
إشهار كتابين يوثّقان تاريخ وفن وتراث جبل العرب في مركز سميح للتنمية في السويداء
حرمون – “السويداء”
أقيمت في مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون في مدينة السويداء، السبت الواقع في 5 أيلول الحالي، فعالية ثقافية، تم خلالها إشهار كتابين يوثّقان تاريخ وفن وتراث جبل العرب.
شهدت الفعالية الثقافية، التي أُقيمت احتفاءً بالكتاب والتراث، حفل إشهار كتابين يتناولان جوانب مختلفة من تاريخ جبل العرب وفنه وذاكرته، بحضور نخبة من المهتمين بالفكر والثقافة والأدب والتراث.
وسلّط الكتاب الأول، للباحث والمترجم الأستاذ كمال الشوفاني، الضوء على صورة جبل العرب كما سجّلها الرحالة والمستشرقون وعلماء الآثار الذين زاروا المنطقة قبل أكثر من مئتي عام.
ويجمع الكتاب شهادات خمسة وعشرين رحالة ومستشرقًا وعالم آثار، تناولوا في كتاباتهم مدن المنطقة وآثارها وسكانها وعاداتهم وحياتهم اليومية، مستندًا إلى مصادر أصلية ووثائق وصور وتعليقات تسهم في إعادة قراءة مرحلة مهمة من تاريخ جبل العرب.
وسلّط الكتاب الثاني، للدكتور نشأت كيوان، الضوء على الفن والرموز والنحت في جبل العرب، متناولًا التماثيل والنقوش والرموز الدينية والفنية التي خلّفتها الحضارات القديمة في المنطقة.
ويتوقف الكتاب عند عدد من التفاصيل الفنية، من بينها رمزية الأسود التي تزيّن المعابد، وتصوير الآلهة، ودلالات اللباس والنحت، بما يكشف عن ملامح هوية فنية مميزة، وتفاعل بين العناصر المحليّة والتأثيرات الوافدة.
ولا يكتفي العمل بوصف المعالم الأثرية، بل يسعى إلى قراءة ما تحمله من دلالات حول الإنسان القديم ومعتقداته وأفكاره ونظرته إلى القوة والجمال والحياة، في إعادة قراءة مرحلة مهمة من تاريخ جبل العرب.
ويفتح العمل بابًا للمقارنة بين صورة المنطقة في كتابات الرحالة قديمًا وواقعها اليوم، من خلال طرح أسئلة حول طبيعة المكان والحياة فيه، وما طرأ عليه من تحوّلات عبر الزمن، ليشكّل بذلك رحلة توثيقية في ذاكرة المكان والإنسان.
وأكدت الفعالية أن الكتابين، رغم اختلاف موضوعيهما ومنهجيهما، يلتقيان في هدف مشترك يتمثل في حفظ ذاكرة جبل العرب وقراءة تاريخه بوصفه تاريخًا للفن والمكان والإنسان والهوية؛ فبينما يستند كتاب الدكتور نشأت كيوان إلى الحجر والنحت والرمز، يعتمد كتاب كمال الشوفاني على الكلمة والشهادة والوثيقة.
إسماعيل الجباعي
وألقى السيد إسماعيل الجباعي كلمة ترحيبية، فقال:
»أهلًا وسهلًا بجمعكم الكريم، أنتم أهل الشمم والإباء، وأنتم من تجمعكم المحبة والعمل الصادق في سبيل الخير. إن تواصلنا المستمر ولقاءاتنا المتجددة هي دليل على وحدتنا وروحنا المشتركة التي تسعى دومًا للرفعة والنجاح«.
افتتاح الحفل
افتتحت الإعلامية ميساء عبدالله أبو عاصي الحفل، وقالت:
»صباحكم سعيد جميعًا، أهلًا وسهلًا بكم في مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون والآداب.
نتقدم بخالص الشكر لموقع ومجلة حرمون اللبنانية، بشخص مديرة المنصة الإعلامية فادية الجرماني الحلبي، على دعمهما الإعلامي لهذه الفعالية المميزة.
نلتقي اليوم في حفل إشهار كتابين:
الكتاب الأول: «رحالة الغرب في جبل العرب» للباحث والمترجم الأستاذ كمال الشوفاني.
