تصريح توم برّاك الأخير: هل من جديد في ملف السويداء؟

على أثر إبعاد المواطن السويدائي عاطف هنيدي، أحد أبناء السويداء المعروفين بمواقفهم العلنية المنتقدة لمشروع الشيخ حكمت الهجري، إلى دمشق، وما سبق ذلك من حالات مماثلة، جاء التصريح الأخير، الجمعة 5 أيلول 2026، للمبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك ليعيد ملف السويداء إلى واجهة الاهتمام السياسي والإعلامي بالتحليل والتفسير والتعليق، وفي بعض الأحيان من وجهات نظر سياسية ومواقف مسبقة، فما هي القراءة الموضوعية لتصريح المسؤول عن إدارة الملف السوري لأهم دولة فاعلة في سياسة الشرق الأوسط.

واللافت أن تصريح برّاك، المنشور عبر حسابه الدبلوماسي الرسمي على منصة إكس، جاء في الذكرى الأولى لتوقيع وثيقة خارطة الطريق الثلاثية بشأن السويداء أيلول 2025، وبالوقت نفسه لم يتعامل مع حادثة هنيدي باعتبارها حادثة فردية، بل وضعها في إطار أوسع يتعلق بالحوكمة والأمن والعنف داخل مجتمع السويداء. برّاك يقصد “الحوكمة governance، وليس الحكم، أي وجود مؤسسات وسلطة قانونية وترتيبات أمنية وإدارية تعمل، وليست مجرد «الحكم» بمعنى السلطة السياسية.

 فماذا قال؟ وماذا يمكن أن نفهم منه بعيداً عن التسييس والاصطفاف؟  ما الذي أكده برّاك من مواقف للولايات المتحدة؟ وما هو من الممكن أن يكون جديداً؟ هل يفتح إبعاد عاطف هنيدي نافذة للحل في السويداء؟

ما هو ثابت في الموقف الأميركي؟

أعاد برّاك التأكيد على أن الحل الأميركي للسويداء هو ضمن وحدة سورية وليس خارجها، من خلال «إعادة دمج المحافظة بصورة كريمة»، مع ضمان كامل حقوق وواجبات المواطنة لمجتمع السويداء، ذاكراً “المجتمع الدرزي” بشكل صريح.

وهذا ليس موقفاً جديداً؛ فقد نصت عليه وثيقة خارطة الطريق الثلاثية بين سورية والأردن والولايات المتحدة، الموقعة في أيلول 2025 على بقاء السويداء جزءاً من سورية، وتفعيل مؤسسات الإدارة المدنية، وتشكيل قوة شرطة محلية تضم جميع مكونات المحافظة، وإنشاء مجلس للمحافظة، وإطلاق مسار للمصالحة والمحاسبة. كما نصت على آليات لمراقبة تنفيذ الخارطة . (Digital Library)

إذن، وحدة سورية وإعادة دمج السويداء على أساس المواطنة ليستا جديدتين في تصريح برّاك عن الموقف الأميركي.

فما الجديد في تصريح برّاك؟

الجديد اللافت هو حديثه الواضح عن أن غياب الحوكمة governance يترك فراغاً تملؤه العصابات، واستشهاده بحالة عاطف هنيدي، الذي قال إنه تعرّض للاحتجاز التعسفي وأُجبر على مغادرة منزله، مؤكداً أن فريقه على اتصال به وبآخرين تعرضوا للعنف داخل المجتمع . (Anadolu Ajansı)

“Yet where governance is absent, gangs fill the void”

كما دعا إلى استمرار التعاون بين الدروز والعشائر العربية ودول الجوار على أساس التسامح والتفاهم، وإلى ضبط النفس والحوار، مؤكداً أن استخدام القوة ينبغي أن يبقى في إطار الدولة الوطنية.

وهنا تظهر رسالة مهمة لا تتجه إلى طرف واحد، وإنما إلى السويداء ودمشق معاً.

فعندما يقول برّاك: غياب الحوكمة يترك فراغاً تملؤه العصابات فهو يلفت إلى مشكلة الفراغ الأمني والإداري داخل السويداء؛ لكن الرسالة، في الوقت نفسه، لا تُعفي دمشق من مسؤوليتها؛ فاستمرار هذا الفراغ، وتأخّر التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية مقبولة، يتيح له أن يتّسع ويتحوّل من مشكلة مؤقتة إلى واقع يصعب تجاوزه.

وبذلك تبدو الرسالة الأميركية ثنائية الاتجاه: لا يمكن للسويداء أن تجعل الفراغ في الحوكمة بديلاً دائماً عن الدولة، ولا يمكن لدمشق أن تترك هذا الفراغ قائماً ثم تتوقع أن ينتهي من تلقاء نفسه. وفي المقابل، فإن ملء الفراغ لا يكون بالقوة وحدها، وإنما بحوكمة فاعلة، وأمن، وحوار، ومحاسبة، وترتيبات تعيد مؤسسات الدولة إلى العمل بصورة مقبولة لمكونات المحافظة.

ومن هنا يمكن فهم المعادلة التي يوحي بها تصريح برّاك: السويداء تحتاج إلى إنهاء فراغ الحوكمة، ودمشق تحتاج إلى تقديم حل سياسي ومؤسسي قادر على ملء هذا الفراغ. (cyprusnewsagency.com).

أي أن المعادلات الأميركية، لحلحلة ملف السويداء، كما تظهر في التصريح، تبدو أقرب إلى:

  • لا سلطة مسلحة موازية للدولة، ولا عودة إلى الانتهاكات دون محاسبة.
  • حوكمة وأمن، حوار ومصالحة.
  • حقوق وواجبات مواطنة كاملة للسويداء داخل سورية.

هل أعادت واشنطن فتح ملف السويداء؟

من المبكر القول إن اتفاقاً جديداً أصبح جاهزاً، لكن هناك إشارة سياسية مهمة: بعد نحو عام من توقيع خارطة الطريق، عاد برّاك ليؤكد أن ذلك المسار ما يزال الطريق الذي يقود إلى نتيجة مختلفة عن العودة إلى دوامة العنف والمعاناة .  (Al Hadath)

وهذا يعني أن خارطة طريق عمّان ـ دمشق ـ واشنطن لم تُسحب من التداول الأميركي، رغم تعثر تنفيذها. بل يمكن أن يكون تصريح برّاك مؤشراً إلى محاولة إحيائها وربما الانتقال من مرحلة تثبيت المبادئ إلى البحث عن ترتيبات عملية لتنفيذها.

فخارطة الطريق نفسها كانت أكثر تفصيلاً مما قد يوحي به اسمها، أو يظنّ البعض؛ فقد تضمنت حلولاً لملفات جوهرية، مثل: الشرطة المحلية، والإدارة المدنية، ومجلس المحافظة، والمصالحة، والمفقودين والمحتجزين، والقرى المهجّرة، والمساعدات، والمحاسبة، وإنهاء التدخل الخارجي، وآليات لمتابعة التنفيذ. (Peace Agreements)

هل نحن أمام حل قريب؟

لا يمكن الجزم بذلك بعد؟ لا يكن يمكن القول إن نافذة سياسية للحل تبدو أكثر وضوحاً من السابق.

فإذا ما تُبع تصريح برّاك بتحرك عملي، مثل استئناف الاتصالات بين الأطراف، أو تفعيل آليات المتابعة، أو الاتفاق على ترتيبات أمنية وإدارية جديدة، فقد نكون أمام محاولة لتطوير خارطة الطريق السابقة أكثر من كوننا أمام اتفاق منفصل عنها.

والحل الواقعي، إذا كان ممكناً، لن يكون على الأرجح انتصار طرف على آخر، وإنما إعادة بناء علاقة جديدة بين السويداء والدولة السورية تقوم على الأمن، والحوكمة، والمواطنة، والمحاسبة، والحوار.

الخلاصة

في النتيجة ربما تكون أهمية تصريح توم برّاك الأخيرة هي في أنه نقل النقاش خطوة إلى الأمام:

لذلك لا أرى في تصريح توماس برّاك إعلاناً عن حل جديد، وإنما أراه إشارة إلى أن ملف السويداء ما زال على الطاولة الأميركية، وأن مسار خارطة الطريق الثلاثية لم يُغلق.

وقد يكون إبعاد عاطف هنيدي، بما أثاره من اهتمام أميركي مباشر، والذكرى السنوية الأولى لخريطة الطريق الثلاثية، أحد المؤشرات التي دفعت إلى إعادة تسليط الضوء على ملف أصبح من الصعب تركه في حالة الجمود الحالية.

الأسابيع المقبلة هي التي ستكشف ما إذا كان هذا التحرّك مجرد تصريح سياسي، أم مقدمة لتحرك جديد.

*من يرغب في المزيد يمكن الرجوع إلى:

تصريح توم برّاك: النص المنشور لتصريح توم برّاك حول السويداء

خارطة الطريق الثلاثية الرسمية: وثيقة الأمم المتحدة لخارطة الطريق بين سورية والأردن والولايات المتحدة

 

عاطف هنيدي

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون