الشاعرة ماتيلدا الجميّل وقعت ديوانها “بيت بيوت” في عين الخروبة

وقعت الشاعرة ماتيلدا الجميل منسقة اللغة العربية وآدابها في مدرسة الليسه بيت شباب ديوانها «بيت بيوت» الصادر عن دار الإبداع، في قاعة كنيسة سيدة المعونات في عين الخروبة في حضور باسكال طرزي ممثلة الرئيس أمين الجميل، راعي أبرشية أنطلياس المارونية المطران انطوان بو نجم ، الزائر البطريركي على أوروبا المطران مارون ناصر الجميل ورؤساء بلديات ومخاتير، وأدباء وشعراء وأكاديميين توقفوا عند الديوان محللين أبعاده الشعرية والنفسية والفنية. وقد كان لمديرة قسم اللغة العربية في الجامعة اللبنانية الدكتورة مهى الخوري، والأديب الدكتور ربيعة أبي فاضل، والشاعر عبدو لبكي كلمات في المناسبة عن الأديبة وديوانها.

الخوري

وألقت الدكتورة الخوري كلمة قالت فيها: “أسئلة كثيرة تطل علينا منذ اللحظة الأولى التي تواجه فيها عنوان الديوان، في زمن تتبدل فيه الجدران وتتهاوى الطمأنينة، فأي بيت يبقى فينا بعد أن تغادرنا البيوت؟ وأي أثر يظل مقيما في الذاكرة حين تنطفئ الأمكنة؟ وهل نسكن البيوت حقا أو أنها هي التي تتكاثر داخلنا وتسكننا؟ وماذا لو كان البيت في جوهره، ليس مكانا نأوي إليه بل معنى نبحث فيه عن ذواتنا كلما أوشكت على التلاشي؟. لا يبدو “بيت بيوت” مجرد عنوان لديوان شعري، بل تحول مع ماتيلدا إلى علامة سيميائية واستعارة رمزية للذات الإنسانية في تعددها وانقسامها”.

ورات ان “في ديوانها هذا، تتجاوز ماتيلدا حدود التجربة الفردية لتلامس مأساة الإنسان المعاصر، وهو يبحث عن موطئ لروحه وسط واقع يتشيأ أخلاقيا وحضاريا، ولا يقتصر الموت فيه على انطفاء الجسد بل يمتد إلى خراب المدن، وتأكل المعنى، وانهيار اليقين، واغتيال الذات الحالمة داخل عالم يأبى الاختلاف والتميز. غير أن ماتيلدا، في عمقها، إنسانة حرة، لا تنحاز إلى الفراغ، بل تحول قصائدها إلى فضاء يتجاور فيه الصمت مع الصوت، ليغدو الشعر متنفسا أخيرا للوجود الإنساني، ومحاولة إنقاذ لما يمكن إنقاذه عبر اللغة والخيال والحلم… وليصير النص الشعري شاهدا على رهافة الإنسان، وعلى قدرته اللافتة على إعادة تشكيل الألم وتطويع الجراح وتحويل الخيبة إلى أثر يضيء في العتمة. فالهزائم لا تطفئ الوعي، والمقابر لا تخرس الفكرة، والكلمة، في ثقافتنا المسيحية، حين تبلغ جوهرها، تغدو أقدر من الموت على البقاء، وأقرب إلى القيامة والعبور نحو نور لا يفسر بل يعاش. والآن، نغادر “بيت بيوت” ماتيلدا، ولكن، ثم بيوت لا نخرج منها، تظل مقيمة فينا، تعيد تشكيل ذواتنا وصوتنا ونظرتنا إلى الأشياء، وهكذا، يغدو الشعر مع ماتيلدا بيتا تشيد جدرانه بذلك الحضور الذي يتركه الإنسان في الوجود، انتصارا على حتمية الزوال”.

أبي فاضل

ثم ألقى الدكتور ربيعة أبي فاضل كلمة جاء فيها: “بعد أن قرأت “بيت بيوت” للشاعرة ماتيلدا، خطرت ببالي فكرتان، الأولى لفرويد وهي أن الشاعر يلعب كالطفل، ويخلق عالمه، يستعلي به على الواقع، ويحاول أن يتحرر من سلطان ما يفرضه الخارج على الذات، محاولا قمعها. لذلك، ينسج الرجل مزيدا من أحلام الطفولة، ويجد إطالة سفر الخاطر في لطائف الخيال، أجدى، وأروح للنفس، من كلفة معاينة الحضارة، وناسها، ورتوبها. فاستعارة الشاعرة نوعا من الهزل والعبث، وتذوقها حلاوة الطفولة، إنما هما ضرب من التزويق، والتخييل، والفطنة، واللعب، الأمر الذي يشبه النعمة الروحية، ويجدد الداخل، ويترك فرحا عجيبا، ويزيل أطباق الوحشة عن النفس. أما الفكرة الثانية فهي لكارل يونغ القائل: “يعايش الرجل طفل لا يكف عن التحول ، والتنامي أبدا، وهو يحتاج باستمرار إلى عناية، ورعاية، وحضور. وتجربة الطفل الأبدي، في الكائن، رجلا أم امرأة، هي حالة غريبة يصعب وصفها”.

اضاف:”هذا الطفل المزروع في الذات الشاعرة، إذا، ينضج أبدا، ويحتاج إلى تفهم، ورعاية، وحضوره الفاعل فينا، يذكرنا بأدبيات هندوسية، ومسيحية، تحث على العودة الدائمة إلى الطفولة، وقاعدة الأولى، أي الهندوسية: “نستطيع التأكيد أننا جميعا، في هذا الكون، نلعب، كما الأطفال تماما. وقاعدة الثانية، أي المسيحية: “إن لم ترجعوا فتصيروا مثل الأطفال لن تدخلوا ملكوت السموات، وفي هذا المقام، لا بد من تمييز البراءة والرقي، من السذاجة، والبلاهة، فالطفل الذي فينا هو الجانب الصافي، الشغف بالجمال، والجد. من يتتبع تجربة الشاعرة يلحظ هذه النزعة إلى الارتباط باللعب الطفولي، إلى حلم ماض لم تعرف أسراره، يبقى القلب في شوق إليه حتى يروم الشمس. ويتكرر رمز الشمس، في النصوص، خصوصا في جواء الطفلة الشاعرة بغربتها، في حاضر مر. فهي في ذروة الغبطة كانت تبيع الفرح، وتعانق النجم طفلة، وتحلق راقصة بين أقمار، وشم، وفي قعر المعاناة، تتأمل في ما يجري حولها: “وهونيك بشوارع خايفي في صوت / جايي ت يسرق من الطفولي عيادها / ويخنق حلم، وينهش أرض بزادها، وزوادها”. هذه التناقضات بين المثال والواقع، أحدثت صدمة مؤلمة لكنها مبدعة، وكأنها أول الشتاء على أرض عطشى!”.

ختم:” لن أتحدث عن لغة الشعر في الكتاب، أو عن التفاوت في الشعرية ما بين صيغ المحكية، وصيغ الفصحى، ولن أتوقف على الإيقاعات الخطابية المألوفة، وعلى الوضوح في طرح المعاني، وغياب سحر الغرابة، لكني رأيت أن الحكم في هذا الحبر مرتبط عضويا بالمستقبل. ويعد بجناحين قويين، وبمزيد من التحولات لدى طفلة وظفت ذاكرتها لتصنع أحلاما كبيرة لها، ولهذه الأرض المصلوبة، على أمل امتلاك الرؤيا والطاقة، والنور الكافي، للعبور نحو الطفل الذي يصهر الثنائيات، ويسعى لسلام الوحدة، ويكون الوسيط، والمخلص، وصانع المستقبل”.

لبكي

ثم ألقى عبده لبكي كلمة جاء فيها: “عشية بلوغ النهار قامته القصوى بين أيام السنة جميعها، نجتمع على الشعر في ظل الرحمة، وأمام أوراق خضراء من البواكير، خط عليها كلمتان : «بيت بيوت». وقد يتبادر إلى الأذهان: هل يستحق الشعر في زمن الحرب أن نحتفل به، فيما دخان العنف يأخذ الربيع إلى اليباس! الشعر أيها السادة كلمة الروح التي تحتضن جميع الكلمات، كلمات الأسى، وكلمات الفرح، وتبلسم جميع الجروح، وتعصب بقوس الغمام جبين التائقين إلى تهاليل السلام”.

اضاف:” في شعر ماتيلدا الجميل، باقات من الورد وحنايا النفس، جمعتها الشاعرة بأناملها المرهفة، وعلقتها على نوافذ الحنين. ورود لا تذبل، نضرة اللون والعطر، يحييها الصباح، كلما مر بمنزل الشاعرة في عين الخروبة، ليستنشق العطر والعاطفة، ثم يكمل تجواله بين الكائنات، بفرح نابض.وماتيلدا تكتب عن نفسها بقلم التجربة الإنسانية، ولكن بعصب خاص، تغذيه مشاعر العنفوان وعزة النفس، وكأنها تقف في وجه الخيبة، بصلابة من يأبى الهزيمة والانكسار”.

ولفت الى ان “لغة الشعر أسلوبا وخيالا، في كتابتها، صقيلة دون صناعة، تنبعث كالضوء، وتتنزه في الأرجاء حينا. لغة لا يعتريها وهن، في انطلاقها بخطى متسارعة، على تراب متألم”.
الجميل

كلمة الختام كانت للشاعرة الجميل التي شكرت المتكلمين وكل من كلن له اثر في حياتها وشكرت الله على ” الوزنات التي اعطانا اياها، وكلنا رجاء ان نردها أضعافًا”.