“لو لم أكن نفسي”.. قراءة مختلفة لنص فريد (أجزاء عدة)

 

لو لم أكن أنا نفسي لتُقتُ إلى أن أكون الفجر في عين العذراء. تُمثّل الصورة الأدبية عند أنطون سعاده الطموح والارتقاء مع الحفاظ على جمالية الكلمة وقداسة الفكرة، وليست أمراً متخيراً لا رابط له مع الواقع وإمكانية الحضور. تحمل الصورة عنده غاية وطنية وإنسانية كبرى لا يتوق إليها إلا من ترك الضجيج وتغاضى عن النميمة والغيبة وقصد العرزال للتأمل بأمور البلاد والكون. الأمنيات هي الصورة الحقيقية الثانية للإنسان.

الأمنيات لا تحمل غالباً غايات بقدر ما تحمل هروباً وفراراً من الواقع إلى عالم متخيَّل يُريح النفس ويُعطي عطلة للعقل، أما عند أنطون سعاده فالصورة المتخيلة تسبب اختلاجاً في النفس وحركة متسارعة في العقل. ماذا كان يتمنى بعض العظماء أن يكونوا. المتصوف والفيلسوف أبو حيان التوحيدي تمنى أن يكون الجاحظ لإعجابه بأدبه. كتب جبران خليل جبران: ليتني طفل لا يكبر أبداً فلا أنافق، ولا أراهن، ولا أكره أحداً.

تمنى جان جاك روسو في أواخر أيامه أن يكون تلميذاً عادياً في مدرسته الابتدائية القديمة. تمنى التخلّص من قيود الحضارة الحديثة التي رآها مفسدة للإنسان. أما أنطون سعاده: لو لم أكن أنا نفسي لتقتُ إلى أن أكون الفجر في عين العذراء. التوق هو الرغبة بشدة والرغبة تختلف عن الحب والميل، لأنها تحمل اندفاعاً لتحقيق غاية، وأن تكون الغاية الفجر في عين العذراء فهذا تعبير أدبي فلسفي بامتياز. لماذا تاق أنطون سعاده أن يكون الفجر في عين العذراء؟

الفجر هو انكشاح ظلمة الليل إيذاناً لحضور الضوء. أما العذراء بمعانيها المتعددة فتعني الطهارة والنقاء والتمرد على مباهج الحياة، منها انطلقت فكرة إنجاب المحبة ومنها انطلقت فكرة الشفافية وطهارة الوجدان والضمير.

وهذه ثنائية من ثنائيات الفلسفة السورية القومية الاجتماعية. إنها ثنائية الفجر والعذراء، ثنائية الضوء والعتمة. بداية انبعاث الضوء في بصر وبصيرة أبناء النور.

لم يكن يحلم، كان يتخيل وقائع النهوض ويرسم خريطة الوصول إليها. أن تكون الفجر في عين العذراء يعني أن تكسر الجمود بحيوية الإيمان. لا مساومة ولا وسطية في فلسفة أنطون سعادة، لا يمكن للفجر أن يكون في عين زانية أو كائن لعوب، ولا يمكن لعين العذراء أن تقبل صورة غير صورة الفجر. لا نجد نصف ضوء ونصف عتمة. من يتوق إلى الضوء لا يقبل العتمة.

كان عندما يرى تحضر الفكرة، وتتحول اللحظة إلى حركة، ويحضر الفجر في عين العذراء الطاهرة. كل من لا يفهم معاني هذه الثنائية لا يرتقي بإيمانه إلى غاية الفلسفة السورية القومية الاجتماعية.

في 3 تموز 2026

****

«لو لم أكن أنا نفسي لرغبت أن أكون هذه الأحلام الملونة بألوان قوس قزح». أنطون سعاده لكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة لأنطون سعاده حكاية ومحاولة. يراها، يفتش عن جذور وجودها، يتفاعل معها، ويتمنى أن يكون مثلها من حيث جمالها وفائدتها ودورها في صيانة الوطن وحفظ حقوق الأمة. ينظر إليها بحب واحترام لأنها ابنة الطبيعة التي حضنت الإنسان وهي الطرف الثاني في الوجود.

يرى أنطون سعادة عناصر الوجود بيئة طبيعية بكل مظاهرها وما أنتجته البشرية، وإنساناً تطور عبر تفاعله معها حتى أصبح على حاله اليوم من حيث الشكل والمضمون. يتعامل معها كمحرّض على إطلاق نظرته إلى الحياة والكون والفن.

كيف لا يتفاعل معها وهو صاحب نظرية التفاعل؟ كيف لا يتمنى أن يكون مثلها وهو الراغب بإطلاق حركة تشبه كل هذه الظواهر من حيث كونها تحمل عظمة قومية ورسالة إلى شعوب العالم؟ لأنه الحالم بعالم جديد كان ينظر إلى الظواهر الكونية الطبيعية بأمل وكمؤشرات لمجيء هذا العالم.

تقول الحكاية الشعبية القروية: إذا كان قوس قزح شرق وغرب فهذه إشارة لتوقف المطر وصفاء السماء بعد المطر ونهاية الغيم وبداية صفاء الطقس الجميل، وإذا كان جنوب شمال يُعتبر مؤشراً لقدوم المطر، وفي الحالتين ظهوره يشكل اطمئناناً للبشر، يفرح الإنسان لقدوم المطر بعد صحو والعكس في الحالة الثانية. قوس قزح هو ناتج انكسار ضوء الشمس في قطرات الماء، ويُعبّر ثقافياً عن التنوع والجمال والأمل والسلام في معظم الثقافات.

كان ينظر أنطون سعاده إلى الطبيعة بشغف وولع. كان ينظر إليها برغبة جامحة، يريد معرفة نشأتها وتفسير دلالاتها ونظر الشعوب إليها منذ بدأت تحاول التعرّف على مكنوناتها. لو كانت ألوان قوس قزح بالنسبة إليه شيئاً عابراً ما كان تمنى أن تكون أحلامه كألوانها، ما أغراه هو تعدد الألوان في الشكل الواحد وكيف استطاعت تفاعلات الطبيعة مع خيرات السماء إنتاج هذه الأعجوبة. لأنه كان يعتبر أن خلاص الأمة لا يكون بعمل عادي بل ببعث نهضة تشبه معجزة من معجزات الطبيعة الخالدة في البلاد وعملاً أسطورياً يسجله التاريخ ونظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن كتب هذا النص ليخبرنا فيه كم هي صعبة مهمتنا.

في 4 تموز 2026

****

«لو لم أكن أنا نفسي لاشتهيت أن أكون ألحاناً تمتد مع أمواج الكون الخفية وتلامس القلوب النابضة فتحول نبضاتها إلى أناشيد الحب والقوة وتلامس القلوب المتحجرة فتعيد إليها نبضات الحياة المنسية». أنطون سعادة هو أنطون سعاده، بنى العرزال في منطقة «المُطلّ» في ضهور الشوير صيف 1931 واتخذه مقراً للتأمل والدرس والتفكير.

ظهرت فرادة أنطون سعادة لحظة رفض أن يحمل العلم التركي، وهذا لم يكن مشاكسة ولم يكن رفضاً للعلم التركي فقط، لم يكن موقفاً حماسياً لطفل أحب بلاده ينتهي مع انتهاء المناسبة، كان موقفاً يطالب بالسيادة ويهاجم الاحتلال، كان موقفاً يعبر عن إرادة أمة مرجعيتها العقل قبل أن تكون الروح.

من يريد أن يعرف أنطون سعادة عليه أن يعرف لماذا اختار الزعيم بناء العرزال في منطقة المُطلّ. يطل العرزال على الوادي وعلى القمم، ويسرح النظر حيث يستطيع الوصول وينفلت العقل وتسافر النفس من المكان والزمان للتحرر من قيود اللحظة والحدود وخلق عوالم متخيلة تتجاوز الحاضر.

ميزة هذا الرجل أنه لم ينعزل عن الحاضر، ولم يتأثر بتفاصيله، بقي فيه وخرج منه، يراه ويرسم طريق الخروج منه إلى حاضر جديد.

لو لم أكن أنا نفسي، لاشتهيت أن أكون ألحاناً تمتد مع أمواج الكون الخفية. وحدها موجات الكون الخفية تسري في نسيج الفضاء وتكشف أسرار نشأة الكون وتُعتبر دليلاً على عمر الكون وبدايته الساخنة. إنها أعلى درجات الارتقاء والانفلات من الذات ومحاولة الاندماج في الأسرار التي أوجدت هذا الكون، هذا تأمل لا يسلكه إلا أولئك الذين انشغلوا بالوجود ولم ينشغلوا بالذات الفردية، هذه حالة لم يسلكها إلا أنطون سعاده لأنه وحده طلب الحياة وطلب من أمته أن تطلبها ورفض العيش. ما هذه العذوبة بالتفكير التي جعلته يشتهي أن يكون ألحاناً، هل جاءته من حفيف أوراق الأشجار في الجبل والوادي أو من الحساسين التي تعزف سمفونيات اكتسبتها من الطبيعة، أو من قطقطة المطر في بداية الربيع؟

كان أنطون سعاده رسّاماً يرسم لوحات تعابيره بالقلم. «وتلامس القلوب النابضة فتحول نبضاتها إلى أناشيد الحب والقوة، وتلامس القلوب المتحجرة فتعيد إليها نبضات الحياة المنسية» ما هذا يا صديقي كيف استطاع أنطون سعادة أن يُبهرك في كل حرف كتبه؟، وكل نص أنجزه؟، وإن حاولت أن تعرف الزمن المتوجب لإنجاز هذه النصوص مع كمية ما أعطى تكتشف أن الأفكار تأتيه كزخ المطر ويظهرها إلى الوجود بشلالات من العطاء. يخاطب نوعين من القلوب. القلوب النابضة بعبثية ودون غاية، النبضات التي تعزف ألحاناً غريبة وغير متناسقة ولا تحمل روحية النهوض لكنها تسعى وتفتش عن دور يجعلها شريكة في صناعة الألحان، يريد سعاده تحويل نبضات الكراهية والضعف إلى نبضات الحب والقوة.

في رده على الذين يقولون الحب وهم زائل: الحب وهم؟ هكذا يقولون، فإذا اضمحل الحب فماذا يبقى من الحقيقة؟ القومية تعني ثقة القوم بأنفسهم ونجد الثقة حيث نجد الحب، تحدثت القومية عن الوجدان القومي ولا يكون هذا الوجدان إلا حيث يكون الحب. أما القوة فهي رمز من رموز الزوبعة. يقول سعاده: القوة هي القول الفصل في إثبات الحق أو إنكاره.

القلوب الجامدة المتحجرة تلك التي تعيش في زمن يعود إلى مئات القرون الماضية، فتعيد الألحان إليها نبضات الحياة المنسية، نبضات حياة الإنسان الجديد في المجتمع الجديد. إنها ثلاثية الحب والقوة والثورة التي هي قاعدة من قواعد الفلسفة السورية القومية الاجتماعية النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن.

في 1 آب 2026

****

«لو لم أكن أنا نفسي لأحببت أن أكون جندياً قد دعاه الواجب القومي والحب الوطني إلى الزحف مع غابات الأسنة البارقة تحت أشعة الغزالة تتقدمها الرايات والألوية». أنطون سعاده كيف يستطيع هذا الرجل أن يتقمص أدوار العطاء الموجودة في كل ظاهرة من ظواهر الكون البشرية والطبيعية؟ كيف يخطر بباله أن يجمع كل جمال الحياة في شخصه؟ ما هذا التواضع الذي يسكنه ولم نجده في رجال التاريخ المحفورة أسماؤهم على لوحات الشرف في قصور الثقافة والفخامة؟ من هذا الرجل الذي وضع العالم بكل ما فيه من حق وباطل، من خير وشر، من جمال وبشاعة في زواياه وقام بعملية تصنيف تحتاج إلى عشرات العقول؟ من أين جاءته ملكة التحول في دوائر العطاء؟

أنطون سعاده الفيلسوف والزعيم والقائد القدوة يتمنى أن يكون جندياً حين تُدق أجراس الخطر، حين يدعوه الواجب القومي وحب الوطن. أنطون سعادة يرسم صورة المعركة ويضع لها ثلاثة شروط: الواجب القومي، محبة الوطن، الزحف مع غابات الأسنّة. يتخيلها تحت أشعة الغزالة «نور الشمس» تتقدمها الألوية والرايات وغابات من الأسنّة وهو جندي في الصفوف.

أسأل دائماً كيف استطاع بعض تلاميذه خيانته؟ كيف استطاع بعضهم الانقلاب عليه بعد استشهاده؟ أسأل أيضاً هل قرأ مريدوه وأصحاب الإدراك العالي مقالته لو لم أكن أنا نفسي وفسروا معانيها للمقبلين على الدعوة؟ إن شرح معاني هذه المقالة وتدريسها يساوي من حيث الأهمية شرح مبادئ الحزب وتدريسها وشرح كتابي «نشوء الأمم» و«جنون الخلود». اعتقد بعض القوميين أن شرح المبادئ القومية الاجتماعية كافٍ لإدراك معاني الفلسفة السورية القومية الاجتماعية، كافٍ لخلق الوجدان القومي، كافٍ لزرع بذور الإيمان وخلق حوافز الإبداع في الإنتاج في جميع مجالات الحياة، هذا نقص في إدراك مرامي العقيدة القومية الاجتماعية. المبادئ، قواعد رياضيات، علوم وعلم اجتماع، لا يدخل فيها علم النفس ولا يدخل فيها مبدأ التحريض بوجهيه السلبي الرافض لوقائع الحاضر والإيجابي الهادف إلى بناء النفوس والعقول الجديدة.

مقالة أنطون سعادة لو لم أكن أنا نفسي هي الطريق الأقصر لبناء وحدة الروح والالتزام بمضمون غاية المؤسسات. منذ أكثر من نصف قرن نتحدث عن وحدة الروح ولم نكتب عن عوامل وحدة الروح ما يكفي لحضورها، ولم نفتش عن كيفية بناء وحدة الروح، لذلك استسهلت القيادات الانشقاق وفعلته عدة مرات وانغمس القوميون الاجتماعيون في التفكير الفئوي حتى أصبح من الصعب عليهم العودة إلى أنطون سعاده. أي شجاع يُقدِم على قراءة سعاده ليكتب كيف يتم خلق وحدة الروح في العقول والنفوس؟

في 5 آب 2026

****

يقول في المقالة: لو لم أكن أنا نفسي لوددت أن أكون هذه التيارات الروحية الدافعة نحو الرحابة والسمو. يصعب على من يكتب عن أنطون سعاده أن يدخل إلى مكنوناته.

هو هذا الفضاء الذي لا نهاية له وهذه المساحة من الفكر والإبداع التي لا حدود لها. لا يُجيز العداوة الفكرية، يقبل الخصومة الراقية الشفافة التي لا تحمل حقداً ولا إلغاء للآخر. يحترم الحوار ويلتزم شروطه وغايته، لذلك نراه مكتبة اجتمعت فيها كل الفنون ومنبراً للحوار والنقاش. عبّ من التاريخ خزائن معرفة، ومن ثقافات الأمم صفحات من الفكر. لم يتعامل معها من موقع المشاكس والمتعصب لبني قومه بل تعامل معها من موقع الشغف للوصول إلى الحقائق والمعارف والنتائج العلمية.

