الوجه الآخر للحرب… غاز الجزائر يربح

تشهد الجزائر وصولا مستمرا للمسؤولين الأوروبيين في الفترة الأخيرة، في خضم التطورات والتداعيات المستمرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إذ زادت الأهمية الطاقوية للجزائر بالنسبة لأوروبا، نتيجةً مباشرة للتوترات في المنطقة وتأثر مسالك الإمدادات التي تفاقمت بعد دخول مضيق هرمز في قلب الحرب بالمنطقة، بالإضافة إلى استمرار الحرب في أوكرانيا وتداعياتها السلبية على مجال الطاقة.

بعد الزيارة الأخيرة لرئيسة الحكومة الإيطالية جيورجيا ميلوني إلى الجزائر، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس تمهيدًا لزيارة محتملة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بالإضافة إلى الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس البرتغالي أنطونيو خوسيه سيغورو، والتي جرى الإعداد لها خلال زيارة وزير الخارجية البرتغالي في الثالث من فبراير/شباط الماضي، يتضح أن هذا الانخراط الأوروبي المكثف في الجزائر، في ظل الأزمة العالمية في قطاع الطاقة، يمنح البلاد فرصة مهمة لتعزيز موقعها في السوق الأوروبية، وجذب المزيد من الاستثمارات في مجال الطاقة.

مورد رئيسي

تؤكد البيانات الرسمية، أن الجزائر تعد المورد الرئيسي للغاز لإسبانيا في عام 2025، وتؤمن ما نسبته 35% من إجمالي إمدادات الغاز إلى إسبانيا، كما تعد الجزائر المزود الأكبر لإيطاليا بالغاز الطبيعي، إذ تغطي نحو 35% من الواردات الإيطالية بكميات سنوية بلغت عام 2025 نحو 21 مليار متر مكعب، والمقرر أن ينتهي العقد الذي وقع عام 2023، في عام 2027 ما يفرض إعادة تفاوض مبكر بشأنه.

كما أن ما تمتلكه الجزائر من احتياطي كبير للغاز يلفت انتباه الأوروبيين، وهي فرصة ثمينة بالنسبة للبلد الأفريقي الذي وقع في مايو/ أيار 2024 اتفاقا مع سلوفينيا لزيادة كميات الغاز الطبيعي التي يتم نقلها إليها عبر خط أنبوب الغاز الذي يربط الجزائر بإيطاليا.

وقبل ذلك بقليل، في ديسمبر/ كانون الأول 2023، كان بدأ كل من سلوفينيا والمجر محادثات لتشييد خط أنابيب غاز لربط البلدين، لضمان وصول الغاز الجزائري عبر إيطاليا، ما يسمح للمجر بالوصول إلى الغاز الجزائري.

يؤكد خبراء طاقة أن كل هذه الاتفاقات التي تعكس موثوقية سياسية وطاقوية أوروبية بالنسبة إلى الجزائر، بلداً مستقراً وملتزماً، تمثل فرصاً مهمة بالنسبة لها على صعيدين أساسيين، الأول تحسين شروط وأسعار توريد الغاز والحصول على مداخيل إضافية، والثاني دفع الشركاء الأوروبيين إلى ضخ استثمارات لمصلحة قطاع الطاقة في الجزائر، وهو توجه كانت أعلنت عنه الجزائر في وقت سابق للأزمة الراهنة، بما فيها إمكانية المساعدة في إنجاز الأنبوب العابر للصحراء (نيجيريا- النيجر- الجزائر)، وهو مشروع ازدادت أهميته في الوقت الحالي وفي خضم الأزمة الحالية.

وحسب محللين، ستستفيد الجزائر من فروق الأسعار التي قفزت عقب اندلاع الحرب قبل أن تنخفض نسبياً بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحرب مع إيران أول من أمس. وسجل عقد الغاز الآجل في مركز “تي تي أف” الهولندي، الذي يعد المرجع الرئيسي لأسعار الغاز في أوروبا، انخفاضا بنسبة 14.61%، أول من أمس، ليصل إلى 48.21 يورو لكل ميغاواط/ساعة.

تأمين مبكر لاحتياجات أوروبا

يعتبر الباحث المتخصص في العلاقات الدولية في مركز البحوث في باريس فيصل ازغدران الإنزال الأوروبي إلى الجزائر في سياق محاولات لتأمين مبكر للاحتياجات الأساسية للطاقة بالنسبة لأوروبا.

وقال ازغدران في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن “هناك توجساً أوروبياً من حدوث مشكلات كبيرة على هذا الصعيد، وأوروبا في وضع قلق كبير من انعكاسات أزمة الطاقة، بما فيها التأثيرات على الصناعات التحويلية التي سترتفع أسعارها، وكان هناك خط رئيسي للطاقة يمر عبر أوكرانيا لكنه تعطل هو أيضا بفعل الحرب هناك”.

وأضاف: “ومع تأثيرات الحرب على إيران، فإن هذه فرصة مهمة بالنسبة للجزائر للتحول وإنشاء منصة عالمية لإنتاج وتوريد الطاقة، ولأن تفكر في ضخ واستقطاب استثمارات كبرى في إنتاج الطاقة، لزيادة قدراتها في الإنتاج والتصدير، خاصة وأنها تطمح إلى رفع قدرات إنتاجها إلى حدود 200 مليار متر مكعب”.

تحريك اتفاق الشراكة المعطل

على صعيد آخر، قد تبدو هذه الفرصة مؤاتية للجزائر لفرض مراجعة ضرورية لاتفاق الشراكة المعطل مع الاتحاد الأوروبي، ورفع كل التعطيلات القائمة أمام مراجعة الاتفاق، الذي وقع في 22 إبريل/ نيسان 2002 في فالنسيا (إسبانيا) ودخل حيز التنفيذ في سبتمبر/ أيلول 2005، والذي تعتقد الجزائر أنه تم توقيعه في ظروف صعبة كانت تمر بها الجزائر، وأنه لم يراع مصالح الجزائر، وتسبب في ضرر كبير للاقتصاد والصناعات المحلية، حيث ينص على حرية تنقل البضائع وتجارة الخدمات، المدفوعات ورؤوس الأموال والمنافسة، وإنشاء منطقة تجارة حرة للمنتجات الصناعية والتحرير التدريجي لمجال الخدمات والتجارة بالنسبة للمنتجات الزراعية الغذائية والصيد البحري، قبل أن يقرر الرئيس عبد المجيد تبون تجميد العمل به.

وفي يوليو/ تموز 2025، اتهم الرئيس الجزائري فرنسا بعرقلة انعقاد مجلس الشراكة بين بلاده والاتحاد الأوروبي، لمراجعة الاتفاق.

يؤكد عضو لجنة الشؤون الاقتصادية في البرلمان الجزائري أحمد بلجيلالي، أن أزمة الطاقة الحالية والحاجيات الأوروبية، تضغط على القارة العجوز وبالتالي يمكن الحصول منها على توافقات أساسية في مجالي الحصول على التكنولوجيا الحديثة في تطوير قطاعات الطاقة، وهي فرصة مهمة أيضا لمراجعة توافقية لاتفاق الشراكة، وفق تفاهمات مشتركة.

ويأتي ذلك بعد فترة كان أبدى فيها الاتحاد الأوروبي موقفا غير إيجابي في السابق، وهدد بالتحكيم الدولي في المجال التجاري، بمعنى أن هناك فرصة لتبادل المصالح بين الطرفين، تعديل الاتفاق مقابل الطاقة، بما يخدم منافع الجزائر ويصحح علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي”، حسب عضو لجنة الشؤون الاقتصادية في البرلمان الجزائري.

وأشار إلى أنه يدخل ضمن المراجعات ملف حركة وتنقل الأشخاص بين الجزائر والدول الأوروبية، والذي يحتاج أيضا إلى مراجعات تسهل على الجزائريين حركة التنقل ضمن معالجات منتظمة للهجرة غير النظامية.