السلطات المصرية تمهّد لقرارات معيشية صعبة.. والأزمة تمتد 15 سنة

للمرة الثانية خلال شهرين متتاليين، يعيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تحميل ثورة 25 يناير والأحداث التي وقعت حتى 30 يونيو/حزيران 2013 أسباب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها البلاد، مطالباً المواطنين بالتحلي بالصبر لسنوات جديدة، ليجني أبناؤهم ثمار ما حققه من إنجازات في مشروعات أقامتها الدولة منذ توليه المسؤولية.

وقال السيسي، في لقائه الأول مع عمد ومشايخ القرى وكبار المسؤولين بالدولة، أول من أمس، إن مصر لا تزال تدفع ثمن الانكماش الذي أعقب أحداث 2011-2013، وهو ما عده اقتصاديون مقدمة لتبرير رسمي لما تعانيه البلاد من أزمة اقتصادية طاحنة، وسط صعوبة في الحصول على قروض أجنبية تساعد الحكومة على مواجهة العجز الكبير في الموازنة العامة، الأمر الذي سيدفع إلى رفع أسعار المحروقات والطاقة وجميع الخدمات العامة.

الأزمة تمتد 15 عاماً

وبينما أعاد السيسي تحميل أحداث عامي الثورة مسؤولية انكماش اقتصادي قال إن التعافي من آثاره قد يستغرق 15 عاماً، ربط تلك الفترة بأحد أكثر الملفات ضغطاً على الاقتصاد المصري حالياً، في وقت يحذر فيه صندوق النقد الدولي من ارتفاع الدين، واحتياجات التمويل الحكومية، وتأثيرها في قدرة القطاع الخاص على الحصول على الائتمان والاستثمار.

وقال السيسي، خلال اجتماع حضره قادة القوات المسلحة والشرطة، إن التحدي الأكبر بعد عام 2013 تمثّل في الحفاظ على بقاء الدولة ومؤسساتها، مضيفاً أن الاضطرابات الإقليمية كبّدت قناة السويس نحو 20 مليار دولار من الإيرادات خلال السنوات الأخيرة.

يتزامن حديث السيسي عن الكلفة الاقتصادية للأزمات السابقة مع تحذيرات أكثر مباشرة من صندوق النقد بشأن الوضع المالي الحالي. قال الصندوق، في تقريره الأخير، إن الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية في مصر ما زالا مرتفعين، وإن احتياجات التمويل الإجمالية ستظل عند نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى القريب، قبل أن تنخفض تدريجياً إلى أقل من 30% بحلول عام 2030.

وفي أحدث تقرير له، قدّر الصندوق الدين العام بنحو 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025-2026، متوقعاً انخفاضه تدريجياً إلى أقل من 75% بحلول عام 2031، لكنه قال إن الدين “قابل للاستمرار على المدى المتوسط، ولكن ليس باحتمال مرتفع، مع استمرار مخاطر مرتفعة لضغوط السيادة”.

وأضاف الصندوق أن عبء الدين المصري “أعلى من المعايير السائدة في الأسواق الناشئة”، وإن الاعتماد على آجال استحقاق قصيرة يزيد تعرض البلاد لتغير ظروف التمويل العالمية والصدمات الخارجية.

 ويرى الصندوق أن خفض الدين واحتياجات التمويل يتطلبان إطالة آجال الدين، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتقليل الاعتماد على أدوات التمويل قصيرة الأجل، إلى جانب تسريع برنامج تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية.

في السياق نفسه، يقدم السيسي أحداث 2011-2013 باعتبارها بداية مرحلة من الخسائر الاقتصادية التي امتدت آثارها، لكنه تجاوز ذلك إلى ما وصفه بمحاولات الإضرار بالدولة، محذراً من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الإحباط وتقويض الثقة في المؤسسات.

وقال إن الحروب تستهدف “نشر الإحباط واليأس، ووقف البناء، واغتيال المسؤولين معنوياً، وتنفير الآخرين من الانضمام للحكومة”.

تكلفة اقتصادية ضخمة للثورة

تعيد تصريحات أول من أمس إلى الواجهة رقماً سبق أن طرحه السيسي عند حديثه عن تكلفة أحداث 2011، وهو 450 مليار دولار. ففي يوليو/تموز الماضي، قال السيسي إن “في 2011 كان الدولار بستة جنيهات والآن بخمسين جنيهاً، والدولة خسرت 450 مليار دولار ندفع ثمنها جميعاً”، وقال في المناسبة نفسها إنه “دائماً أستدعي أحداث 2011 وأكررها”، مضيفاً أن مصر دخلت بعد ذلك في حرب على الإرهاب وتكبدنا المليارات والمئات من الشهداء والمصابين.

يعود السيسي بذلك إلى رواية سبق أن قدمها عن السنوات التي أعقبت ثورة 25 يناير، محملاً تلك الفترة تكلفة اقتصادية ضخمة، ثم يأتي حديثه الأخير ليضيف إليها تقديراً زمنياً للتعافي، قائلاً إن آثار الانكماش الاقتصادي الذي نسبه إلى أحداث 2011-2013 قد تمتد إلى 15 عاماً.

وأكد اقتصاديون تحدثوا لـ”العربي الجديد” أن رقم الـ450 مليار دولار لا يمثل قيمة الدين العام المصري، بل تقديراً للخسائر الاقتصادية التي ينسبها السيسي إلى تلك الفترة، وهو ما يتساءل الخبراء عن إمكانية حدوثه في هذه الفترة القصيرة التي تظل المعلومات عن مواردها ومصروفاتها متاحة أمام الباحثين على المواقع الرسمية للمؤسسات الحكومية والدولية التي تراقب الموازنة العامة للدولة والاقتصاد المصري من كثب.

وفي المقابل، تظهر أرقام صندوق النقد أن مشكلة الدين الحالية تتعلق أيضاً بعوامل لاحقة، بينها ارتفاع احتياجات التمويل، وتكلفة الفائدة، وقصر آجال الاستحقاق، وارتفاع تعرض البنوك للحكومة، وذلك في قفزات في الديون العامة شهدتها البلاد خلال الفترة من عام 2015 إلى 2025.

يضع ذلك رواية السيسي التاريخية عن كلفة 2011-2013 في مواجهة التحدي المالي الراهن، وفقاً لاقتصاديين، فحتى مع انخفاض الدين المتوقع تدريجياً، يرى صندوق النقد أن مستويات الدين واحتياجات التمويل ما زالت مرتفعة بما يكفي لتقييد قدرة الدولة على الإنفاق، وخلق خطر مزاحمة الائتمان والاستثمار الخاص.

وقال خبير اقتصادي تحدث لـ”العربي الجديد”، واشترط عدم ذكر اسمه، إن الخطاب الرسمي للدولة يعتمد على تكرار الرسائل نفسها، في ظل غياب ما يعتبره إنجازات جديدة يمكن تقديمها للرأي العام، مشيراً إلى أن التعامل مع الانتقادات يجري غالباً عبر اتهام أصحابها بالانتماء إلى “أهل الشر” أو “أهل التواطؤ”، بدلاً من الرد على مضمونها.

ويقول المصدر إن الأرقام التي تُعرض للرأي العام أصبحت جزءاً من الخطاب المتكرر، سواء من مؤسسة الرئاسة، أو من رئيس الحكومة مصطفى مدبولي والوزراء، وإن بعض الأرقام يجري استخدامها بصورة لا تعكس، في رأيه، حقيقة الأوضاع. ويعتبر أن المشكلة لا تقتصر على شخص واحد، وإنما تمتد إلى المحيطين به الذين يتحولون، بحسب وصفه، إلى مجرد “صدى صوت” للقيادة.

ويضيف أن غياب المساحة الكافية للنقد يظهر في المؤتمرات التي تُعقد لعرض الإنجازات، إذ يرى أن الوزراء يقدمون رسائل متشابهة، بينما لا تتوافر مساحة حقيقية لعرض وجهات النظر المختلفة أو مناقشة الانتقادات.

ويتابع أن استمرار هذا النهج، مع تكرار الخطاب ذاته والتعامل مع الأرقام بالطريقة نفسها، أدى إلى عودة نبرات احتجاجية كان يُعتقد أنها تراجعت، سواء خارج مصر أو بداخلها، مبيناً أن عنصر الخوف من مناقشة أزمة الاقتصاد أصبح حاضراً في المشهد، وأن هذا الخوف يؤثر في قدرة الناس على التعبير عن آرائهم، كما يؤثر في طريقة تعامل السلطة مع المعارضة.

مؤتمر وطني استشاري

يقترح الخبير الاقتصادي والمسؤول الحكومي السابق عقد “مؤتمر وطني استشاري” يضم اقتصاديين وساسة من مختلف التيارات السياسية، معتبراً أن مجرد الجلوس معها والاستماع إليها يمكن أن يتيح للدولة تقديم صورة أكثر انفتاحاً على القوى الوطنية، بحيث يُسمح لهم بطرح أفكارهم، والاستفادة من المقترحات القابلة للتطبيق، حتى مع اختلاف المواقف السياسية.

