معركة البحر الأسود تُشعل المائدة المصرية: كيف تهدد حرب السفن رغيف الخبز؟

على بعد آلاف الكيلومترات من خطوط النار ودون إطلاق رصاصة واحدة، تدفع المائدة المصرية فاتورة الصراع المحتدم بين روسيا وأوكرانيا في البحر الأسود، لم تعد تداعيات حرب السفن حبيسة الممرات المائية، بل تسللت مباشرة إلى الأسواق المحلية لتضرب أسعار الدقيق والمعكرونة في مقتل.

وارتفع سعر كيلو المعكرونة لدى الموزعين إلى ما بين 25 إلى 36 جنيهاً في سبتمبر/أيلول الجاري، مقابل 20 إلى 30 جنيهاً في أغسطس/آب الماضي، بينما تراوح سعرها للمستهلك بين 30 و45 جنيهاً، وارتفع سعر طن الدقيق السائب بنحو 25% خلال الشهر الجاري إلى نحو 22 ألف جنيه، مقابل 17 ألف جنيه في الشهر السابق.

واقترب سعر طن القمح من 290 دولاراً، مقابل نحو 250 دولاراً في بداية أغسطس، بينما قفزت العقود المستقبلية للقمح في بورصة شيكاغو للقمح بنحو 3.9%، منتصف الأسبوع، وهي أكبر زيادة منذ 26 أغسطس.

تكشف بيانات رسمية حجم تعرض مصر لأي اضطراب يصيب البحر الأسود، إذ شكلت روسيا وأوكرانيا معاً نحو 84% من واردات مصر من القمح خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بواقع 58.6% لروسيا و25.1% لأوكرانيا، تزداد خطورة الوضع بالنسبة لمصر لأن البحر الأسود لم يعد مجرد ممر رئيسي للقمح، وإنما أصبح عنصراً مباشراً في معادلة أسعار الغذاء، حيث تحتاج مصر، وفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة “فاو” إلى نحو 13.5 مليون طن من القمح المستورد في موسم 2026/2027، بينما توقعت في أحدث تقاريرها الشهرية لمؤشر الغذاء العالمي، وصول الإنتاج المحلي خلال 2026 إلى نحو 10 ملايين طن.

حذر أستاذ استصلاح الأراضي في جامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين، من تداعيات تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية واستهداف سفن نقل الحبوب في البحر الأسود على أسعار القمح وتكاليف الشحن والتأمين، مشيراً في حديث مع “العربي الجديد” إلى أن ارتفاع أسعار القمح يرتبط بعدة عوامل اجتمعت في الوقت نفسه، يأتي في مقدمتها تطور الحرب الروسية الأوكرانية وتحول القصف المتبادل إلى استهداف السفن الناقلة والمناطق المدنية، بينما يتمثل العامل الثاني في القحط الذي بدأ يضرب مناطق كثيرة في العالم بسبب ظاهرة الاحترار “النينو”، وما ترتب عليه من تراجع معدلات الأمطار ومعدلات جريان الأنهار، وهو ما أثر على الإنتاجية الزراعية.

وأضاف أن العامل الثالث يتمثل في حرب إيران موضحاً أن تطور الأعمال العسكرية في المنطقة التي يخرج منها نحو 30% من مدخلات الأسمدة الكيميائية في العالم، خاصة اليوريا ونترات الأمونيوم المهمة جداً للإنتاج زاد من الأمر سوءاً حيث أدى توقف تصدير الغاز، من قطر باعتباره المكون الأساسي لتصنيع الأسمدة والمبيدات إلى زيادة مجتمعة، أثرت في ارتفاع أسعار القمح، وامتد تأثيرها إلى باقي الحبوب والعناصر الغذائية، التي تدخل جميعاً في “دائرة مغلقة”.

