شق قناة بديلة لمضيق هرمز بمتفجرات نووية… الفكرة والتطبيق

طرحها الرئيس السابق لمجلس النواب الأميركي والطرح يستدعي مبادرة إنشاء ممر مائي بين المحيطين الأطلسي والهادئ في الستينيات
قبل أيام قليلة وفي خضم أزمة إغلاق مضيق هرمز، أثار رئيس مجلس النواب الأميركي السابق نيوت غينغريتش وهو أستاذ جامعي، الجدل بمنشور على موقع “إكس” اقترح فيه استخدام عدد من القنابل النووية الحرارية السلمية لشق قناة جديدة عبر أراضي دول صديقة في مسار يتجنب التهديدات الإيرانية، وفي حين لم يوضح غينغريتش ما إذا كان كلامه جاداً أم ساخراً.

وسعت الولايات المتحدة بالفعل إلى استخدام القنابل النووية في ستينيات القرن الماضي لشق قناة جديدة لربط المحيطين الأطلسي والهادئ بمستوى سطح البحر وبما يختلف عن قناة بنما الحالية التي تتطلب أهوازاً لرفع وخفض السفن على طول مسارها.

لكن المشروع الذي أطلق عليه “بلوشير” برئاسة أبو القنبلة الهيدروجينية “إدوارد تيلر” توقف في منتصف السبعينيات بسبب قيود مالية وجيوسياسية، فهل يمكن إحياء مشروع مماثل الآن لإنهاء أزمة مضيق هرمز إلى الأبد؟ أم أنه في ظل الوعي الواسع النطاق بالآثار البيئية والصحية للتساقط الإشعاعي، يصعب تصور زمن كان فيه استخدام القنابل النووية لبناء القنوات أمراً مقبولاً ومنطقياً؟
فكرة من نصف قرن

في ظل معاناة العالم لنقل إمدادات النفط من الشرق الأوسط بعد اتخاذ النظام الإيراني مضيق هرمز رهينة، والذي يمر منه نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، تستورد منه الولايات المتحدة نصف مليون برميل يومياً، سلط منشور رئيس مجلس النواب الأميركي السابق، نيوت غينغريتش، على وسائل التواصل الاجتماعي الضوء على فكرة جذابة وإن كان قد مر عليها نحو نصف قرن، وهي استخدام القنابل النووية لشق قناة جديدة على طول مسار يتجنب التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز.

قال غينغريتش في منشوره “بدلاً من الصراع الأبدي على ممر مائي ضيق عرضه 21 ميلاً، يمكن شق طريق جديد عبر أراضي دول حليفة، بـ12 تفجيراً نووياً حرارياً، ليصبح لدينا ممر مائي أوسع من قناة بنما، وأعمق من قناة السويس، وآمن من الهجمات الإيرانية.

بدا المنشور موجهاً إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث الذي قال إن الشيء الوحيد الذي يمنع العبور في المضيق حالياً هو إطلاق ى النار على السفن، ولهذا بدأ منشور غينغريتش بعبارة “سنقصف قناة نووياً”، وانتهى في أسفل المنشور بلقطة شاشة مع تعليق يشير إلى موافقة نيوت.
أهمية غينغريتش

بسرعة غير معهودة اكتسب منشور غينغريتش اهتماماً في الولايات المتحدة كونه لا يزال مؤثراً في تشكيل مواقف الحزب الجمهوري الذي يقوده ترمب، إذ إن غينغريتش ضيف دائم الظهور على قناة “فوكس نيوز” المؤيدة للرئيس، ومنذ عام 1995، أصبح نيوت غينغريتش أول رئيس جمهوري لمجلس النواب منذ الكونغرس الـ83 (1953-1955)، وحتى بعد خروجه من الكونغرس، ظل غينغريتش يسهم في تسخير قوة التلفزيون لنشر رسالة الحزب، وابتكر طرقاً جديدة للوصول إلى الناخبين خارج الدوائر الانتخابية.
وإلى جانب منشوره الصادر في الـ15 من مارس (آذار) الماضي، أرفق غينغريتش وهو الرئيس الوحيد لمجلس النواب الأميركي الحاصل على دكتوراه في الدراسات البيئية والتاريخ، رابطاً لمقال وصف نفسه بأنه ساخر، لكنه لم يوضح غينغريتش ما إذا كان تأييده للفكرة جاداً أم لا، ومع ذلك، بدا الاحتياج العالمي للتخلص من حال الاختناق البحري والتجاري والاقتصادي العالمي التي تسبب بها مضيق هرمز، كبيراً بما يكفي ليتذكر العالم هذه الأفكار التي لم تكن تؤخذ على محمل الجد فحسب، بل سعت إليها بالفعل حكومتا الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
قناة ترمب

وعلى رغم أن منشور غينغريتش كان سبباً في تبادل مئات التعليقات الساخرة التي ذهب بعضها إلى حد تسمية القناة باسم ترمب، كونه مطوراً عقارياً مهتماً دائماً بقص شريط الافتتاح وتسمية المعالم التاريخية باسمه، فإن طرح الفكرة، استدعى أيضاً من الذاكرة التاريخية للمهتمين بالعلوم والطاقة، كيف قامت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي بدراسة وتجربة استخدام التفجيرات النووية لأغراض الهندسة المدنية، بما في ذلك إنشاء سد في كازاخستان، واستخدام موسكو التفجيرات النووية لإخماد حرائق آبار الغاز الكبيرة.

وخلال العقود الأولى لاكتشاف الطاقة الذرية أجرت واشنطن وموسكو نحو 151 تجربة تفجيرات نووية سلمية، منها 27 تجربة في الولايات المتحدة و124 تجربة في الاتحاد السوفياتي، إضافة إلى 32 تجربة أسهمت في تطوير الأجهزة المتفجرة المستخدمة في هذه المتفجرات، ولم يسبق لأي دولة أخرى أن أجرت تجارب مماثلة.
طموحات عصر الذرة

يعود سبب الاهتمام الأميركي والسوفياتي وراء هذه التجارب إلى أنه عقب الاستخدام العسكري للأسلحة النووية في أغسطس )آب( 1945، تركزت الطموحات الواسعة آنذاك على تسخير الطاقة النووية بطريقة أكثر تحكماً لتوليد الكهرباء، وأجرت كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي دراسات وتجارب مكثفة على التفجيرات النووية السلمية، إذ أدرك البلدان أن التفجيرات النووية الحرارية (المختلفة عن الانشطار) ستكون الأقل احتمالاً للتسبب في التلوث الإشعاعي.

ومن بين التطبيقات التي تم دراستها وتنفيذ بعضها الحفر على نطاق واسع لإنشاء خزانات وقنوات وموانئ، وتحفيز استخراج النفط والغاز، وإنشاء تجاويف لتخزين النفط أو الغاز أو النفايات تحت الأرض، وإخماد حرائق حقول الغاز، والدفع الفضائي، واعتراض الأجسام القريبة من الأرض التي يحتمل أن تكون خطرة مثل الكويكبات، واستخراج النفط من الصخر الزيتي، وإنتاج الطاقة من طريق الفلوريدات المنصهرة تحت الأرض لإنتاج البخار لتوليد الكهرباء، وتكسير خام النحاس والفوسفات تمهيداً للتعدين.

ومع ذلك، أسهمت بعض التجارب النووية السلمية في زيادة النشاط الإشعاعي في الغلاف الجوي، وتشكل بعض مواقع التجارب الآن خطراً إشعاعياً.
من قناة السويس إلى هرمز

غير أن فكرة إنشاء قناة جديدة بالتفجيرات النووية لنقل النفط من الشرق الأوسط ظهرت للمرة الأولى قبل عقود عدة من الزمن، ولكن في سياق صراع آخر، ألا وهو أزمة السويس، ففي عام 1956، استعادت مصر السيطرة على قناة السويس من البريطانيين والفرنسيين، وتسبب إغلاق القناة فترة طويلة في ارتفاع أسعار النفط والشاي وغيرهما من السلع الأساسية بالنسبة إلى المستهلكين الأوروبيين، الذين كانوا يعتمدون على هذا الممر المائي المختصر لنقل البضائع من آسيا، مما دفع الولايات المتحدة آنذاك إلى التفكير في إنشاء قناة أوسع وأعمق من قناة بنما لا تتطلب أي أهواز لرفع وخفض السفن على طول مسارها مثلما هي الحال في قناة بنما، من أجل تسهيل حركة التجارة العالمية من الأسواق الآسيوية إلى أوروبا من طريق ربط المحيطين الهادئ والأطلسي.
كانت الفكرة الأساس هنا هي تسخير الطاقة النووية لإنشاء قناة بديلة عبر أراض صديقة، وهو السؤال الذي طرحه المهندس الرئيس للقنبلة الهيدروجينية إدوارد تيلر، وزملاؤه الفيزيائيون في مختبر لورانس للإشعاع في ليفرمور، بولاية كاليفورنيا، حيث كانت إدارة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور بدأت بالفعل في الترويج للطاقة الذرية لتوليد الكهرباء وتشغيل الغواصات، وبعد أزمة السويس، وسعت الحكومة الأميركية خططها لتسخير “الذرة من أجل السلام”.
مشروع بلوشير

كان مشروع أو برنامج بلوشير هو الاسم الذي أطلق على الجهود الأميركية لتعزيز وتطوير التفجيرات النووية للأغراض السلمية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين سعى مناصرو المشروع بقيادة تيلر، إلى استخدام ما سموه “التفجيرات النووية السلمية” لخفض كلف مشاريع الحفر الضخمة وتعزيز الأمن القومي، وتصوروا عالماً تسهم فيه المتفجرات النووية في استخراج الغاز الطبيعي من الخزانات الجوفية وبناء قنوات وموانئ وطرق جبلية جديدة، بأقل قدر من الآثار الإشعاعية.

أُسس مشروع بلوشير رسمياً في منتصف عام 1957 من قبل لجنة الطاقة الذرية الأميركية السابقة، وفي وقت لاحق من ذلك العام، أجرت هيئة الطاقة الذرية الأميركية أول تفجير نووي تحت الأرض في موقع اختبار نيفادا (تجربة رينييه) بقوة 1.7 كيلوطن، إذ أكدت نتائج هذه التجربة صحة المفاهيم النظرية، وأعطت دفعة قوية لبرنامج بلوشير.

وركزت معظم مقترحات بلوشير على مشاريع هندسية مدنية واسعة النطاق تتضمن أعمال حفر ضخمة، وتحديداً لتحسين الممرات الملاحية التي تربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ، وكان أحدها في الأقل يهدف إلى توسيع قناة بنما، وآخر إلى إنشاء ممر مائي جديد على مستوى سطح البحر عبر نيكاراغوا أو كولومبيا.

وفي هذا الإطار تعاون تيلر وعلماء الفيزياء في ليفرمور مع فيلق المهندسين بالجيش تلبية لدعوة المسؤولين الأميركيين إلى بناء قناة أوسع وأعمق من قناة بنما لا تتطلب أي أهواز لرفع وخفض السفن على طول مسارها، وأشاروا إلى أن مزايا القناة التي تعمل بمستوى سطح البحر لن تقتصر على استيعاب سفن أكبر فحسب، بل ستكون أيضاً أسهل تشغيلاً من نظام الأهواز الذي يتطلب آلاف الموظفين في قناة بنما.
قناة باناتوميك

بدت التفجيرات النووية وكأنها تجعل إنشاء قناة جديدة تعمل بمستوى سطح البحر أمراً مجدياً من الناحية المالية، وجاء الدافع الأكبر لما يسمى قناة “باناتوميك” في يناير (كانون الثاني) 1964، عندما اندلعت احتجاجات عنيفة مناهضة للولايات المتحدة في بنما، واستجاب الرئيس ليندون جونسون للأزمة بالموافقة على التفاوض في شأن اتفاقات سياسية جديدة مع بنما.

عين جونسون لجنة دراسة قناة المحيط الأطلسي-الهادئ لتحديد أفضل موقع لاستخدام التفجيرات النووية لإنشاء ممر مائي بين المحيطين، وبتمويل من مخصصات الكونغرس البالغة 17.5 مليون دولار (ما يعادل نحو 185 مليون دولار بأسعار اليوم) ركز أعضاء اللجنة المدنيون الخمسة على مسارين، أحدهما في شرق بنما والآخر في غرب كولومبيا.
امتد المسار البنمي عبر وديان نهرية مغطاة بالغابات في برزخ دارين، ووصل ارتفاعه إلى 1100 قدم فوق مستوى سطح البحر، ولحفر هذه المنطقة، اقترح المهندسون تفجير 294 عبوة نووية على طول المسار، في 14 عملية تفجير منفصلة، باستخدام ما يعادل 166.4 مليون طن من مادة “تي أن تي”.

غير أن هذه كانت كمية هائلة من الطاقة مقارنة بأقوى سلاح نووي تم اختباره على الإطلاق، وهو انفجار “قنبلة القيصر” السوفياتية عام 1961، الذي أطلق طاقة تعادل 50 مليون طن من مادة “تي أن تي”.

لتجنب الإشعاع والهزات الأرضية، قدر المخططون أنه سيتعين إجلاء وإعادة توطين نحو 30 ألف شخص، نصفهم من السكان الأصليين، واعتبرت لجنة القناة هذا الأمر عقبة هائلة، لكنها ليست مستحيلة، وكتبت في تقريرها النهائي أنه من المحتمل حل مشكلات قبول الجمهور لحفر القناة النووية من خلال الدبلوماسية والتوعية العامة والتعويضات.
الآثار البيئية للمشروع

سعى علماء الأحياء البحرية والتطورية في أواخر الستينيات إلى دراسة الآثار البيئية الأقل وضوحاً للمشروع، وحذر العلماء من أن قناة بمستوى سطح البحر قد تطلق العنان لـ”غزوات متبادلة للكائنات الحية في المحيطين الأطلسي والهادئ من خلال ربط المحيطين للمرة الأولى منذ 3 ملايين عام”.

غير أن خطط الممر المائي النووي انتهت في أوائل السبعينيات، ليس بسبب مخاوف في شأن الأنواع البحرية الغازية، بل بسبب قضايا وتحديات معقدة أخرى، شملت صعوبة إجراء تجارب التفجيرات النووية للأغراض السلمية من دون انتهاك معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية لعام 1863، والعجز الهائل في الموازنة الأميركية الناجم عن حرب فيتنام.

وعلى رغم القيود الجيوسياسية والمالية، استعانت دراسات قناة مستوى سطح البحر بمئات الباحثين الذين أسهموا في زيادة المعرفة العلمية بهذه التفجيرات وآفاقها، لكن بالنسبة إلى أبرز مؤيدي مشروع بلوشير، ظل التنقيب الذري هدفاً جديراً بالاهتمام، وعام 1970، توقع مفوضو القناة في تقريرهم النهائي أن “تستخدم التفجيرات النووية يوماً ما في مجموعة واسعة من مشاريع نقل التربة الضخمة”.
هل يمكن حفر قناة بديلة لهرمز؟

في ظل الوعي الواسع النطاق بالآثار البيئية والصحية الخطرة للتساقط الإشعاعي اليوم، يصعب تصور زمن كان فيه استخدام القنابل النووية لبناء القنوات أمراً منطقياً، حتى قبل أن يثير منشور غينغريتش الجدل والسخرية، فقد وصفت تقارير صحافية مشروع “بلوشير” بكلمات مثل “غريب” و”مجنون” و”هراء”.

ومع ذلك، وبينما تكافح المجتمعات مع التقنيات الجديدة الثورية، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي والعملات المشفرة، يجدر بنا أن نتذكر أن كثيراً من الأفكار التي رفضت في البداية، بدت في يوم من الأيام ليست منطقية فحسب، بل حتمية.

وكما تشير رئيسة قسم العلوم والتكنولوجيا في معهد روتشستر للتكنولوجيا كريستين كينر، فلا يمكن فصل التطورات التكنولوجية والعلمية عن سياقاتها الثقافية، بخاصة أن التقنيات التي تصبح جزءاً من حياة الناس اليومية غالباً لا تفعل ذلك لأنها متفوقة بطبيعتها، بل لأن جهات نافذة تدافع عنها.

 

اندبندنت عربية