ويؤكد أن التعامل مع الأزمات لا ينبغي أن يقوم على إنكارها أو محاولة الهروب منها، بل على الاعتراف بالمشكلات ومناقشتها، والبحث عن حلول لها، مشيراً إلى أن كثيراً من الوقائع أصبحت متاحة وموثّقة عبر الإنترنت، ولذلك فإن تجاهلها لا يؤدي إلى اختفائها.

ينتقد المصدر ما يعتبره محاولة لتحميل فترات سابقة وحدها مسؤولية الأوضاع الحالية، قائلاً إن تقييم أداء الدولة يجب أن يستند إلى أرقام واضحة، وإلى المسؤولية عن السياسات التي اتُّخذت بالفعل.

وفي حديثه عن مسؤولية المشاركين في ثورة يناير، والأحداث التي وقعت حتى عام 2013 عن عدم استقرار الاقتصاد ومروره بضائقة مستمرة، يقول الخبير الاقتصادي إن من روّجوا لسياسات معينة في السابق لا يمكنهم التنصل من مسؤوليتهم عنها لاحقاً، مؤكداً في الوقت نفسه أن الاختلاف السياسي لا يمنع من الاستماع إلى أصحاب الخبرة والاستفادة من آرائهم، لأن الأصوات المعارضة يمكن أن تقدم آراء مفيدة في ملفات محددة، ومنها الاقتصاد، معتبراً أن الاستماع إلى الرأي المخالف لا يعني بالضرورة تبنيه، وإنما يسمح بالحصول على ما يمكن الاستفادة منه.

ديون مصر وغياب الصورة الكاملة

بدوره، يؤكد خبير الاستثمار والتمويل، الدكتور أحمد خزيم، أن طريقة عرض أرقام الدين العام والفائدة والتعامل مع مؤشرات منفردة لا يقدم الصورة الكاملة للوضع المالي للدولة، مبيناً أن الحديث عن انخفاض الدين العام مؤخراً يحتاج إلى النظر إلى إجمالي الالتزامات، وليس إلى رقم منفرد، كما ينتقد استخدام مفهوم “الفائض الأولي”، باعتباره مؤشراً لا يعكس، من وجهة نظره، الصورة الكاملة لتكلفة الدين.

ويؤكد خزيم أن الأهم في تقييم أعباء الدين هو النظر إلى الحساب النهائي وتكلفة خدمة الدين، وليس الاكتفاء بالمؤشرات الأولية، مبدياً اعتراضه على الفصل بين ديون الحكومة وديون الهيئات الاقتصادية والقطاع العام للدلالة على تراجع الدين العام، معتبراً أن هذه الالتزامات تظل مرتبطة بالمالية العامة للدولة، خصوصاً عندما تكون هناك ضمانات من وزارة المالية. ويشير خزيم إلى أن تقييم الدين يجب أن يشمل مختلف الالتزامات المرتبطة بالدولة، بما في ذلك ديون الهيئات والشركات العامة، وليس الاقتصار على الدين الحكومي المباشر.

ويرى خزيم أن الحكومة لا تستمع بما يكفي إلى الآراء المختلفة، وأن المسؤولين يتمسّكون بالمسار نفسه وبالأشخاص أنفسهم، رغم وجود انتقادات وملاحظات من خارج دوائر صنع القرار. ويقول إن استمرار المسؤولين في مواقعهم، مع ما يراه من مكاسب مالية كبيرة لدى بعضهم، يجعل تغيير السياسات أكثر صعوبة، ويعكس، بحسب تعبيره، حالة من الجمود داخل مؤسسات الدولة.

وفي ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية خلال فترة 2011 و2012، يرفض خزيم تحميل تلك الفترة وحدها مسؤولية الخسائر الاقتصادية اللاحقة، ويطالب بالنظر إلى الأرقام.

في السياق نفسه، ينتقد مراقبون الخطاب الرئاسي الذي يطلب من المواطنين الانتظار سنوات طويلة لجني ثمار السياسات الاقتصادية، معتبرين أن الحديث عن انتظار 15 عاماً يجعل نتائج السياسات بعيدة للغاية عن المواطن، وأن استمرار هذا الخطاب قد يعني أن المواطن الحالي لن يرى نتائج السياسات المعلنة، وأن الحديث عن جني الأحفاد الثمار في عام 2044 يعكس، في رأيهم، اتساع الفجوة بين الوعود الاقتصادية والنتائج التي ينتظرها المواطنون في حياتهم اليومية.

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون