مأزق موازنات الخليج: بين تكاليف التصدير وخفض الإنتاج

تخضع الموازنات العامة في دول الخليج لضغوط تمويلية ملحوظة جراء العراقيل التي تواجه عمليات تصدير النفط وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري.
ولا يزال التعافي الجزئي للشحنات خلال شهر سبتمبر الماضي وارتفاع الأسعار عاجزين عن تعويض تراجع الحجم الفعلي للكميات المسلمة للمشترين.

ويضع هذا المشهد تمويل المشروعات التنموية أمام تحديات مستمرة، ما يلزم الدول المنتجة بإيجاد مسارات تصديرية بديلة وإدارتها المالية بكفاءة عالية للتغلب على ارتفاع تكاليف التشغيل والتخزين المؤقت، وربما اللجوء إلى خفض الإنتاج كخيار اضطراري لحين استقرار حركة التجارة النفطية.

وأظهرت بيانات أولية لشركة كبلر، نقلتها وكالة رويترز في 28 سبتمبر، أن صادرات الخام من منتجين رئيسيين في الشرق الأوسط بلغت نحو 16.33 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر، مقابل 19.51 مليون برميل يومياً في فبراير/شباط، بفارق يقارب 3.2 ملايين برميل يومياً.

وتشمل هذه البيانات السعودية والإمارات والعراق وعمان وقطر والكويت وإيران، ولا تقتصر على دول مجلس التعاون الخليجي، وجاء التعافي مدفوعاً بزيادة الشحنات السعودية والإماراتية، مع تحويل السعودية جزءاً من صادراتها من ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى موانئ الخليج، عقب هجمات ألحقت أضراراً بخط أنابيب شرق – غرب.

غير أن انخفاض الصادرات مقارنة بمستويات ما قبل الحرب لا يعني أن كامل الفارق يتراكم في الخزانات، إذ قد يعكس أيضاً خفض الإنتاج وتعطل التحميل وتأخر الشحنات، ولذلك يظل تحديد حجم النفط المحتجز فعلياً محتاجاً إلى بيانات مستقلة عن المخزونات والطاقة التخزينية المتاحة.

وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية عن اتساع التعطل الذي سبق تعافي الصادرات. ففي تقريرها الصادر في 11 سبتمبر، قالت الوكالة إن أكثر من عشرة ملايين برميل يومياً من إنتاج الخليج ظلت متوقفة خلال أغسطس/آب، وسط تصاعد المخاطر الأمنية، فيما تراجع الإنتاج العالمي إلى 100.1 مليون برميل يومياً.

براميل تنتظر التصدير

يقول الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن اضطراب الممرات البحرية يحد من قدرة الدول المنتجة على تحويل مواردها النفطية إلى إيرادات، ويزيد صعوبة إدارة الموازنات عندما يستمر الإنفاق بينما تتراجع الكميات المصدرة أو تتأخر عائداتها.

ويضيف أن تضرر خط أنابيب شرق – غرب السعودي عمق صعوبة التعامل مع الأزمة، بالنظر إلى دوره في نقل الخام إلى ساحل البحر الأحمر وتوفير مسار للتصدير يتجاوز مضيق هرمز. ويرى أن تعطل بعض البدائل يضيق هامش المناورة أمام المنتجين ويزيد اعتمادهم على طرق أكثر تعرضا للمخاطر.

وبحسب درويش، تشمل خيارات التعامل مع تأخر الشحنات استخدام مرافق التخزين البرية والتخزين العائم عبر الناقلات، لكن استمرار الأزمة يرفع كلفة هذه الخيارات، إلى جانب أجور النقل ورسوم التأمين البحري، ويشير إلى أن التخزين يتيح الاحتفاظ بالنفط لفترة مؤقتة، لكنه لا يعوض الإيرادات التي كان يمكن تحصيلها عند تصديره، كما أن إطالة مدة الانتظار تربط جزءا من الموارد بالشحنات المخزنة وتزيد النفقات المرتبطة بإدارتها وحمايتها.

من جانبه، يرى أستاذ الإدارة المالية بجامعة باشاك شهير التركية، فراس شعبو، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن استمرار القيود على التصدير يضع المنتجين أمام خيارات صعبة تشمل زيادة التخزين المؤقت، وتطوير مسارات بديلة، وخفض الإنتاج عندما يتعذر تصريف الكميات المتاحة.

ويقول إنّ التخزين العائم يخفف بعض الضغوط لفترة محدودة، لكنه يرتبط بتوافر الناقلات وكلفة استئجارها وتأمينها وإمكان تحركها بأمان. ويحذّر من أن اتساع المخاطر الأمنية قد يقلص جدوى هذا الخيار، خصوصاً إذا طال انتظار الشحنات.

ويرى شعبو أن خفض الإنتاج واستعادته لاحقا قد يفرضان تكاليف إضافية ويؤثران في انتظام العمليات، بحسب طبيعة الحقول والمنشآت ومدة التوقف، كما يشير إلى احتمال امتداد الاضطراب إلى المصافي والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.

ولا تتساوى قدرة الدول المنتجة على التعامل مع هذه الضغوط، إذ تختلف منافذ التصدير المتاحة لكل منها، وطاقة خطوط الأنابيب ومرافق التخزين، وحجم الموارد المالية التي تستطيع استخدامها خلال الأزمة.

بدائل لا تستوعب الجميع

تدفع مخاطر الملاحة بعض الشركات إلى توسيع النقل البري لشحنات صغيرة من المنتجات النفطية، سعيا إلى تسريع التسليم وتجنب الانتظار في الموانئ والممرات البحرية.

وأفاد تقرير نشرته “ستاندرد آند بورز غلوبال” في 14 سبتمبر بأن نقل وقود السفن والبنزين بالشاحنات داخل المنطقة ازداد خلال الأشهر السابقة، مع توجه شركات إلى نقل شحنات من موانئ إماراتية، بينها الرويس والحمرية، إلى الفجيرة الواقعة خارج مضيق هرمز.

ونقل التقرير عن متعاملين أن أكثر من 95% من تجارة الناقلات الصغيرة على مسار الحمرية–الفجيرة تحولت إلى الطرق البرية، بينما استمر استخدام النقل البحري للشحنات الأكبر.

وبحسب المتعاملين، بلغت كلفة نقل حمولة قدرها 50 طناً بالشاحنة على هذا المسار نحو 900 دولار للرحلة ذهاباً وإياباً، أي نحو 18 دولاراً للطن، فيما كانت الرحلة البحرية لناقلة صغيرة عبر هرمز تكلف أربعة أمثال ذلك على الأقل.

وأشار التقرير أيضاً إلى تأخيرات في التفريغ مع زيادة حركة الشاحنات. ويتيح هذا البديل تخفيف بعض الاختناقات وتسريع تحصيل قيمة الشحنات الصغيرة، لكنه لا يوفر طاقة نقل مماثلة للناقلات وخطوط الأنابيب المستخدمة في تصدير كميات كبيرة من الخام.

ويرى درويش أن طول الأزمة يزيد صعوبة التخطيط المالي، ويدفع الحكومات والشركات إلى مراجعة أولويات الإنفاق ووسائل تمويل الالتزامات، ويشير إلى أن الضغوط قد تستدعي استخدام جزء من الاحتياطيات المالية أو اللجوء إلى تمويل إضافي، بحسب موارد كل دولة وحجم التزاماتها.

المشاريع تحت الضغط

يقول شعبو إن تراجع الكميات المصدرة قد يحد من قدرة الحكومات على تمويل المشاريع التنموية والاستثمارية، خصوصاً عندما يتزامن مع استمرار الإنفاق وارتفاع تكاليف التشغيل والنقل. ويرى أن استمرار هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة ترتيب المشاريع، أو تأجيل بعضها، مع إعطاء أولوية للالتزامات الأكثر إلحاحاً.

ويتوقف حجم هذه الضغوط، بحسب تقديره، على مدة الأزمة وقدرة كل دولة على تعويض نقص الإيرادات من موارد أخرى. ولتوضيح أثر انخفاض الكميات، يقدم شعبو مثالاً حسابياً افتراضياً: بيع ثلاثة ملايين برميل بسعر 100 دولار للبرميل يحقق إيرادات قدرها 300 مليون دولار، مقابل 500 مليون دولار عند بيع عشرة ملايين برميل بسعر 50 دولاراً.

