
أعمدة الظلام تحمل نبض العالم
الدكتور فواز فرحات
أستاذ جامعي ورئيس تيار الفكر الشعبي
في اعماق المحيطات حيث لا يصل الضوء ولا يصل الصدى تمتد شرايين رقيقة من الزجاج والفولاذ تحمل اكثر من تسعة وتسعين بالمئة من الاتصالات الدولية في عصرنا. ليست هذه مجرد اسلاك بل شريان حياة رقمي يربط بين القارات ينقل في كل لحظة ملايين المكالمات والرسائل وتدفقات البيانات التي تشكل نبض الحضارة الحديثة.
يمتد هذا الشبك العجيب لأكثر من مليون ونصف كيلومتر تحت الماء يتجاوز طوله مرات عديدة محيط الأرض.
هذه الكابلات البحرية ليست مجرد بنية تحتية تقنية؛ إنها شهادة على عبقرية الانسان في تحويل أعماق البحار الى جسور غير مرئية تربط بين الشعوب والاقتصادات والأفكار.
كل كابل منها يتكون من قلب زجاجي شفاف والياف بصرية تنقل الضوء بسرعة تفوق الخيال محاط بطبقات متعددة من الحماية جلي يحمي الألياف واسلاك فولاذية تقاوم الضغط الهائل للمياه وغلاف خارجي يصد الأسماك والسفن والزلازل.
إنها تحفة هندسية دقيقة صممت لتعيش عقوداً في بيئة قاسية لا ترحم، ومع ذلك تكمن المفارقة اللافتة في هشاشة هذا النظام العظيم. ففي الوقت الذي يعتقد فيه معظم الناس. إن الإنترنت يطير في الفضاء عبر الأقمار الصناعيّة، فإن الحقيقة غالبية تدفقات البيانات تجري في صمت تحت سطح المحيط أي عطل بسيط في أحد هذه الكابلات سواء بسبب مرساة سفينة أو نشاط جيولوجيّ أو حتى تدخل متعمّد يمكن أن يبطئ تدفق المعلومات بين قارتين بأكملهما في لحظات.
هذه الحقيقة تكشف عن جانبين متناقضين في عصرنا الترابط الاستثنائيّ الذي جمع البشريّة في شبكة واحدة والهشاشة الخطيرة التي تجعل اقتصادنا وأمننا واتصالاتنا مرهونة بخيوط رقيقة تحت الماء الدول تدرك هذا جيداً، فهي تعمل الأن على تعزيز الشبكة بمسارات احتياطية وبأنظمة ساتلايت حديثة، لكن الكابلات البحرية تبقى الشريان الأساسي الذي لا غنى عنه.
في النهاية، كل رسالة نرسلها وكل مكالمة نجريها عبر الحدود تمرّ عبر هذه الأعماق المظلمة، إنها تذكير متواضع بأن أعظم إنجازاتنا التقنية ما زالت تعتمد على أبسط عناصر الطبيعة المحيطات التي تحتضن أسرارنا الرقمية في صمت عميق.
للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:
https://chat.whatsapp.com/BAH6v2du3s3BgXoZoV8ViH



