
“السياسة فن الممكن، لكن العظماء هم من يجعلون المستحيل ممكنًا” (Otto Von Bismarck)
على ما يبدو: إنّ غياب القيم السياسية – الوطنية – الأخلاقية – الإنسانية في وعي معظم ساسة لبنان علمانيين وروحيين، يجعل في المرحلة الراهنة إحياء المسار الوطني النبيل أمرًا مستحيلاً. المطلوب اليوم وقف التكاذب والتنكُّر للذات، فمواقف الساسة اليوم هي تعبير عن مواقف ضعيفة متردِّدة تفتقر إلى الجرأة والحزم في التعبير عن الرأي الصارم والصادق، أو عدم القدرة على مواجهة الأزمات، وغالبًا تُصادف مراكز الأبحاث خنوعًا وتهربًا من المسؤولية، والغاية حفظ المكتسبات الضيِّقة.
في لبنان: عملية تضليلية سياسية ممنهجة ينتهجها الساسة، معطوفة على عملية استقطاب سياسي وصلت إلى حد التضليل الممنهج للرأي العام. ومن موقع المسؤولية كمركز أبحاث PEAC مبدئيًا هناك عدّة خيارات للتعامل مع هذا النهج السياسي الانحداري؛ ويكون إمّا بتجاهلها لتفادي تصعيدها، أو فضح الأكاذيب المعتمدة عن طريق تكثيف الإطلالات الإعلامية السياسية الأمنية القضائية للتقليل من أهمية المصدر المُضلِّل بحيث لا يأخذه الرأي العام على محمل الجد، وبالتالي تتوضّح أمامه الصورة الصادقة المُوثّقة بالأدلّة والبراهين.
ساسة يحتالون على الرأي العام ويُشيِّعون أنّ “السياسة فن الممكن”، أو ما تمّ تسويقه في الماضي “قوّة لبنان في ضعفه”، أو “الوضع أكبر منّا”، أو “لعبة أممية…”، أو “الحق ع التليان”؛ تعابير ترجمتها العملية ساسة يقومون بالخداع والتحايل والدعاية السياسية الفاشلة… وهناك من يتصدّر في مواقفه التأثّر فيتعمد البكاء، والدموع الكاذبة تحوّلت في مناسبات كثيرة لمصدر قوة ووسيلة لإيصال حالات انفعالية يعجز الباكي المتوهّم موقفًا عن إيصال الحقيقة؛ لأنّ تحريك المشاعر والتأثير بها سلاح أمضى من أي كلمة قد تخاطب العقل المتنوّر.
في النظام السياسي اللبناني بات من الشائع اعتماد فن “الخداع والكذب”، وغالبًا ما يتم تداول هذا الأمر في الأماكن العامة. شعب لبنان يئسَ من الساسة غير الصادقين والعاجزين عن اتخاذ موقف ما، والأزمة السياسية تتفاقم وعلى كل المستويات، ومن المعلوم لدى عامة الشعب أن الكذب السياسي يُعد من الكبائر سواء على الصعيد الأخلاقي – الفكري – الفلسفي – الديني، أكان نابعًا من مسؤول رفيع المستوى سياسي أو عسكري، أو من أفراد، أو من أحزاب، أو من جماعات مرتهنة، أو من رجل دين. المشكلة الأكثر خطورة أنّ النظام السياسي الذي يتكوّن من مؤسسات إجرائية تنفيذية تشريعية قضائية أمنية هو الأكثر كذبًا وتهربًا من المسؤولية وأكثر الطغاة في الممارسة السياسية.
