
حوار متخيل برسم البصيرة
الدكتور فواز فرحات
أستاذ جامعي ورئيس تيار الفكر الشعبي
حوار متخيل بين الكاتب واحدهم لاستدراج الفكر وعمق الرؤية.
د. فواز: أراك يا سيدي كمن خرج من قلب الزمن ولم يخرج منه الزمن بعد، فما الذي يبقى في الإنسان حين تذهب عنه ضوضاء الأيام وتبقى فيه وحدته؟
الرجل: يبقى ما لا تراه العين يا دكتور، ويبقى ما لا تصنعه الأيام بل تكشفه؛ فالحياة لا تمنحنا دائماً الوجوه التي نحب، لكنها تمنحنا الوجوه التي نستحق أن نتأملها لكي نفهم أنفسنا أكثر.
د. فواز: ولكن الناس يتعبون من التأمل ويهربون إلى الضجيج كأن الصمت عدوهم، وكأن الفكرة عبء لا يطاق!
الرجل: لأنهم يخافون من المرآة يا ولدي، والإنسان حين يهرب من نفسه يظن أنه نجا وهو في الحقيقة يبتعد عن نجاته؛ فالأرواح لا تشفى بالركض بل بالمكاشفة، ولا تستقيم بالسرعة بل بالصدق.
د. فواز: وهل الصدق يكفي وحده ليجعل الحياة أعدل وأرحم؟
الرجل: الصدق بداية الطريق لا نهايته، فمن عرف الحقيقة ولم يعمل بها بقي مثل من رأى النور ولم يفتح الباب. ولولا الألم لما عرف كثير من الناس قيمة الرحمة، ولولا الفقد لما أدركوا معنى الامتنان، ولولا العثرة لما تعلموا أن الكرامة ليست في عدم السقوط بل في القدرة على النهوض.
د. فواز: كثيراً ما أشعر أن البشر يطلبون من الحياة أن تكون سهلة ثم يلومونها إذا أرهقتهم.
الرجل: لأنهم يسيئون فهمها؛ الحياة ليست وعداً بالراحة بل دعوة إلى الصبر، وليست بساطاً مفروشاً بل طريقاً يحتاج إلى عقل يصاحبه، وقلب يحرسه، وإرادة لا تتكئ على الوهم. ومن ظن أن المعنى يهبط عليه من السماء كما يهبط المطر على السطح، لم يعرف بعد أن المعنى يصنعه الإنسان بدمه ووعيه وصمته وتعبه.
د. فواز: إذن فالمعرفة ليست كثرة ما نقرأ بل كثرة ما نتحمل.
الرجل: أجل، المعرفة الحقيقية ليست زخرفاً يزين اللسان بل نوراً يبدد ظلمة الداخل. وقد ترى رجلاً يملك من الكتب ما يملأ بيتاً ثم لا يملك من البصيرة ما يضيء ساعة من عمره، وترى آخر لا يفيض عليه العلم من كل باب لكنه إذا تكلم شعرت أن في كلامه حياة، لا في حروفه فقط بل في جمر التجربة الذي وراءها.
د. فواز: ولكن كيف يفهم الإنسان نفسه وهو محاط بهذا الاضطراب من الرغبات والمخاوف والخيبات؟
الرجل: لا يفهمها دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً، كما ينكشف الفجر عن وجه الليل؛ النفس لا تظهر كاملة في ساعة الفرح ولا في ساعة الغضب، بل تظهر في ما تعجز عنه، وفي ما تخفيه، وفي ما تعود إليه بعد أن تنكسر فيه الرغبة الأولى ثم تقف مرة أخرى كأنها تتعلم المشي بعد السقوط.
د. فواز: وما الذي يجعل بعض الناس أنبل من غيرهم؟
الرجل: ليس النسب ولا المظهر ولا كثرة الكلام، بل مقدار ما بقي فيهم من رحمة بعد أن امتحنتهم الأيام؛ فالنبيل ليس من لم يخطئ بل من لم يتخذ من خطئه مأوى، وليس القوي من لم يضعف بل من عرف ضعفه ثم لم يعبده ولم يخضع له.
د. فواز: أرى في كلامك أن التجربة أقرب إلى الفلسفة من كل الكتب.
الرجل: التجربة هي الكتاب الذي لا يكتمل، والدرس الذي لا يكرر نفسه تماماً، وهي المعلم الذي لا يرضى بالتزوير؛ فمن عاش بعمق عرف أن الألم لا يهدم دائماً بل يكشف، وأن الخسارة لا تفرغ الروح بل تعلمها الاقتصاد في التعلق، وأن المحبة حين تكون صادقة لا تطلب من الآخر أن يشبهنا بل أن يظل على حقيقته.
د. فواز: هذا يبدل في داخلي كثيراً، كأنك تنقلني من ضيق السؤال إلى سعة الرؤية.
الرجل: لأن السؤال إذا صدق اتسع وصار طريقاً لا مجرد صوت، ومن هنا يبدأ الإنسان الحقيقي؛ أن يرى العالم لا كما يقدمه الناس، بل كما يراه بعد أن ينخلع من أوهامه شيئاً فشيئاً.
د. فواز: أخبرني إذن، هل كان في العمر ما يستحق كل هذا العناء؟
الرجل: نعم يا دكتور يستحق؛ لأن العناء نفسه كان جزءاً من التكوين، ولأن القلب الذي لا يُجرح لا يعرف عمقه، ولأن العقل الذي لا يواجه التناقض لا يبلغ حكمته، ولأن الإنسان لا يصير إنساناً حقاً إلا حين يتعلم أن ينهض وهو يحمل أثر الطريق في وجهه وروحه معاً.
د. فواز: وما الذي يبقى في النهاية؟
الرجل: يبقى ما كان صادقاً؛ يبقى الحب حين يكون أوسع من المصلحة، ويبقى العمل حين يكون أكرم من المديح، ويبقى الأثر الذي يتركه المرء في نفوس الآخرين، ويبقى من الإنسان ذلك النور الخافت الذي لا يراه إلا من اقترب بصدق.
د. فواز: كأنك تقول إن الحياة لا تقاس بطولها بل بكثافة معناها.
الرجل: هذا هو يا ولدي؛ فالسنوات قد تمر ولا تترك شيئاً، وقد يمر يوم واحد فيصنع فيك عمراً جديداً؛ فليس المهم كم عشت بل كيف وعيت، وكيف أحببت، وكيف قاومت، وكيف سامحت، وكيف خرجت من التجربة أكثر صفاء وأقل ادعاء.
د. فواز: الآن فقط أشعر أنني أفهم شيئاً من سر هذا الوجود المرهق الجميل.
الرجل: وهذا بعض الطريق لا كله، فامضِ يا دكتور ولا تطلب من الحقيقة أن تأتيك كاملة، فإنها تكشف نفسها لمن صبر عليها ولمن دخلها بقلب لا يريد الغلبة بل يريد الفهم.
ومن حيث الشكل فقد حافظت هنا على الروح التي طلبتها وعلى الأسلوب الفلسفي العميق، وجعلته حواراً روائياً بينك وبين رجل حكيم من التجربة.
للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:
https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB



