هيا غسان الجرماني.. فراشة تزرع الورد في بيادر الروح

تعرّفتُ إلى الزميلة هيا غسان الجرماني، منذ سنوات، إثر تعاون منصة حرمون مع الفلكية السورية سهام تركي البدعيش، من السويداء، لرفد المنصة بفقرة معلومات فلكية حول حظك اليوم والأبراج اليومية، واستضافتها المنصة بمقابلة حول هذا الموضوع.

بعد فترة رغبتِ السيدة سهام أن نتعاون مع ابنتها الفقيدة هيا، في قصة مثل، أو حكاية مثل، لما وجدنا هذا العنوان كان مستخدماً من الآنسة هيا مع وسائل إعلامية تعاونت معها قبلنا.

كانت مميزة إطلالتها الافتتاحية في الحلقة بكلمة “مرحبا”، بحماس الشباب، وعجلة الطفولة، وبراءة الفتاة، وتتابع بلغة بيضاء سليمة الأخطاء وخالية من التعقيد والكلمات الملتبسة، تساعدها لغة جسد رشيقة وخفة ظل، ومسحة جمال تملك سحر الأنثى وكاريزما المثقفة.

من “حكاية مثل” انتقلت إلى قسم التحرير، تعلمت خطوات تحرير الخبر ونشره بأسلوب رشيق، سريعة التعلم، ذكية، لمّاحة، معطاءة.

لفتني غياباتها لأيام، دون أن تبرر غيابها، وهذا كان يحدث خللاً بالبرنامج اليومي لعمل المنصة، وفي تلك السنوات كان فريقنا يتعدى اثني عشر متعاوناً، غالبيتهن من الصبايا، حتى لفتت نظري زميلة كانت تتولى إدارة الفريق، أن سبب غيابات هيا هو صحي، ظننت حالة رشح أو نزلة صدرية أو توعكاً عابراً. قلت خيراً، لما ترتاح تكفي إذا بتحب. وهكذا حصل، بعد أيام حيتني وأخبرتني أنها عادت للعمل، وقامت بالبرنامج الموكل إليها، بتحرير ونشر مجموعة من الأخبار.

بعد فترة تكرر الغياب، فسألتها مباشرة فلم تجب، وفي الأيام التالية، اليوم تحسّنت، عانت من هجمة شديدة. قلت لها لا أعرف ماذا تقصدين؟

فقالت: يا أستاذ أنا عندي معاناة مديدة مع مرض التصلب اللويحي، وصرت في مرحلة متقدمة منه. وبسبب أنه مرض مزمن عندي، اطلعت على كل أسباب حالاته، وتطوراته، وآراء العلم فيه، حتى غدوت خبيرة في حالتي وأي حالة تخصه، وأحياناً أتمكن من مساعدة نفسي إلى جانب العلاج، بسبب ثقافتي، والخبر المفرح في هذا الأمر أن بعض العلماء يقولون إن علاج التصلب اللويحي سيشهد تقدماً لافتاً في السنوات المقبلة عسى أن يكون لي نصيب من هذا التقدم فأتحسّن أو أشفى.

ما قالته هيا، شعرت بحاجة لأتعلم منه، الشابة الناعمة اللطيفة، كيف تتعاطى مع نفسها ومع مرضها، مع جسدها، مع أوجاعها ببصيرة لا يعرفها كثيرون ممن عركتهم، كيف تزرع الأمل في حياتها تسقيها كل يوم ليينع ويقوى بانتظار حلول العلم الموعودة. كيف ترى الصحة وكيف ترى المرض، وكيف ترى الحياة، ذكرتني بصديقة راحلة جمعتني بها الصدفة، وشهدت موجة ألم وهجمة قاسية خلال جلسة عائلية أوائل التسعينيات من القرن الماضي. أحسست بالعجز أمام هذا الحد المرهف الفاصل بين الراحة والمرض، بين العافية والوجع، بين الحياة والموت. وكنت في أوج دراستي الجامعية للفلسفة، حفزتني التجربة لتعديل فهمي للحياة والموت بدرجة كافية، بنكهة رواقية.