“السياسة فن الممكن”، تعني تهرُّب السياسيين من المسؤولية وهي حالة شائعة في لبنان تتكرَّر عندما يتجنّب المسؤولون – وهم دستوريًا أصحاب القرار – الاعتراف بالخطأ أو مواجهة الأزمات، وهذا ما أضعف ثقة الرأي العام بهم… والتهرُّب من المسؤولية له أبعاده على مستوى ساسة الأمر الواقع في لبنان، وهو يتمحور على الشكل التالي:
-
أ- الخوف من الخسارة في الانتخابات أو ضياع المناصب التي اكتسبوها زورًا ودحضًا للنظام الديمقراطي،
-
ب – إلقاء اللوم على الأطراف الخارجية وعلى كل طرف يُنافس هؤلاء ديمقراطيًا،
-
ج – ضعف الأجهزة الرقابية التي تُحاسب أي سياسي مُقصِّر،
-
د – الاعتماد على التضليل الممنهج وعلى الخطابات الإعلامية بدلاً من الأفعال الصادقة والصارمة.
إضافةً إلى الممارسة المصطنعة التي لها العديد من المظاهر وأهمها:
-
أ- تباين في المواقف الوطنية وتبادل الاتهامات بين أركان السلطة، كما تبادل الاتهامات بين الأحزاب والقوى الموجودة على المسرح السياسي اللبناني وقت الأزمات،
-
ب – غياب الشفافية عند السياسيين العلمانيين وعند رجال الدين في تقديم الأرقام المُوثّقة أو الاعتراف بحجم المشاكل وأخطارها،
-
د – الوعود المؤجلة وانتظار الحلول من الخارج.
“السياسة فن الممكن” في لبنان يُعتمد مبدأ “سياسات المسؤولين تحركها مصالحهم أولاً وقبل كل شيء آخر”. إنّ الذي يجري اليوم من أوضاع سياسية – أمنية – اقتصادية – مالية – اجتماعية مزرية جعلتْ مصير الدولة والشعب سوداوياً وعلى كف عفريت، والسبب أنّ لدى الدولة سياسيين يحسبون أنّ السياسي بحاجة فقط إلى شطارة ممزوجة بالتهرُّب من المسؤولية وبراغماتية ومصالح ذاتية تتكيّف مع المصالح الخارجية، وأفعال غير أخلاقية كتسييس القضاء على سبيل المثال لا الحصر. ومن الخطورة بمكان ما يتواجد عندهم:
-
أ – عمل بلا خطة موضوعية،
-
ب – حركة بلا منهجية،
-
د – قيادة بلا رسالة، وكل ذلك يحصل على حساب الشعب والمؤسسات الرسمية.
“السياسة فن الممكن لكن العظماء هم من يجعلون المستحيل ممكنًا”: انقسام حاد في الرأي العام وهو نتيجة حتمية للتضليل الممنهج، والسبب الأساسي هو السياسي التاجر بما يُملى؛ تدخلات خارجية بلا حساب، والسبب هو غباء السياسي، والملاحظ سرقة ثروات الشعب اللبناني بلا حد والسبب هو نهم السياسي. فالمشكلة في لبنان هي الساسة الذين حوّلوا الوطن إلى شركات خاصة لهم والشعب إلى عبد، وجعلوا مستقبل اللبناني مظلمًا والحاضر خطرًا… الخطورة أنّ الرأي العام لا يقرأ تاريخه على ما هو وكما ينبغي، ولا يخطط لبناء حاضر كما يجب، ولا هو يستعد لمفاجآت المستقبل كما يفعل الحكماء من قادة الرأي.
“العظماء هم من يجعلون المستحيل ممكنًا”، هذه المقولة تصبح واقعًا مع قادة رأي عام يتكوّنون من نخب تمتلك المعرفة والحكمة والقدرة على توجيه الرأي العام وتكوين اتجاهاتهم والتأثير على سلوكياتهم الوطنية تجاه القضايا المختلفة بفضل المصداقية والأخلاقية والخبرة التي يمتلكونها. “العظماء هم من يجعلون المستحيل ممكنًا”، وهم المدخل لقيادة رأي عام يحتاج إلى اهتمام عظيم ومهارات فائقة وتضحيات على مختلف الأصعدة ضمانًا لنهضة الدولة والشعب.