نجد ذلك في كتابه «نشوء الأمم» الذي استشهد فيه بعشرات الفلاسفة وعلماء الاجتماع. لم يزعم يوماً أنه أوجد الحقيقة الأخيرة «برأيه لا توجد حقيقة أخيرة» لكنه أظهر تفوقاً في الاستيعاب لكل المذاهب في الحياة وأبدى رأياً جديداً في كيفية التعاطي مع هذه المذاهب وكتب نظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن. الحقيقة عنده ليست أبدية فهي متغيرة حسب التطور البشري والتغييرات الطبيعية في عالم الطبيعة. أبدى احتراماً للرأي الآخر الذي لا يتوافق معه واعتبره ضرورة لإظهار الحقيقة.

لولا الباطل ما كان الحق، لولا البشاعة ما كان الجمال، ويزداد بهاء الجمال بقدر ما تظهر قباحة البشاعة. أن يتمنى أن يكون هذه التيارات الروحية الدافعة نحو الرحابة والسمو، هذا يتوافق مع تعريفه للحرية «حرية الصراع»، وهذا سمو في أخلاقه دفعه للقول بأن ما أوجده هو ناتج هذا الحوار الذي تمنى أن يكون كل أطرافه، تمنى أن يكون من خالفه ومن أيّده كي يصل إلى السمو والرحابة. كم يتطلب منك جهداً عقلياً كي تتقمص عقل مخالفك الرأي؟

وكم كان سهلاً عليه أن يدخل إلى أعماق الآخر؟ إنه يُرسي قاعدة جيدة للحوار تقضي بأن تدخل إلى عقل المحاور المُخالِف لرأيك وتعطيه الجواب بما يتوافق مع طريقة تفكيره وليس طريقة تفكيرك، وهذا يؤكد أنه توجد مسالك كثيرة للوصول إلى الحقيقة. هو مارس نظرية الاستقراء والاستنباط قبل وجودها، لذلك تحدث عن غاية المُخالف من كتابة النص قبل أن يتحدث عن غايته من الحوار مع النص وصاحبه.

هذا الموقف يتطلب حضور القيم الأخلاقية لأنه موقف أخلاقي بامتياز، ومسألة الأخلاق عند أنطون سعاده غير خاضعة للنقاش والحوار فهي قيمة مطلقة في المجتمع إذ يقول: «الأخلاق في صميم كل نظام يمكن أن يبقى».

يُعرِّف أنطون سعاده النظام بأنه نظام الفكر والنهج أولاً، ثم نظام الأشكال التي تحقق هذا الفكر والنهج، وبالتالي تصبح الأخلاق ضرورة ملحة لنظام الفكر والنهج ونظام الأشكال. لذلك لمن يسأل عن مصير العقائد في الدولة السورية القومية الاجتماعية نقول له إنّ حرية الاعتقاد مصونة، لكن القوميين غير مسؤولين عن مصير هذه العقائد. أنطون سعاده نسر يُحلّق في فضاءات الكون على أمل أن نرى المنظمة التي أنشأها نسراً يُحلّق في فضاء الأمة والوطن.

في 6 آب 2026

****

لو لم أكن أنا نفسي لرغبت في أن أكون عقلاً واعياً ونفساً فاهمة، وقوة باطشة، وحلماً مشفقاً وصبراً لا ينفد وعزماً لا يقف في سبيله شيء وغموضاً يصد الكيد وجلاءً لا يبقي مجالاً للريب. جُملة تختصر عوامل النجاح والانتصار والثبات على قيم الحق والخير والجمال، جملة تضع الغاية من الحياة في أجمل الصور، وتُحرر الإنسان من أوهام الغيب والقصص المُتخيلة.

كيف نستطيع أن نكتب نصاً بعدة سطور عن جملة تستحق كتابة كتاب؟ كل تفصيل فيها صالح ليكون فصلاً في كتاب. لا يطلب المستحيل كي يُطاع، ولا يساير ليكسب رتبة وموقعاً ووظيفة، يذهب إلى الحقيقة دون وسيط من الباطل، إلى المعرفة أينما تكون دون انتماء إلى هوية جديدة، فهو فخور بأنتمائه إلى وطنه ومُعتزّ بهويته. بداية تأسيس العالم الجديد العقل الواعي. العقل قوة موجودة عند جميع البشر وتختلف قدرة هذه القوة وكيفية استعمالها والغاية من وجودها والمهام التي تقوم بها. خياره العقل الواعي لأن الوعي يقرر الوظيفة ووظيفته أن يكون الشرع الأعلى والشرع الأعلى لا يكون إلا مع الحق والخير والجمال.

يعتبر سعاده الشرع الأعلى مصدر العدالة. رغبته الكبرى، سيادة العدالة في كل العالم، وفي كل مجالات الحياة، لأنها تلبي حاجة الضعفاء وتنصر الحق على الباطل، وتلجم رغبات الأقوياء. لا صعوبات أمام الشرع الأعلى، لا مشاكل مستعصية، لا انشقاقات. من علامات غياب الشرع الأعلى انهيار منظومة الأخلاق الوطنية والقومية في الدولة والمجتمع والأحزاب. تمنى أنطون سعاده أن يكون العقل الواعي لأنه أدرك أن المواجهة الحقيقية هي بين العقل الذي هو الشرع الأعلى والعقل الذي هو وظيفة لإرادات محلية ليست وطنية وإرادات أجنبية. بين العقل الواعي الذي يُسخّر الإنجازات العلمية لخير الإنسانية والعقل الذي يسخّر الإنجازات للتدمير.

تمنى أن يكون النفس الفاهمة لأنه يعتبر أولى مهام الإنسان هي قدرته على مراقبة أفكاره، وعلى التفريق بين ما ينفع النفس وما يضرّها، وعلى قدرته على التحكم بالرغبات والشهوات. يعتبر أنطون سعاده أنه يوجد بين العقل الذي هو الشرع الأعلى والنفس الفاهمة علاقة تكاملية وتناظرية فالنفس الفاهمة في أساس العقل والعقل المدرك في أساس النفس الفاهمة. لذلك كان سعادة يطلب العقل الواعي والنفس الفاهمة.

في 8 آب 2026

****

«لو لم أكن أنا نفسي لوددت أن أكون قوة باطشة، وحِلماً مشفقاً وصبراً لا ينفد وعزماً لا يقف في سبيله شيء وغموضاً يصد الكيد وجلاءً لا يبقي مجالاً للريب».

أنطون سعادة قوة باطشة وحلماً مشفقاً، الصورة الإبداعية وعمق الفكرة الفلسفية. كيف يمكن للقوة الباطشة والحِلم المُشفق أن يجتمعا في شخصية واحدة؟ لا يوجد منطقة وسطى بين المعركة الدائرة بين الحق والباطل. أنطون سعاده يتحدث عن المعركة التي تسحق الباطل بالقوة الباطشة وتحافظ على الحِلم والشفقة.

يخوض أنطون سعاده معركة المفاهيم مستعملاً كل الوسائل المتاحة. المعركة الفاصلة في الأمة والعالم العربي والعالم هي معركة سيادة المفاهيم. في حواره ونقاشه يسحق سعادة فكرة الآخر ومبادئه، لكنه لا يسعى إلى سحق روح الآخر ونفسه بل يسعى إلى إنقاذه. لذلك قال إنني أريد المحافظة على رأس بيار الجميل من حيث هو إشارة للموت والحياة..

أنطون سعاده لا يعترف بثنائية لا غالب ولا مغلوب، ولا بمخارج تحافظ على أطراف الصراع، لذلك يرفض أن يكون جزءاً من أية عملية تفاوض ولو كانت تعطيه مجموعة من المكاسب. عندما يكون البطش من أجل الحق والخير والجمال يكون فيه قساوة العقل وشفقة القلب. ويصبح البطش والشفقة ثنائية تتكامل دون أن تتناقض.