بلغت هيا مرحلة، أصبح صعباً عليها فيها السيطرة على يديها للتعامل مع الهاتف أو لوحة المفاتيح فيه، أو الكمبيوتر، فطلبت منها ألا تزعج نفسها، وأن تهتم بما تستطيع لنبقى بجانبها ما استطاعنا، فانتقلت هيا إلى قسم الحوارات من بعد، ووضعنا قالباً، يمكنها تكييفه بين ضيف وآخر، حسب تخصصه أو تخصصها، فتمكنت من محاورة ثلاثة هم الضيوف: شادية سليمان، رواد العوام، مسؤول في جمعية المعوقين في السويداء. وتباعدت الفترات التي تستطيع العمل فيها، وكنت أحاول أن تصمد ما أمكنها، ليبقى اسمها مستمراً في الظهور والإطلالة، والإشعاع، بأقل جهد يمكنها تقديمه، فقالت لي: لم أعد أستطيع، وتدخلت والدتها السيدة سهام لتؤكد بالفعل قولها، فأحسست أنني ربما أثقلت عليها، ويكفي ما بذلت. عدت بعد فترة فقلت أنوي أن أهديك هذه الفرصة إن رغبت وهي أن تكوني ضيفتنا تقديراً وتكريماً ما رأيك. فرحبت. وإن كانت الكتابة عليك صعبة فسجلي صوتك ونحن نهتم. وأجريت المقابلة وتم نشرها، وزودتني بعشرات الوثائق، شهادات التعليم، إجازة الأدب العربي، من جامعة دمشق الفرع الثاني في السويداء – قرية عريقة، شهادات الشكر والتكريم.

كانت الصور لهيا الطفلة، لهيا الصبية، لهيا الشابة، لهيا الطالبة الجامعية، لهيا الشابة الوردة، التي كانت تتوق لتزرع الورد في أحواض تراب منزلها، في الحديقة أو على الشرفة، فلم تتمكن، فاستعاضت عن زرعه، بلف ورود القماش والبلاستيك على متكأ ومسكات كرسيها المدولب.

كثيراً ما فكرت، كم تتحمل هذه الصبية من أعباء وأوجاع!! كم تستزرع آمالها وأمانيها في حقول الروح لتحصدها رؤى في بيادر الروح، فتحلم أن تمشي، وأن تحب، وأن تكون أسرة، وأن تنتج كأي مواطن محترم ومكتمل التكوين والعافية والصحة، وأن تكون أماً. ولكن ولكن..

هيا المكافحة الصابرة ضحية مجتمع يتفكك، ضحية دولة انقرضت، ضحية فقدان مؤسسات الحضانة والدعم، ضحية تغول فردية الموسرين وتغولهم الجشع، الذين يبذلون فوائض أرصدتهم في ملذات البطون والفروج والأفواه، بينما تعجز مؤسسة عن احتضان مرضاها، كمرضى السرطان أو التصلب اللويحي، ويحتاج طبيب مهتم بقطاع كهذين، أن يفزع كل فترة المغتربين والمقيمين المقتدرين ليستخرج من جيوبه بعض النقود.

هيا أدت واجبها ومضت، تاركة قلب أمها مفجوعاً مهما تصبر، وقلوب كل من عرفوها مجروحة بالفقد، لكنها تخففت من هجماتها المثقلة بالأنين، وطارت فراشة الحنين لجسد أصح وفرصة جديدة.

مبارك لهيا، أيتها المضرجة بالوجع، مجد على قيد الحياة لا يزول.

مبارك لهيا، أيتها المترعة بالحضور الموشى بالشباب الفريد، استقالتك من محنة المرض.

مبارك لنا أنّا عرفناك، ولك السلام يوم ولدت، ويوم كنت بهجة نهارنا ووردة فريقنا، وزينة منصتنا، ويوم تبعثين وردة في حقل جديد للحياة.

الرحمة لروح هيا، والعزاء لقلوب أسرتها، بخاصة والدتها السيدة سهام، ووالدها السيد غسان، وشقيقتها السيدة عبير، والبقاء لله، والمجد للعطاء النبيل.

  

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون