مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

لبنان بحاجة إلى “اسراتيجيّة متكاملة لإدارة النّفايات الصّلبة المنزليّة”

157

د. ناجي قديح

نعتقد أن كثيرا من الناس في لبنان والبلاد العربية باتوا يدركون جيدا العلاقة القوية بين البيئة والصحة، وما للتلوث البيئي في كل الأوساط، الهواء والمياه والبحر والتربة والسلسلة الغذائية، من آثار كبيرة على الصحة البشرية، مباشرة وغير مباشرة، حادة ومزمنة وبعيدة المدى، على هذا الجيل والأجيال القادمة من شعبنا. أصبح الكثيرون يدركون أن التلوث البيئي، بكل أنواعه ومصادره، الناتج عن سوء إدارة العديد من الملفات البيئية، ولا سيما منها ما يتعلق بإدارة النفايات الخطرة وغير الخطرة، الغازية والسائلة والصلبة، على علاقة ترابط وثيقة مع تدهور الوضع الصحي العام، وازدياد التعرض للأمراض المميتة والمزمنة، وازياد كلفة الإستشفاء والعلاج والطبابة عموما على الاقتصاد الوطني، وعلى تراجع كبير في رفاه عيش اللبنانيين ومعاناتهم الصحية الثقيلة، وبالتالي يصح القول إن البيئة السليمة شرط لصحة سليمة، وأن حماية البيئة مدخل ضروري لحماية الصحة العامة. تختلف النفايات باختلاف أنواعها ومصادرها، ويمكننا التأكيد على أن اي محاولة جادة لوضع سياسات واستراتيجيات وخطط سليمة لإدارة النفايات تشترط تصنيفها في فئات، حيث كل فئة تتطلب خطة خاصة بها ترتكز على خصائص تلك النفايات وميزاتها. يمكننا تصنيف النفايات وفق العديد من المعايير، عل سبيل المثال، إذا اعتمدنا مصدر النفايات معيارا لتصنيفها، يمكننا أن نميز فئات النفايات المنزلية البلدية، الصناعية، الطبية من مؤسسات العناية الصحية، الزراعية، نفايات عمليات البناء، النفايات الكهربائية والإلكترونية، نفايات قطاع النقل من زيوت معدنية وخردة وإطارات، الخ… وإذا اعتمدنا خصائص النفايات معيارا لتصنيفها، يمكننا تمييز فئة النفايات الخطرة، وغير الخطرة، والمختلطة، من كل المصادر. ويمكننا أيضا التمييز بين نفايات غازية وسائلة وصلبة إذا اعتمدنا الحالة الفيزيائية للنفايات معيارا لتصنيفها. إذن علينا تحديد الفئة من النفايات التي نتصدى لوضع خطة إدارة بيئية سليمة لها، وليس تناول النفايات بالجملة دون تحديد صحيح ودقيق عن أي فئة ونوع من النفايات نتحدث. إن تغييب تصنيف النفايات إلى فئات، تتنوع من حيث مصادرها وميزاتها وخطورتها وطبيعتها، يكمن في أساس السياسات غير السليمة التي تعتمد حتى الآن في لبنان، وفي سوء إدارة النفايات وما نتج وينتج عنها من أزمات وآثار بيئية وصحية عالية الخطورة، ومن هدر فاضح في الأموال العامة. عندما نتحدث عن النفايات الخطرة، من الضروري تحديد ميزات الخطورة التي تحملها هذه النفايات، وميزات الخطورة وفق اتفاقية “بازل” بشأن النفايات الخطرة هي عديدة جدا، ولكن الميزات الأساسية هي ما يتعلق بالقابلية للإنفجار، والقابلية للإشتعال، والسمية البشرية، والسمية البيئية، والحارقة والكاوية للجلد. إن أي سياسة  يجب أن ترتكز على رؤية، وهذه الرؤية مبنية على مبادىء عامة. ورؤيتنا لسياسة واستراتيجية وخطة إدارة النفايات مبنية على مبادي عامة قوامها وضع نظام متكامل يتمتع بثلاث سمات عامة هي، سليم بيئيا، وآمن صحيا، وعقلاني الكلفة، كي يكون حلقة في تحقيق التنمية المستدامة، من جهة، ومن جهة أخرى أن يرتكز على اعتماد النظام الدائري، أي تجدد واستمرار الموارد عبر المحافظة على القيمة الموجودة في النفايات واستردادها. سياسة تكون أهدافها العامة تحقيق إدارة سليمة ومستدامة في الواقع، وحماية البيئة والصحة العامة، ومشاركة المجتمع، وتحسين مستمر باتجاه تحقيق كامل أبعاد الإستدامة البيئية والصحية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. هذه الرؤية هي واحدة ومشتركة لكل استراتيجيات إدارة كل أنواع النفايات. يتحقق تطبيق الرؤية من خلال وضع خطط وطنية لإدارة مختلف أنواع وأصناف وفئات النفايات. تكون الخطط الوطنية لإدارة النفايات خاصة بكل نوع منها حسب تركيبها وخصائص مكوناتها المختلفة. على مستوى التشريعات والقوانين والمراسيم، نحن بحاجة إلى قانون عام لإدارة