الصبر عند أنطون سعادة ليس مفتاح الفرج. فقد ربط الصبر بالعزيمة المتحدية لكل الصعاب والعقبات، وهذه ثنائية جديدة أطلقها. الصبر دون عزيمة انتظار للخسارة. الصبر دون عزيمة سفر إلى المجهول. تمنى أن يكون الغموض الذي يصد كيد الخصوم ويُرعب العدو. تمنى أن يكون الجلاء الذي يمنع الشك والريبة، لذلك رأيناه يرسم قاعدة جديدة تقول بالانطلاق من الثقة وليس من الضروري الوصول إلى الشك. مع أنطون سعاده ممنوع الشك، لأنه كان الوضوح والجلاء كان الثقة واليقين.

وأنا أكتب هذا النص أتخايل أنطون سعادة في المعركة قائداً وجندياً يُجيد فنون القتال ورسم الخطط، مفكراً وفيلسوفاً يرسم معالم ما بعد المعركة، وأديباً وشاعراً يصف أجواء الميدان ومراحل خوض المعركة. أتذكر السمفونية الموسيقية الرحبانية لحظة انطلاق فخر الدين لخوض معركة عنجر حيث يصلك شعور يحمل صور المعركة بين الجيشين.

في 9 آب 2026

****

«لو لم أكن أنا نفسي لرغبت أن أكون خُلقاً ثابتاً، وعاطفة صادقة، وضعفاً بشرياً في بعض الدقائق». أنطون سعادة التغيير النفسي والروحي تَحوُّل عميق يطرأ على طبع الإنسان ومبادئه. يُحكى عن انقلابات في نفوس الشخصيات الكبيرة وعقولها، وعن تبدلات تحصل نتيجة لظروف جديدة ووقائع جديدة، فتتحول الشخصية من الحلم والشفقة والعدل والصلاح إلى القسوة والاستبداد والظلم والفساد.

تحول بولس الرسول من مضطهد شرس للمؤمنين إلى مبشِّر للمحبة والسلام. الفضيل بن عياض كان لصاً قاطع طريق، سمع آية قرآنية أحدثت في نفسه توبة صادقة. النعمان بن المنذر غرّته السلطة فانتقل من التواضع إلى الطغيان. كان الطاغية نيرون مهتماً بالشعر والموسيقى والغناء والسباقات الرياضية وأول خمس سنوات من حكمه سميت بـ«العهد السعيد» ومن ثم تحول بسبب الصراع على السلطة إلى طاغية قتل والدته وزوجتيه ودمّر روما.

لماذا رغب أنطون سعاده أن يكون خُلقاً ثابتاً؟ الخُلق الثابت هو ملكة نفسية راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى تفكير أو تكلف. الخُلق الثابت جزء من طبيعة الشخص وجوهره الداخلي. الخُلق الثابت لا يقبل السلوك العارض الناتج عن الخوف أو الرياء من أجل تحقيق غاية معينة دون أن يكون جذراً راسخاً في النفس. الخُلق الثابت هو الطباع والصفات الراسخة التي لا تتغير في الإنسان. قصد أنطون سعادة بالخُلق الثابت الصفات الراسخة التي لا تتغير في الإنسان، والثبات على القيم والأخلاق. قصد أنطون سعادة بالخُلق الثابت الوفاء والإخلاص للوطن وبذل الغالي من أجله، وتقديم مصلحته على كل المصالح.

قصد أنطون سعاده بالخُلق الثابت الانتماء إلى الأرض والشعب. لماذا أراد أنطون سعاده أن يكون عاطفة صادقة وضعفاً بشرياً في بعض الأحيان؟ العاطفة الصادقة هي شعور نقي من القلب لا نفاق فيه ولا مجاملات زائفة، هي الاهتمام الحقيقي بالآخرين، هي المواقف الإنسانية البعيدة عن الكذب والرياء، هي خلو الأنفس من الغش، هي العطاء دون مقابل في الأزمنة الصعبة. أراد أن يكون ضعفا بشريا في بعض الأحيان، لأنه يريد التوقف عند مستوى معين من طموحه إلى تغيير الكون، أراد أن لا يركض خلف آماله ورغائبه العاصية على التنفيذ في زمنه لكنها تبقى قواعد انطلاق للزمن التالي، أن يكون متواضعاً. أراد أن يكون ضعيفاً أحياناً ليتقمص شخصيات الضعفاء كي يكون لهم حضناً يصونهم ويحميهم.

في 10 آب 2026

****

لو لم أكن أنا نفسي لأحببت أن أكون رغباتي وآمالي، وأميالي، ومثلي العليا مجسّمة. تقرأ ما يكتبه في العرزال حيث الانعزال ومتعة المناظر الجميلة فتشعر كأنه يكتب وسط ضجيج شوارع المدينة وأزقّة الأحياء والأصوات التي تطلب النجاة من جهنم الأرض قبل الرحيل إلى جهنم السماء.

تقرأ ما يكتبه وسط ضجيج شوارع المدينة وأزقّة الأحياء فتراه على وقع موسيقى الأصوات المتنوعة والمختلفة يدوّن رغباته وآماله وما يسعى إليه في حياته. لا راحة عنده، التفكير بالقضية رفيقه من لحظة الاستيقاظ الصباحية إلى لحظة نومه حين يشعر بأن التعب أرهقه. هذا ما يفسر كمية الإنتاج الكبيرة التي لا تتناسب مع عمره الزمني.

وهذا ما يفسر كمية الإبداع في الأدب والفلسفة والقومية وإطلاق النهضة وتأسيس الحزب. باكراً فكّر كيف يمكن أن يرى رغباته وآماله وأمياله ومثله العليا مجسمة فبدأت تراوده فكرة التأسيس وهو في العشرين من عمره. لم يسبق في التاريخ أن فيلسوفاً أسّس حركة نهوض وهو يدوّن أفكاره القومية وفلسفته إلى الحياة والكون والفن.

يختلف أنطون سعاده عن الآخرين أنه صاحب نظرية التفكير العملي. لم يكتب على الورق جمهورية أنطون سعاده على غرار جمهورية أفلاطون ولا المدينة الفاضلة التي كتبها الفارابي، ولم يرغب أن يكون عالم اجتماع فيكتب مقدمته كما كتب ابن خلدون.

أراد أنطون سعاده أن يكون الجمهورية والمدينة والمقدمة ليس على الورق، ولا في الكتب التي مكانها رفوف المكتبات بل أراد أن يرى هذه الأهداف الثلاثة مجسمة أمامه. لماذا أراد أن يكون آماله؟

لو عرفنا الجواب ما كنا على هذه الحالة، فأولى آماله بعث النهضة ووحدة الحياة في الأمة الواحدة. لو عرفنا الجواب عن لماذا أراد أن يكون رغباته كنا كخلية نحل نعرف قوانا الذاتية والمطلوب منا ونسعى كما سعى هو إلى نصر حركة تريد تغيير مجرى التاريخ.

لو عرفنا لماذا أراد أن يكون أمياله، والأميال هي المسافة التي يصل إليها نظر العين والعلامات المرسومة لسلوك الطريق، كنا استمتعنا بدراسة واقع المسافة وكشفنا أسرار معالم الطريق.

لو عرفنا لماذا أراد أن يكون مثله العليا، كنا اختصرنا المسافة إلى النهوض والوحدة، وما ارتكبتنا الأخطاء الكبيرة، وطردنا النزعة الفردية من عقولنا وأنفسنا وركبنا مركب الصلاح والحق والخير والجمال. يدفعنا أنطون سعاده لنعرف آماله وأمياله ومثله العليا ورغباته بالتساوي مع معرفتنا لعقيدته وفلسفته ونعمل من أجل تجسيدها.

في 11 آب 2026

 

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون