بناء الدولة والمؤسسات والعلاقات بين الأديان، بصفته مديراً لمركز الدراسات المسيحيّة الإسلاميّة وأستاذاً في جامعة البلمند. ومتخصصاً بالدراسات الإسلاميّة والعلاقات المسيحيّة ــــ الإسلاميّة.

 

وفاته

 

توفي صباح الأحد 25 آذار 2018 بعد صراع طويل مع مرض السرطان. فجنّزه المتروبوليت جورج خضر وعدد من مطارنة الابرشيات الانطاكية وعدد كبير من كهنة ابرشية جبل لبنان وبقية الابرشيات وذلك في كنيسته ببلدة عاليه بمشاركة كبيرة من كل الاطياف الحزينة على فقده شاباً وعالماً

وقد رثاه معلمه بكلمة ولا أروع عدد فيها صفات ومناقب هذا العالم المنتقل إلى السماء.

تركت وفاته حزناً كبيراً بشكل عام في لبنان وسورية والكرسي الأنطاكي والعالم الأرثوذكسي وحركة الشبيبة الأرثوذكسية وجامعة البلمند وقراء النهار، وحزناً بشكل خاص في عاليه بصفته كاهن رعيتها الارثوذكسية.

وقد نعته وكالة داخلية عاليه في الحزب التقدمي الاشتراكي بالقول: “فقدت مدينة عاليه وفقد لبنان علماً من اعلام الفكر والإيمان والصدق والإنسانية، كاهن رعية عاليه الأب جورج مسوح. وفعلاً ستفتقده مدينة عاليه مشاركاً أهلها في أفراحهم وأتراحهم ومناسباتهم الاجتماعية، حيث حقق محبة الأخوة الدروز بشكل مساوٍ لمحبة رعيته الارثوذكسية والمسيحيين والمسلمين كافة.

وجاء في بيان الأمانة العامة لحركة الشبيبة الارثوذكسية عن وفاته: مع اندلاع فجر البشارة بتجسّد الربّ، غيّب الموت أحد أعمدة الفكر المُستَنير في كنيسة أنطاكية، وحركتها، الأب جورج مسّوح، بعد مواجهةٍ طويلةٍ، بشجاعة المؤمن، مع المرض

وتطرّق الأب الراحل في مقالته: ” الحب أقوى من الموت” إلى الموت، فكتب فيها: مَن يحبّ الله يحبّ الحياة ولا يطلب الموت لنفسه ولا يستعجله. لكن لا بدّ من قبول الموت يوماً لأنّ الإنسان لا يسعه أن يحيا إلى الأبد. يصبح الموت لديه انتقالاً من الحياة إلى الحياة. تصبح الحياة على الأرض عبوراً إلى حيث الحياة الحقّ. تصبح الحياة على الأرض زمناً وجيزاً يكون فيه الإنسان مستعدًا في كلّ حين لمواجهة مصيره الحتميّ. وأفضل استعداد يكون في التوبة ومحبّة القريب التي من دونها لا يمكن أن يكون الإنسان محبًّا لله.

 

من مؤلّفاته

 

  • “النظرة إلى الآخر، مقاربة أرثوذكسيّة في كتاب الأديان نظرات متبادلة”، مجموعة من المؤلّفين، تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة، 2007، ص. 78-83

 

  • “الحرّيّة بإزاء القيم والأخلاق”، في كتاب الحرّيّة في أبعادها الحضاريّة، مجموعة من المؤلّفين، تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة، 2005، ص. 199-212

 

  • “النزاعات والدعاوى بين المسلمين والمسيحيّين في وثائق المحكمة الشرعيّة بطرابلس 1666-1793″، في كتاب العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين في بلاد الشام إبّان الحقبة العثمانيّة، جامعة البلمند، 2004، ص. 109-205

 

  • “الخيرات الآتية”، جامعة البلمند، 2003

 

  • “محطّات في نظرات الأرثوذكس الأنطاّكيين إلى الإسلام والمسلمين في القرن العشرين”، في كتاب تاريخ كنيسة أنطاكية أيّة خصوصيّة، مجموعة من المؤلّفين، جامعة البلمند 1999، 305-318

 

– “المسيحيّون في أعمال رجال الدين المسلمين في لبنان خلال العشرين سنة الأخيرة”، في كتاب النظرات المتبادلة بين المسلمين والمسيحيّين في الماضي والحاضر”، جامعة البلمند، 163 – 174، 1997

– “الآن وهنا”، منشورات تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة 2018

(السيرة من مدوّنة الأب جوزيف زيتون، 14/4/2018، رابط: http://josephzeitoun.com)

 

للاشتراك في صفحة حرمون فيسبوك:

https://www.facebook.com/haramoon.net

ومجموعة حرمون واتس:

https://chat.whatsapp.com/AkLI5C98a6OCLj4dKvmsvj

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0