النفايات يتضمن الرؤية، والمهمة والمبادىء والقيم، والأهداف الإستراتيجية، والوسائل والآليات، والهيئة الرسمية المعنية بالسهر على تطبيق القانون. هذا القانون يكون منسجما وعلى تناسق تام مع القانون الإطاري لحماية البيئة رقم 444 للعام 2002. في هذا السياق، نحن ندعو إلى إنشاء “هيئة وطنية لإدارة النفايات في لبنان” تكون مسؤولة عن تطبيق قانون النفايات ومراقبة حسن تنفيذ الخطط الوطنية لإدارة مختلف أنواع وفئات النفايات. في ورشة التشريعات أيضا، نحن بحاجة إلى استكمال وضع المراسيم التطبيقية للقانون 444 للعام 2002. هل يعقل أننا، بعد 15 عاما على إقرار هذا القانون الهام، الذي يشكل أساسا صلبا وأرضية رائعة لإدارة سليمة لكل ملفات البيئة في لبنان، بحاجة إلى إقرار ما يزيد عن 70 مرسوم تطبيقي لكي ينطلق البلد في خطط وطنية واضحة في كل مجالات الإدارة البيئة؟ هل يعقل أن المرسوم الوحيد الذي أعد وأقر في العام 2002 هو مرسوم تحديد أنواع النفايات الصحية وكيفية تصريفها رقم 8006، الذي عدل بالمرسوم رقم 13389 في العام 2004؟ على الرغم أن عددا إضافيا من مشاريع المراسيم جرى إعدادها بين عامي 2001-2002، أقر منها، بعد صراع كبير وضار، مرسوم تقييم الأثر البيئي فقط، في حين أن المراسيم المتعلقة بتصنيف وإدارة النفايات الصناعية لم تقر حتى هذه اللحظة؟ نحن نرى أن من أولويات وزارة البيئة أن تستعيد دورها ونشاطها، بعد أن أضعف عدد من الوزراء، الذين تعاقبوا على حقيبتها، موقعها، وشوهوا دورها، وتنازلوا عن صلاحياتها، ومسخوها إلى دور استشاري فقط، في حين أنها، وفق قانون إنشائها، وزارة مكتملة الأوصاف لناحية دورها الفعال في السلطة التنفيذية، ولناحية صلاحياتها الواسعة في وضع سياسات واستراتيجيات وخطط الإدارة البيئة لكل مناحي البيئة في البلد. نعم، هناك ورشة يمكن لوزارة البيئة فتحها بقوة للعمل على وضع المراسيم التطبيقية لقانون حماية البيئة 444 للعام 2002، لأن هذا القانون يبقى غير قابل للتطبيق دونها، وهذا ما يجعل البلد مستمرا في فوضى السياسات والخيارات البيئية السيئة، التي ينتج عنها تدميرا ممنهجا لعناصر البيئة كلها، واستنزافا خطيرا للموارد الطبيعية وتلويثها، وكذلك ما ينتج عن كل ذلك من آثار خطيرة على الصحة العامة، ومن نهب منظم ومفضوح للمال العام. 15 عاما من الإنتظار المدمر كافية، وعلينا الإنطلاق الفوري بوضع المراسيم التطبيقية ورسم سياسات الإدارة السليمة بيئيا في كل المجالات والأبعاد. إن واقعنا البيئي الذي نعيشه الآن، يتسم بسوء إدارة كل الملفات والقضايا، وعلى رأسها ملف النفايات الصلبة المنزلية، الذي يشهد إدارة غير سليمة بيئيا تؤدي إلى تلويث كبير لكل أوساط البيئة، الهواء والتربة والمياه السطحية والجوفية والبحر، وكذلك تدمير الشاطىء وسوء إدارته ووضع اليد على أملاكه العامة وردمه تلبية لمصالح فئوية لقوى في السلطة وأزلامها. ويشهد أيضا إدارة غير آمنة صحيا تسببت بتلوث كبير بملوثات خطيرة على الصحة العامة تؤدي إلى ارتفاع نسبة التعرض للأمراض السرطانية والقلبية والتنفسية والولادات المشوهة والعقم والخلل الهرموني والموت المبكر. وهذه الإدارة عالية الكلفة، مترافقة بهدر كبير لأموال الصندوق البلدي المستقل والمال العام. نتج عن سوء الإدارة هذه، بالإضافة إلى كل ما تم ذكره، انتشار أكثر من 880 مكبا عشوائيا (مزبلة) تشهد حرائق تلقائية ومفتعلة بحيث تبث سمومها على اتساع الجغرافيا اللبنانية، وتوزع سمومها على كل الشعب اللبناني في كل المناطق. تشير مراجعة القوانين والتشريعات البيئية السارية المفعول في لبنان على أن عدم إدارة النفايات بطريقة سليمة هو “جريمة بيئية”. ونحن نطرح السؤال الجدي من هم المسؤولون عن هذه الجريمة الموصوفة؟ ونطالب بإحالتهم إلى القضاء ومساءلتهم ومحاسبتهم. إن ما يعيق وضع نظام متكامل للإدارة السليمة بيئيا والآمنة صحية ومعقولة الكلفة، وما يعيق أيضا وضع مرسوم ينظم إدارة النفايات هو الفساد والفساد والفساد المتفشي في كل تلافيف السلطة السياسية في لبنان.

“green area”

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0