وأوضح أن روسيا وأوكرانيا تؤمنان نحو 34% من تجارة الحبوب والغذاء في العالم، مشيراً إلى أن أوكرانيا تصدر في حدود 10 ملايين طن من القمح، بينما تصدر روسيا أكثر من 50 مليون طن مبيناً أن أهمية الدولتين لا تقتصر على القمح، وإنما تشمل الذرة الصفراء وزيوت الطعام، وخاصة زيت عباد الشمس الذي تخرج منه أعلى نسبة في العالم، إذ تبلغ نحو 77%، بالإضافة إلى الشعير وفول الصويا وغيره.

وأضاف أن تركيا استدعت أخيراً السفير الأوكراني لديها ​ناريمان جليال​ احتجاجاً على ضرب سفينتين للحبوب تركيتين في البحر الأسود، وهو ما دفع شركات التأمين والشحن إلى العزوف عن النقل من دول البحر الأسود، بما يؤدي إلى زيادة أسعار الشحن والتأمين وإضافة مخاطر الحروب إلى تكلفة نقل الحبوب سواء المتجه إلى مصر أو غيرها.

وتوسعت مصر في زراعة القمح، لكن زيادة الإنتاج المحلي لا تلغي الحاجة إلى الاستيراد. وبلغ معروض القمح المحلي نحو 8.7 ملايين طن خلال يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، بزيادة تقارب 28% على أساس سنوي، تكشف هذه الأرقام جوهر أزمة مصر حيث تستطيع زيادة الإنتاج، لكنها لا تستطيع في الوقت الراهن إنتاج كل احتياجاتها، في ظل القيود المائية وارتفاع الطلب الغذائي نتيجة الزيادة السكانية.

ويتوقع خبراء أن ترتفع قيمة واردات القمح لحدود 500 مليون دولار، ما يتطلب توفيرها من الموازنة العامة لتدبير احتياجات منظومة الخبز المدعم التي تتراوح ما بين 4 إلى 5 ملايين طن من القمح المستورد سنوياً، بينما يستفيد منها نحو 65 مليون مواطن، بما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة عند ارتفاع الأسعار العالمية، حيث تحمل الزيادة داخل الموازنة أو تمرير جزء منها إلى السوق والمستهلك.

وفقاً لمحللي أسواق لا تقتصر المخاطر على الأسعار، وإنما في احتمال اضطرار مصر إلى البحث عن مصادر بديلة إذا تراجعت الإمدادات القادمة من البحر الأسود، الذي تتراوح عنده أسعار القمح ما بين 260 و280 دولاراً للطن، بينما بلغ سعر القمح الأسترالي نحو 315 إلى 320 دولاراً، وهو فارق يتحول إلى تكلفة كبيرة عند احتساب ملايين الأطنان وتوقيتات الشحن ومخاطر مرورها بالقرب من مناطق الحرب بالخليج، وتشير مصادر “العربي الجديد” إلى أن مصر اتجهت إلى استيراد القمح من رومانيا والأرجنتين والبرازيل وكازاخستان منذ بداية تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن هذه المناشئ ظلت خيارات احتياطية مقارنة بروسيا وأوكرانيا.

في السياق ذاته رفضت روسيا مقترحاً لوقف الهجمات على السفن التي تنقل بضائع مدنية، فيما وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الخطة الأوكرانية لوقف الهجمات على السفن المحملة بالبضائع المدنية بأنها “غير واقعية تماماً”، بحسب “إنترفاكس” الروسية، وتظل مصر قادرة على استيراد القمح والحبوب من روسيا دون خضوعها لعقوبات الحظر الذي تفرضه واشنطن على مؤسسات وشركات روسية.

وتمكن تلك الإجراءات مصر من سداد قيمة القمح الروسي، على أن تمر المدفوعات عبر بنوك وأطراف غير خاضعة للعقوبات وبآليات مالية متوافقة مع القيود، أما أوكرانيا فلا تخضع لعقوبات أميركية شاملة، وبالتالي لا تواجه مصر المشكلة نفسها عند سداد قيمة القمح الأوكراني.

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون