متى تصبح “كلفة الحرب” فوق الاحتمال؟

مع دخول الحرب أسبوعها الخامس وتصاعد وتيرة الضربات، تتزايد المؤشرات على اقترابها من عتبة “فوق الاحتمال”، في ظل ضغوط عسكرية واقتصادية غير مسبوقة وتزايد التعقيد الجيوسياسي. تتقاطع تقديرات مراكز الدراسات مع تطورات الميدان لتشير إلى أن الحرب في الشرق الأوسط تقترب من عتبة “فوق الاحتمال”، مع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية وتزايد التعقيد الجيوسياسي. فبحسب تقارير مجموعة “الأزمات الدولية”، تتحول الحروب الممتدة إلى عبء استنزافي حين تتآكل المكاسب مقابل تضخم الخسائر، وهو ما يتزامن اليوم مع تصاعد الضربات واتساع نطاقها.

يأتي ذلك في ظل ضغوط أميركية متزايدة لوقف الحرب، تجسدت في حزمة مطالب شاملة طُرحت على طهران، بالتوازي مع خطاب أكثر حدة من دونالد ترامب الذي لوح بتدمير إيران، في تصعيد غير مسبوق يفتح الباب أمام سيناريوهات قصوى.

وفي المقابل، وعلى رغم استهداف رموزها الكبرى، على رأسهم علي خامنئي، أبدت طهران إشارات انفتاح على الوساطات، في مؤشر على إدراكها لكلفة التصعيد المفتوح.

مفاوضات متذبذبة

قدمت الإدارة الأميركية مقترحاً يتألف من 15 نقطة إلى السلطات الإيرانية عبر وساطة باكستانية، يهدف إلى وضع حد للعمليات العسكرية المستمرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي. ويتضمن المقترح حزمة من المقايضات الاستراتيجية، تبرز في طليعتها “الوقف الكامل لعمليات تخصيب اليورانيوم وتسليم المواد المخصبة”، وضمان “حرية الملاحة الكاملة في مضيق هرمز” الذي يشكل عصب إمدادات الطاقة العالمية، مقابل رفع شامل للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.

قال المتحدث باسم ​وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي اليوم الإثنين إن طهران تلقت رسائل عبر وسطاء ‌تشير إلى ‌استعداد ​الولايات ‌المتحدة ⁠للتفاوض، ​لكنها تعتبر المقترحات ⁠الأميركية “غير واقعية وغير منطقية ومبالغ فيها”.

وجاء المؤتمر الصحافي لبقائي ⁠بعد يوم ‌من ‌اجتماع وزراء ​خارجية باكستان ‌ومصر والسعودية ‌وتركيا في إسلام آباد لإجراء مناقشات أولية ركزت أساساً ‌على مقترحات لإعادة فتح مضيق ⁠هرمز ⁠أمام حركة الشحن.

فيما نقلت التقارير تفاؤل الرئيس دونالد ترمب بالمسار الدبلوماسي، إذ يتضمن العرض الأميركي بنداً يقضي بتقديم “دعم لتطوير برنامج الطاقة النووية المدنية في بوشهر”، في خطوة تهدف إلى تحويل النشاط النووي الإيراني من الشق العسكري إلى الأغراض السلمية.

إقليمياً، يتصاعد القلق الخليجي من استمرار الاستهدافات، على وقع تأكيد دول الخليج على أن صبرها “ليس بلا حدود”، وبدأت بالفعل اتخاذ خطوات تصعيدية مثل تقليص التمثيل الدبلوماسي وطرد ملحقين عسكريين، في رسالة أوحت بأن قواعد الاشتباك آخذة في التغير. وتشير تحليلات “”تشاتام هاوس إلى أن دخول أطراف إقليمية بشكل أوسع في المواجهة يمثل نقطة تحول خطيرة قد تدفع النزاع إلى مستويات يصعب احتواؤها.

اقتصادياً، تحذر تقديرات صندوق النقد الدولي من أن أي اضطراب طويل في الخليج سيؤدي إلى تداعيات عالمية حادة، من ارتفاع أسعار الطاقة إلى تراجع الاستثمارات، ما يعزز فرضية أن استمرار الحرب سيجعل كلفتها غير محتملة إقليمياً ودولياً.

قلب الطاولة ضد إيران

ويرى بنيامين جنسن مدير مختبر المستقبل في مجموعة الأزمات الدولية، أن طهران تتبنى في مواجهة التفوق العسكري للتحالف استراتيجية “حملة العقاب متعددة المجالات”، وهي عقيدة قتالية لا تهدف إلى حسم المعركة ميدانياً، بل إلى ممارسة إكراه سياسي وضغط نفسي من خلال استهداف مفاصل الاقتصاد العالمي. ويعتمد هذا المنطق على أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية للطاقة والسحابة الرقمية والقطاع المالي، يكفي لزعزعة الأسواق ورفع تكاليف التأمين، مما يخلق ضغوطاً دولية وأزمات اقتصادية تُقيد هامش المناورة الأميركي والإسرائيلي، وتدفعهم لوقف الهجمات العسكرية تحت وطأة الفاتورة الباهظة التي يتحملها العالم.

ولإفشال هذه الاستراتيجية القائمة على التعطيل والإكراه، يرى الخبراء ضرورة تحول العمليات العسكرية من القصف العميق واستهداف القيادات إلى حماية خطوط الإمداد وتأمين ناقلات النفط، مع ضرورة تحميل إيران المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن اضطرابات الطاقة العالمية.

ويعتبر أن مواجهة “حملة العقاب” تتطلب استدراج ما تبقى من القوات الإيرانية وتأمين الممرات البحرية، بالتوازي مع جهد دبلوماسي يضمن تماسك الشركاء الدوليين، بما يحرم طهران من تحقيق مكاسب قسرية عبر تهديد المنشآت الحيوية التي يعتمد عليها الاستقرار العالمي.

ويشير الخبير الأميركي وهو ضابط احتياط سابق في الجيش، إلى أن واشنطن عليها تطبيق هذه الاستراتيجية على تهديدات إيران دول مجلس التعاون، “فعلى الصعيد العملياتي، تحتاج الولايات المتحدة إلى استدراج القوات الإيرانية المتبقية ونصب الكمائن لها، وإخراجها من مخابئها، وتأمين خطوط الاتصال البحرية. على الصعيد الاستراتيجي، تحتاج واشنطن إلى شركاء، وأن تضمن تحمل إيران مسؤولية ارتفاع تكاليف الطاقة والاضطرابات الناجمة عن حملتها العقابية”.

حصيلة بشرية لها دلالة

وأدت الحرب، المستمرة منذ أكثر من شهر، إلى سقوط آلاف القتلى وإحداث أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية، مع انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الدولي. وتشير تقديرات حقوقية، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”، إلى مقتل نحو 3500 شخص في إيران، بينهم أكثر من 1500 مدني، إضافة إلى نحو 1240 قتيلاً في لبنان، فضلاً عن مقتل أكثر من 100 شخص في العراق و13 جندياً أميركياً منذ بدء العمليات.

ويعكس اتساع هذه الخسائر مؤشرات واضحة على تصاعد الاستنزاف، إذ أعلنت القيادة المركزية الأميركية إصابة مئات العسكريين، بينهم حالات خطيرة ، في وقت امتدت التداعيات إلى إسرائيل ودول الخليج وسوريا مع تسجيل ضحايا مدنيين وعسكريين.

ميدانياً، أفادت “واشنطن بوست” بأن واشنطن تستعد لعمليات داخل إيران قد تمتد لأسابيع، مع احتمال نشر نحو 3500 جندي لتنفيذ غارات محدودة من دون الانخراط في غزو شامل، بالتوازي مع تعزيز وجودها العسكري في المنطقة بوصول السفينة “يو أس أس تريبولي”.

في المقابل، رأت “الغارديان” أن هذا الحشد يعكس استعداداً عسكرياً مشروطاً بفشل المسار الدبلوماسي، ما يبقي الخيار البري مطروحاً من دون أن يكون وشيكاً.

وفي هذا السياق، قال أمين مجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي إن إيران وجهت نحو 85 في المئة من صواريخها نحو دول الخليج ضمن أكثر من 5000 صاروخ ومسيرة، مؤكداً حق دول المجلس في الدفاع عن النفس وضرورة الحزم في مواجهة التصعيد.

ضغوط داخلية

يأتي ذلك في وقت تزامنت الحرب مع اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، وهو ما يضع دونالد ترمب أمام مشهد سياسي أكثر تعقيداً. وعلى رغم دعم عدد من صقور السياسة الأميركية لخيار المواجهة، يرى إيفو دالدر أن الانخراط في الحرب ضد إيران ينطوي على كلفة استراتيجية مرتفعة، مشيراً إلى انعكاساته على الاقتصاد العالمي والتوازنات الجيوسياسية خلال فترة وجيزة.

ويرى دالدر، في تحليل نشرته “بولتيكو”، أن الرهان على القوة الجوية وحدها لم يحقق الأهداف المرجوة، إذ أظهرت طهران قدرة على التكيف، ما يعكس تعقيد المشهد مقارنة بتجارب سابقة مثل حرب العراق 2003، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط على ممرات الطاقة واستهداف منشآت حيوية.

في المقابل، يلفت أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك سعود صالح الخثلان إلى أن دول مجلس التعاون تتعامل مع التصعيد بوصفه كلفة متوقعة بحكم موقع الخليج، مع الحفاظ على نهج هادئ يوازن بين الأمن والاستقرار وأولويات التنمية، بعيداً من الانجرار إلى تصعيد أوسع.

الكلفة على إيران

يرى محللون أن كلفة الحرب على إيران تبدو أعلى بكثير مقارنة بدول الخليج، نظراً لهشاشة اقتصادها واتساع جبهاتها الداخلية والخارجية، مقابل قدرة خليجية أكبر على امتصاص الصدمات بفضل الموارد والاستقرار المؤسسي. ويشير هؤلاء إلى أن إضعاف النظام في طهران بات يُنظر إليه كخيار استراتيجي، بخاصة بعد أن أظهر سلوكاً عدائياً متصاعداً تجاه جيرانه، ما يعزز القناعة بأن استمرار هذا النهج يشكل تهديداً طويل الأمد للأمن الإقليمي، وأن كلفة احتوائه اليوم قد تكون أقل من كلفة مواجهته مستقبلاً.

ويرجح المحلل السياسي الكويتي عبدالله الغانم أن الحديث عن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يُقابل في الخليج برؤيتين مختلفتين، “فهناك أطراف تريد إيقافاً سريعاً للحرب بسبب الأضرار الجانبية التي ترتد على الحياة اليومية”، لكنه يضيف أن هذه النظرة “ليست استراتيجية على مستوى صناع القرار، بل أقرب إلى المزاج الشعبي”، معتبراً أن “العقل الاستراتيجي الخليجي لا يمكن أن يرى في إيقاف الحرب من دون تغيير هذا النظام مكاسب حقيقية”.

ويحذر الغانم من أن “بقاء النظام، حتى وإن كان ضعيفاً، سيكون كالفيروس الخامل الذي قد يعاود النشاط بعد سنوات”، مشيراً إلى أنه “مع تغير موازين القوى الدولية وصعود دعم صيني–روسي أكبر لإيران، قد تعود تهديدات مضيق هرمز واستهداف دول الخليج ولكن من موقع أقوى”. ويؤكد أن “الضرورة اليوم هي إنهاء هذا الفيروس بشكل حاسم، وعدم ترك أي مساحة لبقاء النظام كما هو”، حتى لا تتكرر التهديدات ضمن معادلات دولية أكثر تعقيداً في المستقبل.

كلفة مقبولة من دون إسقاط النظام

وهكذا فإن كلفة الحرب لا تزال حتى الآن مقبولة لكل الأطراف، إذ على رغم تداعياتها في المنطقة والعالم، لا تزال مختلف الأطراف تتعايش وتقاوم خروجها عن السيطرة، خصوصاً بعد أن تراجع الحديث الأميركي والإسرائيلي عن إسقاط النظام في إيران، إلى البحث عن تحقيق أهداف أقل تأثيراً بالنسبة إلى الحرس الثوري الممسك بزمام الأمور.

لكن تسارع خطى الأطراف الدولية والإقليمية في البحث عن مخارج ونشاط الوساطات في هذا الصدد، تؤشر إلى اقتراب الحرب من خط الهاوية وخروجها عن نطاق الاحتمال.

الكاتب الصحافي المغربي محمد غازي، يشير إلى أن “اتساع رقعة الدول المتضررة من الحرب بات ملموساً. نحن في المغرب على سبيل المثال ظن الكثيرون أننا بعيدون عن الأزمة، لكن سريعاً ما رمت السكان بشرر، أبسط تجلياته ارتفاع أسعار المحروقات في الأسبوع الماضي بنحو 100 درهم (10 دولار) في تعبئة السيارة المتوسطة بالبنزين”.

وأشار إلى أن هذا ارتفاع كبير قياساً بقدرات السكان الشرائية، وهو ما قال إنه سيترك أثره المباشر على أسعار المواد الغذائية ومؤشرات التضخم في البلاد.

إذا كان ذلك المغرب، وهو أبعد نقطة عربية عن الصراع، فإن التأثير في بقية الدول أعمق بكثير. ولا سيما بالنسبة للعاملين في قطاع السفر والسياحة والطاقة.

 

اندبندنت عربية