الكتاب الثاني: «دراسات وأبحاث في التراث الثقافي في جبل العرب» للدكتور نشأت كيوان.
وبين الكتابين، يجمعنا هدف واحد: التعريف بتاريخ جبل العرب، وحفظ ذاكرته وتراثه للأجيال القادمة.
فكتاب الباحث الأستاذ كمال الشوفاني ينظر من خلال الكلمة والشهادة والوثيقة، بينما كتاب الدكتور نشأت كيوان ينظر إلى الماضي من خلال الحجر والنحت والرمز.
وبين الحجر والكلمة تتشكّل صورة أكثر اكتمالًا لمكان غني بالتاريخ، يستحق أن يُقرأ ويُوثّق ويُكتشف من جديد.
نرحب بكم جميعًا في هذا الحفل، ونبارك للمؤلفين، متمنين لهما مزيدًا من النجاح والانتشار.
والآن، بكل محبة وتقدير، ندعو إلى المنصة الباحث والمترجم الأستاذ كمال الشوفاني، والدكتور نشأت كيوان، فليتفضلا مشكورين، وأهلًا وسهلًا بهما، ولهما منا كل الترحيب والتقدير».
الشوفاني
وفي هذا المحور، يصطحبنا الباحث والمترجم الأستاذ كمال الشوفاني في رحلة بعنوان: »رحالة الغرب في جبل العرب« لنتعرّف من خلالها إلى صورة الجبل كما ظهرت في مدونات الرحالة الغربيين، وما حملته تلك الرحلات من مشاهدات وانطباعات ووثائق، وما يمكن أن تضيفه إلى معرفتنا بتاريخ المنطقة وتراثها.
وتحدّث الشوفاني قائلًا:
»أرحب بكم جميعًا. في البداية، أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون والآداب، وإلى الأستاذ سميح، على ما يقدمه من جهد ثقافي وفكري مميز، وعلى تبنّيه نشر الكتب والأقلام التي أتشرف أن أكون واحدًا منها.
كما أتشرف اليوم بالوقوف بين هذه الأقلام والقامات الشامخة التي خرجت من هذا الجبل، والتي تسعى جميعها إلى تقديم صورة مشرقة وموثقة عن تاريخه العريق، وإلى إبراز إسهامه في مسيرة الحضارة عبر التاريخ.
ونحن اليوم نبدأ من بدايات تشكّل الحضارات، من خلال ما يقدمه الدكتور نشأت، مرورًا بما سطره الرحالة والباحثون الغربيون عن مشاهداتهم وانطباعاتهم خلال زياراتهم المتكررة إلى جبل العرب.
ومن هنا يأتي كتابي «رحالة الغرب في جبل العرب»، ليكون، بقدر ما أستطيع، جزءًا من الجهد التوثيقي الذي يسعى إلى قراءة تاريخ الجبل من خلال مصادر وشهادات مختلفة، وأن يكون لبنة في هذه الموسوعة الثقافية والتاريخية التي يجري العمل عليها.
وهنا لا بدّ لي من أن أنصف شخصًا آخر، وألا نحرم المرحوم زياد صيموعة حقه وجهده؛ فقد كان من الذين تصدّوا لنشر هذه الثقافة، وسعى إلى إيصال هذا النوع من المعرفة إلى القارئ. لكن، وللأسف، لم تحظَ بعض أعماله بالانتشار الذي تستحقه، ولم تصل إلى العدد الكافي من القراء.
ومن هنا يأتي دور الأستاذ سميح، الذي بادر إلى إصدار هذا الكتاب، وسعى إلى إعادة تقديمه ونشره، وإيصاله إلى أكبر عدد ممكن من القراء، إيمانًا منه بأهمية حفظ الذاكرة الثقافية والتاريخية للجبل.
وإذا عدنا إلى المصادر التي تناولت تاريخ جبل حوران في القرن التاسع عشر، ولا سيّما في النصف الأول منه، نجد أنها قليلة ونادرة، كما أن بعضها لا يخلو من عدم الدقة؛ إذ اعتمد عدد من المؤرخين على الأحاديث الشعبية والروايات المتناقلة بين الأهالي، وهي روايات مهمة بلا شك، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى التوثيق.
في المقابل، تكتسب كتب الرحالة والباحثين وعلماء الآثار ومذكراتهم أهمية كبيرة في الكشف عن جوانب من تاريخ المنطقة كانت خافية على المؤرخين؛ لأنها تقدم مشاهدات مباشرة وشهادات عايشها أصحابها بأنفسهم خلال زياراتهم للجبل.
لكن هناك عائقًا آخر حال دون وصول كثير من هذه المصادر إلى القارئ العربي، وهو عدم ترجمتها إلى اللغة العربية؛ فبقيت النصوص الأصلية حكرًا على مَن يجيد لغات هؤلاء الرحالة والمستشرقين والباحثين.
ومن هنا تأتي أهمية الجهد الذي يقوم به مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون والآداب، في إعادة إحياء هذه الكتب والمصادر، وترجمتها ونشرها، وإتاحتها للباحث والقارئ، حتى تصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية والتاريخية التي يستحقها هذا الجبل وأبناؤه.
ومن أراد التوسع والاطلاع على المزيد من هذه الأعمال والمصادر، فليعد إلى إصدارات مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون والآداب، التي تشكل مساحة مهمة للبحث والمعرفة والتوثيق».
كتاب «رحالة الغرب في جبل العرب»
يُعدّ كتاب الباحث كمال الشوفاني عملًا تاريخيًا يوثّق صورة جبل العرب، كما رآها الرحالة والمستشرقون وعلماء الآثار الغربيون خلال فترة تمتد من مطلع القرن التاسع عشر حتى الربع الأول من القرن العشرين.
ويكتسب الكتاب أهميته من اعتماده على شهادات الرحالة أنفسهم، وما تركوه من أوصاف وملاحظات حول طبيعة المنطقة ومدنها وآثارها وسكانها وعاداتهم وحياتهم اليوميّة.
ولا يقتصر الكتاب على تقديم روايات عن رحلات جغرافية، بل يحاول إعادة بناء جانب من تاريخ جبل العرب من خلال نصوص أصلية ووثائق وصور وتعليقات علمية، مما يمنح القارئ فرصة للتعرّف إلى المنطقة في مراحل تاريخية مختلفة، ومقارنة ماضيها بحاضرها.
موضوع الكتاب
ينطلق الكتاب من سؤال أساسي: كيف رأى الرحالة الغربيون جبل العرب قبل أكثر من مئتي عام؟
ومن خلال الإجابة عن هذا السؤال، يعرض المؤلف شهادات خمسة وعشرين رحالة ومستشرقًا وعالم آثار زاروا جبل العرب أو مروا به، وسجلوا مشاهداتهم وانطباعاتهم عن المنطقة.
وتتناول هذه الشهادات جوانب متعددة، منها:
المدن والقرى التي زارها الرحالة.
الآثار والمعالم التاريخية المنتشرة في المنطقة.
طبيعة جبل العرب وتضاريسه.
السكان وطرق معيشتهم.
العادات والتقاليد الاجتماعية.
الحياة اليومية والأوضاع الاقتصادية.
الأحداث والوقائع التي شهدتها المنطقة.
صورة جبل العرب في كتابات الرحالة الغربيين.
تنبع أهمية الكتاب من كونه يجمع مادة تاريخية متفرقة من مصادرها الأصلية، ويقدمها للقارئ العربي في صورة منظمة.
فكثير من المعلومات التي سجلها الرحالة قد لا نجدها بالتفصيل في المصادر التاريخية التقليدية؛ لأنها تصف الحياة اليومية والأماكن والسكان من خلال المشاهدة المباشرة.
كما يسمح الكتاب بإجراء مقارنة بين جبل العرب في الماضي وجبل العرب في الحاضر، إذ يستطيع القارئ أن يتعرّف إلى معالم وأماكن كانت موجودة قبل مئات السنين، ثم يتأمل ما بقي منها وما طرأ عليها من تغيرات بفعل الزمن.
وتزداد قيمة الكتاب بسبب الجمع بين النصوص التاريخية والصور والوثائق والتعليقات العلمية، الأمر الذي يساعد على قراءة شهادات الرحالة ضمن سياقها التاريخي، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد حكايات عن السفر.
اعتمد كمال الشوفاني على جمع شهادات الرحالة والمستشرقين وعلماء الآثار من مصادرها الأصلية، ثم تقديمها للقارئ العربي. ويظهر في هذا المنهج اهتمام واضح بالتوثيق والمحافظة على قيمة النصوص التاريخية.
ولا يقدّم المؤلف الرحلات باعتبارها أحداثًا منفصلة، وإنما يوظفها في رسم صورة تاريخية متكاملة لجبل العرب. ومن خلال تعدد الشهادات، يمكن للقارئ أن يلاحظ اختلاف نظرة كل رحالة إلى المكان، كما يستطيع مقارنة أوصافهم للأماكن والسكان والأحداث.
أبرز القضايا التي يثيرها الكتاب
يثير الكتاب عددًا من القضايا المهمة، من أبرزها العلاقة بين المكان والذاكرة التاريخية. فالأماكن التي وصفها الرحالة لم تكن مجرد مواقع جغرافية، بل كانت جزءًا من حياة السكان وتاريخهم.
كما يطرح الكتاب مسألة أهمية الشهادة الشخصية في كتابة التاريخ؛ فالرحالة كان شاهدًا مباشرًا على بعض تفاصيل الحياة التي ربما لم تسجلها المصادر الرسمية. ومن هنا تأتي أهمية العبارة التي يقوم عليها تصور الكتاب، وهي أن التفاصيل الصغيرة التي يرويها شاهد عابر قد تتحول مع مرور الزمن إلى وثيقة تاريخية مهمة.
ومن القضايا المهمة أيضًا كيفية نظر الغرب إلى جبل العرب في تلك الفترة. فالنصوص التي جمعها الكتاب لا تقدم صورة واحدة بالضرورة، وإنما تكشف تعدد وجهات النظر والانطباعات بحسب خلفية كل رحالة وهدف رحلته.
يمثل الكتاب قيمة مهمة للباحثين والمهتمين بتاريخ جبل العرب؛ لأنه يجمع مادة يمكن الاستفادة منها في دراسة التاريخ المحلي والجغرافيا والآثار والعادات الاجتماعية.
كما أن الكتاب لا يخاطب المتخصّصين وحدهم، بل يمكن أن يكون مفيدًا لكل قارئ مهتم بتاريخ المنطقة وتراثها؛ لأنه يربط بين الماضي والحاضر، ويجعل القارئ يرى المكان من خلال عيون أشخاص عاشوا في زمن مختلف تمامًا عن زمننا.
وتساعد الصور والوثائق والتعليقات العلمية على جعل المادة التاريخية أكثر وضوحًا، كما تمنح القارئ فرصة للتأمل في التغيرات التي طرأت على المنطقة عبر أكثر من قرن».
خاتمة
يمكن القول إن كتاب كمال الشوفاني يمثل محاولة مهمة لإحياء جانب من ذاكرة جبل العرب من خلال شهادات الرحالة والمستشرقين وعلماء الآثار الذين زاروا المنطقة خلال قرن كامل تقريبًا.
وتكمن خصوصيّته في أنه لا يكتفي بسرد الرحلات، وإنما يحولها إلى مادة تساعد على فهم تاريخ المكان والإنسان والعادات والآثار.
ويمنح الكتاب القارئ فرصة فريدة للمقارنة بين جبل العرب قديمًا وجبل العرب اليوم، واكتشاف ما تغير وما بقي حاضرًا في ذاكرة المكان.
ولذلك يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه نافذة تاريخية تُعيد إحياء مشاهد من الماضي، وتؤكد أن التفاصيل التي يسجلها الرحالة قد تصبح، مع مرور الزمن، شهادات لا تُقدّر بثمن على تاريخ الشعوب والأماكن.
كيوان
وتحدّث الدكتور نشأت كيوان قائلًا:
»صباح الخير للجميع، وشكرًا جزيلًا للأستاذ سميح، الحاضر الغائب بيننا، على تبنّيه لهذه الأعمال واهتمامـه بها، وعلى جهوده في دعم ونشر كتابي «دراسات وأبحاث في التراث الثقافي في جبل العرب».
يأخذنا هذا الكتاب في رحلة معرفية وفنية إلى قلب جبل العرب، متناولًا عالم النحت والتماثيل والرموز الدينية والفنية التي تركتها الحضارات القديمة في هذه المنطقة.
ويكشف الكتاب عن جانب مهم من تاريخ جبل العرب، ليس من خلال الأحداث التاريخية وحدها، وإنما من خلال الآثار الفنية التي تعكس طريقة تفكير الإنسان القديم ومعتقداته ونظرته إلى الحياة والكون والجمال.
ويتميز هذا العمل بمحاولته الجمع بين الجانب الأكاديمي والجانب الجمالي، بحيث لا تبدو التماثيل والنقوش مجرد آثار جامدة، بل تتحول إلى مصادر حية تساعد على فهم المجتمعات التي أنتجتها، وثقافتها وهويتها ومعتقداتها.
موضوع الكتاب
يركز الكتاب على الفن والنحت والرموز في منطقة جبل العرب، ويبحث في التماثيل والنقوش والعناصر المعمارية والفنية التي ارتبطت بالحضارات التي تعاقبت على المنطقة.
ومن خلال دراسة هذه الأعمال الفنية، يحاول المؤلف الكشف عن المعاني التي حملتها، ودلالاتها الدينية والاجتماعية والثقافية.
فالأسود، على سبيل المثال، لم تكن مجرد عناصر زخرفية، بل ارتبطت بمعاني القوة والحماية، بينما جسدت صور الآلهة والمعبودات مفاهيم دينية وفكرية كانت سائدة لدى الإنسان القديم.
كما يتناول الكتاب تفاصيل مهمة في الأعمال الفنية، مثل الملابس والهيئات والرموز وطريقة تنفيذ المنحوتات، باعتبارها أدلة تساعد في التعرف إلى طبيعة المجتمع وثقافته وعلاقاته الحضارية.
تكمن أهمية الكتاب في أنه يقدم قراءة للفن القديم باعتباره وسيلة لفهم التاريخ والإنسان. فالآثار الفنية لا تحفظ شكل الماضي فقط، وإنما تكشف أيضًا عن أفكار الإنسان ومعتقداته ونظرته إلى القوة والجمال والدين والحياة.
وتزداد أهمية هذا الموضوع بالنسبة إلى جبل العرب، الذي كان منطقة تفاعل حضاري بين مؤثرات محليّة ووافدة.
ويبين الكتاب، من خلال دراسة الفن، كيف استطاعت المنطقة أن تستوعب تأثيرات مختلفة، ثم تعيد صياغتها بطريقة تتناسب مع بيئتها وثقافتها، مما أدّى إلى ظهور طابع فني مميز.
الفن والرمز في الكتاب
من أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب العلاقة بين الفن والرمز. فالمنحوتة القديمة لم تكن تهدف إلى تقديم صورة جمالية فحسب، بل كانت تحمل رسالة أو معنى يرتبط بالمعتقدات والقيم السائدة.
وتساعد دراسة الرموز على فهم الطريقة التي عبّر بها الإنسان القديم عن أفكاره، خاصة في المجتمعات التي لم تكن الكتابة فيها الوسيلة الوحيدة لحفظ المعرفة.
ولذلك يمكن اعتبار النقوش والتماثيل نوعًا من اللغة البصرية التي نقلت أفكارًا ومعتقدات عبر الأجيال.
ويمنح الكتاب أهمية خاصة للتفاصيل الصغيرة في الأعمال الفنية، مثل الملابس والحركات والهيئات والرموز الدينيّة، لأنها قد تقدم معلومات مهمة عن المجتمع الذي أنتج هذه الأعمال.
الهوية الحضارية لجبل العرب
يبرز الكتاب جبل العرب باعتباره منطقة ذات خصوصية حضارية وفنية، نشأت من تفاعل العناصر المحلية مع التأثيرات القادمة من الحضارات الأخرى.
ولا ينظر المؤلف إلى هذا التفاعل على أنه مجرد تقليد للآخر، بل بوصفه عملية أخذ وتأثير وإعادة صياغة.
فقد انتقلت بعض العناصر الفنية والأفكار والرموز إلى المنطقة، لكنها اكتسبت في سياقها المحلي خصائص جديدة.
ومن هنا تظهر أهميّة الكتاب في إبراز الهوية الفنية للمنطقة، وإظهار قدرتها على إنتاج فن يحمل سمات خاصة، مع احتفاظه في الوقت نفسه بصلاته بالعالم الحضاريّ المحيط به.
يمتلك الكتاب قيمة ثقافية وفنية مهمة؛ لأنه يربط بين الآثار والتاريخ والفكر والمعتقد والجمال.
فهو لا يقدم التماثيل باعتبارها قطعًا أثرية منفصلة عن سياقها، وإنما يحاول قراءتها ضمن البيئة التي ظهرت فيها.
كما يساعد هذا النوع من الدراسات على تعزيز الاهتمام بالتراث المحلي، وإدراك أن الآثار ليست مجرد بقايا للماضي، وإنما جزء من الذاكرة الثقافية والحضارية للمجتمع.
يمكن القول إن كتاب الدكتور نشأت كيوان يقدّم موضوعًا يجمع بين البحث التاريخي والدراسة الفنية والقراءة الثقافية.
وتتمثل أبرز نقاط قوته في اهتمامه بالتفاصيل الفنية والرمزية، ومحاولته الوصول من خلال الآثار إلى أفكار الإنسان القديم ومعتقداته.
كما أن أسلوب تناول الموضوع، وفق النبذة المقدمة، يجعل الكتاب مناسبًا ليس فقط للباحثين والمهتمين بالآثار والفن، وإنما لكل قارئ يرغب في التعرف إلى تاريخ جبل العرب وتراثه الحضاري.
خاتمة
في الختام، يمثل كتاب الدكتور نشأت كيوان محاولة مهمة لفهم فن جبل العرب وتراثه الحضاري من خلال التماثيل والنقوش والرموز.
ويؤكد الكتاب أن الفن القديم لم يكن مجرد وسيلة للتزيين، بل كان لغة تعبّر عن معتقدات الإنسان وأفكاره ومخاوفه وطموحاته ونظرته إلى العالم.
ومن خلال قراءة هذا الفن، نستطيع أن نقترب من حياة الإنسان الذي عاش في تلك العصور، وأن نفهم كيف تفاعلت الحضارات المختلفة في المنطقة، وكيف استطاع جبل العرب أن يصوغ لنفسه هوية فنية تجمع بين التأثيرات المختلفة والخصوصية المحلية.
وبذلك يترك الكتاب رسالة أساسيّة مفادها أن التراث الفني ليس حجارة صامتة، وإنما ذاكرة حية تحفظ تاريخ الإنسان وثقافته وهويته، وأن الجمال المرتبط بالإيمان والفكر قادر على تجاوز الزمن والبقاء شاهدًا على الحضارات التي صنعته.
ومن أراد التوسّع والاطلاع على المزيد من هذه الأعمال والمصادر، فليعد إلى إصدارات مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون والآداب، التي تشكّل مساحة مهمة للبحث والمعرفة والتوثيق.
بين الكتاب والكلمة والحجر
ويقدّم الكتابان، كلٌّ من زاويته الخاصة، صورة متكاملة لجبل العرب؛ الأول من خلال عيون الرحالة والباحثين الذين زاروا المنطقة ووثقوا مشاهداتهم، والثاني من خلال آثارها وفنونها ورموزها التي بقيت شاهدة على حضارات تعاقبت على المكان.
وبين صفحات الكتابين، يبرز جبل العرب بوصفه مساحة غنية بالتاريخ والذاكرة والفن، حيث لا تبدو الآثار مجرد بقايا من الماضي، ولا الشهادات مجرد روايات قديمة، بل تتحوّل جميعها إلى أدوات لفهم هوية المكان والإنسان فيه.
ويشكل هذا الإشهار فرصة للعودة إلى التاريخ، ليس بهدف استحضار الماضي فحسب، وإنما للحفاظ على الذاكرة الثقافية والتراثية للمنطقة، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بلغة البحث والتوثيق، وبعين ترى في التفاصيل الصغيرة جزءًا من حكاية أكبر تستحق أن تُروى».
ختام الفعالية والتكريم
واختُتم الحفل بكلمة للباحث إبراهيم جودية، رحّب فيها بالمؤلفين، وقدّم التهاني لهما بمناسبة صدور العملين، مع التأكيد على أهمية هذه الإصدارات في توثيق تراث المنطقة، وفتح المجال أمام مزيد من الدراسات والقراءات التي تسهم في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ جبل العرب وإرثه الثقافي والحضاري.
كما جرى تكريم:
المخرج الموسيقي سلمان البدعيش.
العميد حكمت أبو غازي.



















































