
إشهار كتاب «مرافئ الفكر» بلقاء ثقافي يجمع بين الأدب والفكر تقديم شقير وزين الدين
أُقيمت في مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون في مدينة السويداء السبت الواقع في 22/8/2026 فعالية ثقافية لإشهار كتاب «مرافئ الفكر» في لقاء ثقافي يجمع بين الأدب والفكر وهو إنجاز أدبي وثقافي مشترك من تقديم الدكتور ثائر زين الدين، والدكتور نايف شقير بمشاركة مجموعة من الأدباء والمثقفين.
ويأتي الكتاب في إطار الاهتمام بالثقافة والأدب والفكر، إذ يضم مجموعة من البحوث والمقالات التي تتناول قضايا الإنسان والحياة، وتجمع بين عمق الفكرة وجمال اللغة وسلاسة الطرح، بما يفتح أمام القارئ مساحات واسعة للتأمل واكتشاف رؤى جديدة في المعرفة والثقافة والجمال.
وخلال اللقاء، تم تقديم الكتاب والتعريف بمضمونه وأبرز الموضوعات التي يتناولها، وسط حضور ثقافي وأدبي، حيث تحدّث الدكتور نايف شقير والدكتور ثائر زين الدين عن فكرة الكتاب وأهدافه، وما يحمله من رؤى وأفكار تعكس تنوع التجربة الثقافية والأدبية للمشاركين فيه.
وأكد اللقاء أهمية مثل هذه الإصدارات في إثراء المشهد الثقافي، وتعزيز الحوار الفكري، وتشجيع القراءة والبحث والانفتاح على التجارب الأدبية والفكرية المختلفة.
الجباعي
وألقى السيد إسماعيل الجباعي كلمة ترحيبية، فقال:
”أهلاً وسهلاً بجمعكم الكريم، أنتم أهل الشمم والإباء، وأنتم من تجمعكم المحبة والعمل الصادق في سبيل الخير. إن تواصلنا المستمر ولقاءاتنا المتجددة هي دليل على وحدتنا وروحنا المشتركة التي تسعى دوماً للرفعة والنجاح.”
أبو عاصي
افتتحت الإعلامية ميساء عبد الله أبو عاصي الحفل:
أهلاً وسهلاً بكم في مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون والآداب.
أهلًا وسهلًا بكم في هذا اللقاء الثقافي، ويسعدنا أن نرحّب بكم في تقديم وإشهار كتاب “مرافئ الفكر” إنجاز مجموعة من الأدباء، تقديم الدكتور ثائر زين الدين والدكتور نايف شقير.
«مرافئ الفكر» كتاب يأخذنا في رحلة بين الثقافة والأدب والفكر، ويقدّم مجموعة من البحوث والمقالات التي تلامس الإنسان والحياة، بأسلوب يجمع بين عمق الفكرة وجمال اللغة وسلاسة الطرح.
إنه كتاب لا يكتفي بتقديم المعرفة، بل يدعو القارئ إلى التأمل، ويفتح أمامه نوافذ جديدة للوعي والثقافة والجمال.
ودعت الدكتور ثائر زين الدين والدكتور نايف شقير للتفضل إلى المنصة، ليأخذانا في جولة بين صفحات «مرافئ الفكر»، ويحدثانا عن فكرة الكتاب ومضمونه، وأبرز ما يحمله من رؤى وأفكار.
والآن، نبدأ معكم هذه الرحلة الجميلة في مرافئ الفكر.
ونتمنى لكتاب «مرافئ الفكر» كل النجاح والانتشار.
زين الدين
تحدث الدكتور ثائر زين الدين، فقال:
”هذا الكتاب الذي صدر منذ أيام عن مركز سميح للتنمية والثقافة، يضم تسع دراسات مختلفة. ميزة هذا الكتاب أن موضوعاته متنوعة؛ يعني تقرأ بحثًا في الشعر العربي، وبحثًا في الرواية، وبحثًا مثلًا في الفكر السياسي، وبحثًا في الجغرافيا، في جغرافية الجولان، وبحثًا في الفلسفة.
إذن، نحن أمام نخبة من الكُتّاب والأساتذة الجامعيين الذين جمعوا هذه البحوث، ونشرها مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون.
هذا الكتاب الذي كان يُفترض أن يصدر بشكل آخر وبغلاف آخر، لكن هذه طبعة جميلة ستصبح بين أيديكم بعد قليل، ومشكورة إدارة المركز ستقدم هذا الكتاب كهدية.
شارك في هذا الكتاب الأساتذة وفق تسلسل حضورهم: ثائر زين الدين، الدكتور راتب سكر، المهندس شاهر أحمد نصر من اللاذقية، الدكتورة ربا ياسين من حلب، الدكتورة منى كشيك من ريف دمشق، الدكتور نايف شقير، الدكتورة لمى قطمجي، الدكتور نزار فلوح، والأستاذ علي العقباني.
إذن، يضم هذا الكتاب كل هذه البحوث المتنوّعة، كما قلت، في موضوعاتها وفي أساليب كتابتها.
نحن، بصراحة، سنحاول أن نوجز بشكل كثيف محتويات هذا الكتاب، حتى لا نفسد عليكم متعة القراءة.
البحث الأول الذي قدّمته أنا، والذي تحدث عن الشاعر العربي الحديث والحرية: الهروب إلى الشخصية التراثية، هكذا كان عنوان البحث.
وهو بحث قدم في المبنى القديم، ولعل بعضكم يذكر شيئًا منه.
هذا البحث يتحدث عن أن القمع والاستبداد، مهما بلغت قوته، لن يستطيع أن يخمد جذوة الإبداع في نفوس المبدعين. وضربنا يوم ذاك أمثلة كثيرة، بدءًا من «كليلة ودمنة»، تذكرون أبا المقفع، الذي قيل إنّه ترجمها، وإن كنت أظن أنه كتبها ولم يترجمها، وصولًا إلى «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وما قدمه في هذه الرواية، مرورًا مثلًا برواية «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر.
وتذكرون ما حدث حول هذه الرواية وكيف مُنعت من النشر، وما إلى ذلك.
هدفي مما جاء في الرواية، بالإضافة إلى شعر عشرات الشعراء الكبار الذين واجهوا الاستبداد بطريقتهم، سواء بابلو نيرودا مثلًا، أو من شعراء العرب، وتذكرون تمامًا الماغوط ورياض الصالح الحسين ونخبة كبيرة.
تحدّث هذا البحث عن ذلك، لكنه لمس فكرة أن الشاعر العربي الحديث، في ظروف الاستبداد والقمع، فرَّ إلى التراث، إلى الشخصية التراثية، فتقنع بهذه الشخصية وقدم ما لديه من رؤى في مكافحة الاستبداد وغيره.
ليس بالضرورة أن يكون استبدادًا سياسيًا، قد يكون استبدادًا دينيًا أو اجتماعيًا أو غير ذلك، من خلال الشعر.
فكانت هذه النقمة على الأديب نعمة على الأدب.
وضربت يوم ذاك أمثلة كثيرة، منها مثلًا تجربة الشاعر المصري أمل دنقل، الذي كتب عام 1967، وقبل حرب 1967، قصيدته الباهرة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”.
فاستحضر شخصية زرقاء اليمامة، فتاة جديس المعروفة التي رأت المغيرين، على قولها، يعني على مسافة ثلاث ليالٍ.
واستحضر أيضًا شخصية عنترة في القصيدة، ليتحدث عن إخفاق قادم للعرب وعن تقصير في المؤسسة العسكرية المصرية والسورية.
قصيدة باهرة كانت، وكانت التجربة من التجارب الأولى التي يتقنع فيها الشاعر بوجه تراثي ويقدم مقولة معاصرة وجديدة.
ثم ضربنا أمثلة كثيرة آنذاك من شعر البياتي ومن شعر محمود درويش وغيره.
هذا البحث الأول.
البحث الثاني كان للدكتور راتب سكر، الذي تحدث عن الأدب العالمي ومصادره القومية والأجنبية.
الأدب العالمي أخذ مثالًا، تجربة الكاتب المعروف نيكولاي غوغول.
هذا الكاتب العظيم، صاحب قصة «المعطف»، التي قال الأدباء جميعًا في روسيا وفي غيرها: إننا خرجنا جميعًا من معطف غوغول.
كان مؤسسًا لفن القصة في ذلك الزمن، والذي أيضًا كتب «المفتش»، وهذه مسرحية مهمة قدمت على مختلف مسارح العالم، ومنها أيضًا على مسارحنا، وعلى مسرح الثقافة أكثر من مرة.
وله «النفوس الميتة» أيضًا، وهي من أهم الروايات.
إذن، تحدث الدكتور راتب عن هذا الكاتب كنموذج للأدب العالمي، وحاول أن يقول إن الكاتب لا يصبح كاتبًا عالميًا ببساطة، وإنما ثمة شروط يجب أن تتحقق فيه وفي نتاجه.
كما كانت مثلًا عند غوغول، ومنها أن يكون منسجمًا مع ثقافته، بتراث أمته، بحضارته، وأن يكون قد قرأ كل ذلك، بالإضافة إلى إحاطته بكثير من منابع الأدب العالمي.
ثم إن نتاجه الذي كتبه تُرجم إلى مختلف اللغات، وقدم فيه أفلام ومسرحيات في مختلف بقاع العالم.
وضرب مجموعة من المعايير حتى يكون الأدب عالميًا.
هذه كانت محاضرة الدكتور راتب، وأعتقد أيضًا أن بعضكم حضرها في المبنى القديم.
شارك أيضًا الباحث في المجال السياسي الأستاذ شاهر نصر في بحث بعنوان: «بنية الدولة هي اللغز والحل»، حيث أرسل إلى المركز رسالة صوتية، وبعد الترحيب تحدث عن بحثه.
وأشار الدكتور ثائر إلى أن ميزة هذا الكتاب أنه جمع سورية كلها، حين يصير بين أيديكم. ونحن لا نتحدث لا بالطوائف ولا بالمناطق، سوف تجدون كل طوائف سورية ومذاهبها، وستجدون مناطقها أيضًا، من خلال تسعة أسماء الذين كتبوا أبحاثًا في هذا الكتاب.
بعد بحث الأستاذ شاهر، قدمت الدكتورة لمى قطنجي بحثًا موجزًا ومكثفًا حمل عنوان: «التسويف والتشتت: كيف نبدأ الإنجاز الآن؟». ومن أراد المزيد، يمكنه الرجوع إلى مركز وموسوعة سميح.
ثم جاء البحث الآخر في تسلسل الكتابين، بعنوان: «رمزية شخصية جان فالجان في رواية البؤساء»، قدّمته الأستاذة الدكتورة منى كشيك. الرواية تقدم حقيقة لفكرة الإنسان والعدالة والرحمة، ومن أراد المزيد يمكنه الرجوع إلى مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون.
شقير
وبعد انتهاء الدكتور ثائر من حديثه، بدأ الدكتور نايف بتقديم بحثه.
بعد ما استمعنا إليه، لا شك في أن الحافز لدينا قد ازداد أكثر فأكثر عمّا بدأنا به. إن الحديث في موضوعات متفرقة ومختلفة هو الذي يدفعنا إلى القراءة، ويحفّزنا على البحث والاطلاع.
وأملنا أن يكون ما قدّمه لنا الدكتور ثائر اليوم طاقةً خلاقة، ودافعًا حقيقيًا للقراءة والبحث؛ لأن المتعة الحقيقية في قراءة هذه البحوث تكمن في اكتشاف ما وراءها من أفكار ومعارف. فنحن لا نريد أن نقدّم لكم كل ما ورد في هذا الكتاب من معلومات، وإنما نحاول أن نعطيكم لمحةً موجزة تثير فضولكم، وتدفعكم إلى العودة إلى الكتاب وقراءته بأنفسكم.
وقد تحدثتُ بالأمس مع الدكتور ثائر، واتفقنا على أن نجعل حديثنا محفزًا للإخوة الحاضرين على القراءة، وألا نقدّم لهم المعلومات جاهزة، حتى تبقى متعة الاكتشاف والبحث لهم.
ولكن الدكتور ثائر، جزاه الله خيرًا، أحسن وأجاد، ووضعني في موقف حرج؛ فماذا عساني أن أقول بعد ما تفضّل به من حديث، وأيّ فصاحة أو بلاغة يمكن أن أضيفها بعد هذا العرض المتميّز؟
ومع ذلك، سأحاول أن أبدأ من القسم الذي كان لي شرف المشاركة فيه في هذا الكتاب، وهو القسم المتعلق بموضوع علم التعمية، ذلك العلم الذي يفتح لنا بابًا واسعًا لفهم واحدة من أهم القضايا المرتبطة بحماية المعلومات، والحفاظ على سريتها، وكيف تطوّرت وسائل إخفاء الرسائل وحمايتها عبر الزمن.
ومن هنا، سأحاول أن أقدّم لكم مدخلًا بسيطًا إلى هذا الموضوع، لا بقصد أن أحيط بكل تفاصيله، وإنما بقصد أن أفتح أمامكم نافذةً تدفعكم إلى مزيد من القراءة والبحث والاستكشاف.
تتناول هذه البحوث مجموعة من القضايا التي تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها تلتقي في عمقها عند سؤال واحد: كيف نقرأ تراثنا، وكيف نبني علاقتنا بذواتنا وبالعالم من حولنا؟
أبدأ ببحث يتناول علم التعمية وتفسير المعمّى، وهو علم أصيل في الثقافة العربية، وإن كان المصطلح اليوم أقل تداولًا من مصطلح “التشفير”.
أذكر أنني في أحد الأيام شاركت في مؤتمر علمي في جامعة البعث، وكان البحث محكّمًا، والحاضرون من الأساتذة. وبينما كنت على المنصة إلى جانب زميلي الذي كان يقدمني لألقي البحث، فوجئت بأن أستاذًا جامعيًا، وهو ممن يعلّمون الطلاب، لم يكن يعرف معنى «التعمية». ولم تكن المشكلة في شخص بعينه، وإنما في دلالة أوسع تتصل بمدى معرفتنا بجانب مهم من جوانب تراثنا العلمي.
فالتعمية هي، في المفهوم الحديث، التشفير: أن أكتب رسالة بطريقة لا يستطيع قراءتها إلا من يمتلك المفتاح المناسب، وفي المقابل أن أمتلك الوسائل التي تمكنني من اعتراض رسالة مشفرة ومحاولة كشف نظامها وفك رموزها. وهذا علم قديم عرفه العرب، وأسهموا في وضع أسسه الأولى.
ومن أوائل العلماء الذين ارتبط اسمهم بهذا المجال الخليل بن أحمد الفراهيدي، ذلك العالم العبقري الذي يستحق أن يحتل مكانة راسخة في ذاكرتنا العلمية والثقافية. فقد وضع، من خلال دراساته اللغوية، أسسًا مهمة لفهم بنية اللغة واحتمالات تأليف الكلمات والحروف.
وعندما وضع الخليل معجم «العين»، لم يكن عمله مجرد جمع عشوائي للكلمات، بل قام على تصور دقيق لاحتمالات تركيب الحروف وتكوين الكلمات. لقد أدرك أن اجتماع الحروف يمكن أن ينتج عددًا هائلًا من التركيبات، بعضها مستعمل في اللغة وبعضها غير مستعمل. وهذا التفكير الاحتمالي والإحصائي في بنية اللغة يمثل أساسًا مهمًا في الدراسات اللاحقة للتعمية وتحليل النصوص المشفرة.
ومن أعلام هذا المجال أيضًا ابن وحشية النبطي، الذي عاش في القرن الرابع الهجري، وصنّف كتابه المعروف «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام». وقد جمع فيه عددًا كبيرًا من الأبجديات والكتابات، واهتم بالرموز والأنظمة الكتابية القديمة، ومن بينها الكتابة الهيروغليفية.
وهنا تبرز قضية تاريخية جديرة بالتأمل؛ إذ تنسب الرواية الشائعة الفضل في فك رموز الهيروغليفية إلى شامبليون، بعد دراسته حجر رشيد، بينما تشير دراسات وبحوث إلى أن كتاب ابن وحشية كان من المصادر التي وصلت إلى أوروبا وأثارت اهتمام الباحثين بالكتابات المصرية القديمة. ولذلك فإن دراسة تاريخ المعرفة لا ينبغي أن تكتفي بالرواية الشائعة، بل يجب أن تبحث في مصادرها ومسارات انتقالها بين الحضارات.
أما البحث الثاني، فهو للباحثة الدكتورة لمى قطمجي، ويحمل عنوان “الذات والآخر في رواية أجملهن لعبد السلام العجيلي”.
وهو بحث يتناول علاقة الإنسان العربي بتراثه وموروثه وذاكرته من جهة، وبالآخر وثقافته ومجتمعه وبيئته من جهة أخرى.
هذه العلاقة ليست دائمًا علاقة صدام، بل هي في كثير من الأحيان علاقة لقاء وتفاعل؛ فقد يحدث الانسجام أحيانًا، وقد يحدث التنافر والابتعاد أحيانًا أخرى، وهذا أمر طبيعي في حركة الحضارات والثقافات.
لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى الآخر باعتباره متقدمًا لمجرد أنه «آخر»، وننظر إلى ذواتنا باعتبارها ناقصة أو عاجزة. كثيرًا ما يكون افتتاننا بالآخر ناتجًا ليس عن تقدمه وحده، وإنما عن ضعفنا نحن، وعن عدم نجاحنا في بناء ذات قوية قادرة على مواجهة الآخر والتفاعل معه من موقع الندية.
وتدور الرواية حول سعيد، الذي يذهب في رحلات إلى أوروبا، ويلتقي هناك امرأة أوروبية، فتتشكل أمامه مساحة واسعة من المقارنة بين الذات والآخر. وهذا الموضوع ليس جديدًا في الأدب العربي؛ فقد عالج توفيق الحكيم، في «عصفور من الشرق»، جانبًا قريبًا من هذه الإشكالية، حيث يقف الإنسان العربي أمام الحضارة الأوروبية بكل ما فيها من إغراء وتقدم، وفي الوقت نفسه أمام أسئلة الذات والهوية والضعف.
أما البحث الثالث، فهو للكاتب نزار فلوح، ويتناول ثقافة القراءة.
وهذا بحث يوجع القلب قليلًا؛ لأن القراءة مرآة نرى فيها أنفسنا. وحين تكون المرآة مصقولة ونقية، نستطيع أن نرى حقيقتنا بوضوح، أما حين تكون معتمة، فإن صورتنا تصبح مشوشة.
وفي مجال القراءة والتفاعل مع النص المكتوب، نحن بحاجة إلى مراجعة أنفسنا؛ لأننا مقصرون.
إن البحث ليس مجرد دعوة إلى الشباب لكي يقرؤوا، بل هو نداء أيضًا إلى الأسر كي تساعد أبناءها، وإلى المؤسسات الرسمية والشعبية كي تسهم في بناء الإنسان القارئ.
فالإنسان لا يُبنى بالمعرفة العابرة وحدها، ولا بالخطاب الشفهي وحده؛ وإنما بالقراءة والكتابة والتفاعل مع الكتاب.
ومع تقديرنا الكبير للثقافة الشفاهية وما تختزنه من ذاكرة وتجارب، فإن الكتابة تمثل خطوة أساسية في انتقال المجتمع إلى مرحلة أرقى من التنظيم المعرفي وحفظ الخبرة الإنسانية ونقلها. ومن أراد التوسع في هذا الموضوع، يمكنه الرجوع إلى المصادر والدراسات التي تناولت تاريخ القراءة والكتاب والثقافة المكتوبة، ومنها ما يرتبط بمركز سميح وغيره من المراكز الثقافية.
أما البحث الأخير، فهو عن الجولان؛ عن وجع الجولان، وعن آلام أهلنا فيه، وعن تاريخ هذه الأرض وجغرافيتها وحضارتها وذاكرتها.
يتضمن البحث عناصر تاريخية وجغرافية وحضارية، ويتضمن إشارات سياسية، لكنها ليست سياسة مباشرة بقدر ما هي حديث عن روح المكان وروح أهله.
فأهلنا في الجولان يحملون روحًا وثابة وقوية وعميقة، وروحًا وطنية أثبتت حضورها عبر الزمن.
والبحث يستعيد أسماء المواقع الأثرية، ويعيد التذكير بأن الجولان ليس مجرد مساحة جغرافية أو حدود على خريطة؛ إنه ذاكرة وهوية وتاريخ.
الجولان ليس ترابًا فحسب.
الجولان كائن عظيم، مقدس في وجدان أهله؛ فيه الماء، وفيه الدماء التي روت أرضه، وفيه الشجر، وفيه آثار الإنسان الذي عاش عليه وصنع تاريخه.
ومن هنا تصبح قضية الجولان قضية أرض، لكنها في الوقت نفسه قضية ذاكرة وروح وانتماء.
ولعل الجامع بين هذه البحوث جميعًا هو الإنسان: الإنسان الذي يمتلك علمًا وتراثًا، لكنه يحتاج إلى أن يعرف هذا التراث؛ والإنسان الذي يلتقي بالآخر، لكنه يحتاج إلى أن يعرف ذاته أولًا؛ والإنسان الذي يريد أن يبني مستقبله، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك من دون القراءة والمعرفة؛ والإنسان الذي يدافع عن أرضه، لأنه يدافع في الحقيقة عن ذاكرته وهويته وروحه.
إنها في النهاية دعوة إلى أن نقرأ تاريخنا بعين ناقدة، وأن نعرف إسهامات علمائنا دون مبالغة أو انتقاص، وأن ننفتح على الآخر دون أن نفقد ذواتنا، وأن نعيد للكتاب مكانته، وأن نبقى أوفياء للأرض التي صنعت جزءًا من ذاكرتنا ووجداننا.
إهداء الكتاب لرواد المركز
وفي ختام الفعالية، جرى التمني لكتاب «مرافئ الفكر» بالنجاح والانتشار، وأن يشكل إضافة نوعية إلى المكتبة الثقافية والأدبية، وأن يجد صداه لدى القراء والمهتمين بالثقافة والفكر.
وفي فقرة الختام أهدي الكتاب إلى عدد كبير من رواد المركز الحاضرين.















































