ويبين المثال أن تضاعف السعر لا يعوض بالضرورة تراجع الكمية المبيعة، لكنه لا يمثل بيانات فعلية عن صادرات دولة بعينها. كما أن حساب العائد المتاح للإنفاق يتطلب مراعاة تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين، وليس سعر البرميل وحده.

 

ويضيف شعبو أن تطوير منافذ جديدة للتصدير يحتاج إلى وقت واستثمارات وتجهيزات، بينما تستمر الشركات في تحمل تكاليف التشغيل خلال فترة الاضطراب، ويرى أن هذه الأعباء تحد من المكاسب التي تحققها زيادة أسعار الخام. وبحسب درويش، فإن التعامل مع الأزمة باعتبارها اضطرابا ممتدا، بدلا من مشكلة مؤقتة، يستدعي مراجعة تقديرات الإيرادات والإنفاق.

ويشير إلى أن استمرار عدم اليقين يصعب تحديد مواعيد التسليم وتوقع التدفقات النقدية، بما ينعكس على قرارات التمويل والاستثمار، ولا تكفي بيانات الصادرات وحدها لتحديد خسائر الموازنات الخليجية، إذ يتطلب ذلك مقارنة الإيرادات الفعلية والإنفاق وتكاليف التشغيل لكل دولة، إلى جانب مدى اعتمادها على النفط وتوافر مصادر دخل أخرى.

ضغوط تتجاوز الخليج

تمتد تداعيات اضطراب الإمدادات إلى الدول المستوردة، حيث تزيد أسعار الطاقة المرتفعة أعباء النقل والإنتاج. ويقول درويش إن بعض المصانع والمستهلكين قد يخفضون استخدام الوقود عندما تتجاوز التكاليف قدرتهم على تحملها، ما يضغط على النشاط الاقتصادي والطلب.

ويحذر من أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل الاستثمار، ويزيد مخاطر اجتماع تباطؤ النمو مع ارتفاع الأسعار. ويرى أن بعض الآثار قد تستمر حتى بعد تحسن حركة التصدير، إذا كانت المنشآت قد خفضت نشاطها أو أوقفت خطط التوسع.

وتوقعت وكالة الطاقة الدولية، في تقرير سبتمبر، انخفاض الطلب العالمي على النفط بمقدار 2.5 مليون برميل يوميا خلال 2026، مع تركّز الخسائر في نواتج التقطير المتوسطة والمواد الأولية للبتروكيماويات، خصوصاً في آسيا.

وفي المقابل، رصدت الوكالة تراجع المخزونات النفطية العالمية المرصودة بمقدار 95 مليون برميل خلال أغسطس، كما أشارت إلى وصول هوامش التكرير إلى مستويات قياسية في حوض الأطلسي، مدفوعة بارتفاع هوامش الديزل، بينما ضغطت أجور الشحن على ربحية التكرير في سنغافورة.

وتظهر هذه البيانات اختلاف آثار الأزمة بين مناطق الإنتاج والتخزين والتكرير، ويحذّر شعبو بدوره من أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل قد يضعف الاستثمار والاستهلاك ويزيد الضغوط على سوق العمل، ويرى أن طول الأزمة يرفع مخاطر الركود التضخمي، من دون أن يجعل هذا المسار نتيجة حتمية لجميع الاقتصادات.

أما قرارات البنوك المركزية، فتتوقف على تقديرها للتوازن بين التضخم وتباطؤ النشاط الاقتصادي، ولا يمكن افتراض اتجاه موحد للفائدة أو العملات نتيجة اضطراب إمدادات النفط وحده.

ويخلص درويش إلى أن مدة الأزمة وتطور الصراع بين الولايات المتحدة وإيران سيحددان جانباً كبيراً من قدرة المنتجين والمستهلكين على التكيف.

ويرى أن استعادة انتظام التصدير والملاحة ستخفف أعباء النقل والتأمين وتتيح تخطيطاً أوضح للإنتاج والإنفاق، بينما يطيل استمرار الاضطراب الضغوط على الإيرادات وتمويل المشاريع.

 

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون