مخاطر الكوارث في عالم التأمين عند ذروتها لهذا السبب!!

عندما تم قصف حقول الغاز في الخليج يوم الأربعاء، شهدت الأسواق اضطراباً شديداً مع مواجهة المستثمرين للتهديدات طويلة الأجل لإمدادات الطاقة والنمو، أما في عالم التأمين البحري، فقد انتاب المسؤولين قلق كبير لسبب آخر، فمثل هذه الهجمات تُظهر أن الحرب تتسع بطرق غير متوقعة.

وبلغة المصطلحات المالية، يواجه مؤمّنو السفن الآن تزايد «مخاطر الكوارث»، أو خطر وقوع أحداث ذات احتمالية منخفضة لكنها مدمرة للغاية، ومن هنا تبرز تساؤلات مهمة: كيف يمكن لأي جهة الآن حساب هذه المخاطر؟ هل هي مهمة الحكومات؟ أم القطاع الخاص؟

وبينما يبقى الشاغل الرئيسي هو المخاطر البشرية الناجمة عن أي هجوم إيراني على السفن، يواجه مؤمّنو السفن بُعداً مالياً إضافياً، فقد طبّق الاتحاد الأوروبي «نظام الملاءة المالية 2» قبل عقد من الزمن، ما رفع بشكل حاد مستوى احتياطيات رأس المال التي تحتاج شركات التأمين إلى الاحتفاظ بها للحماية من الخسائر المحتملة.

لذا فإن هذه الحرب لا تؤدي فقط إلى خلق صراعات جيوسياسية جديدة؛ بل تضع أيضاً الخبراء الإكتواريين الأوروبيين في مواجهة رئيس أمريكي يسعى لتطويع النظام المالي والجيوسياسي لإرادته، ورغم أن هذا التنافس يفتقر إلى حدة المعارك العسكرية، إلا أنه بالغ الأهمية، لا سيما أنه سيحدد مسار التضخم وثقة قطاع الأعمال في المستقبل.

وحتى وقت قريب، كان حل معركة التأمين يتمحور حول النظام المعقد لسوق لويدز في لندن، وقد وفّر هذا السوق جزءاً كبيراً من تأمين هياكل السفن، والممتلكات، والتعويضات التي يحتاج إليها مالكو السفن، مدعوماً بإعادة التأمين، لكن مع اندلاع الحرب الإيرانية، تم بالفعل إلغاء الكثير من عقود التأمين البحري كما يحدث غالباً في الحروب، لكن بعض أنصار ترامب يتهمون لويدز بالتلاعب الجيوسياسي، ولذلك فقد اقترحوا أن تحاول أمريكا بسط نفوذها على هذا القطاع.

وهذا النقد للويدز غير منصف، فقد نتجت عمليات الإلغاء عن مشكلة المخاطر غير المتوقعة، وكيفية تعامل شركات التأمين معها بموجب توجيهات «الملاءة المالية 2».

وهكذا، فبينما لا يزال التأمين متاحاً للسفن، فقد ارتفع سعره خمسة أضعاف أو أكثر منذ بداية الأزمة، وفقاً لما يقوله سماسرة التأمين، وهذا يجعل النقل عبر السفن غير مجدٍ اقتصادياً، بل وغير آمن، بالنسبة لمعظم مالكي السفن.

وقد أخبرني أحدهم في اجتماع للشحن في الدول الإسكندنافية منذ أيام أنه «من المستحيل أن ندفع مثل هذه الأسعار»، لذا ليس من المستغرب أن تشير معلومات استخباراتية صادرة عن «لويدز ليست» في إحاطة خاصة يوم الخميس إلى أن عدد عمليات العبور عبر مضيق هرمز لم يتجاوز 105 عمليات عبور منذ بداية الحرب، وهو جزء ضئيل جداً من حركة الملاحة المعتادة. كما تشير المعلومات إلى أن نحو 24 سفينة تعرضت لحوادث اصطدام أو كادت تصطدم.

ويحاول ترامب الآن تقديم حل ما، فقبل أسبوعين أعلن أن مؤسسة تمويل التنمية في واشنطن، وهي هيئة حكومية، ستوفر «تأميناً ضد المخاطر السياسية وضمانات للأمن المالي لجميع التجارة البحرية بسعر معقول جداً»، وتشير التقارير إلى أن المسؤولين الأمريكيين يحثون السفن الآن على الاستفادة من هذا التأمين، مع توفير مرافقة بحرية.

لكن، وكما هي الحال غالباً مع ترامب، لا يتطابق الواقع مع الخطاب، وخطة التأمين هذه التابعة لمؤسسة تمويل التنمية تبلغ قيمتها 20 مليار دولار، وتدعمها شركة تشب.

مع ذلك، تشير حسابات بنك جيه بي مورغان إلى أن ما هو مطلوب فعلاً لتسيير السفن هو «تغطية تأمينية قصوى بقيمة 352 مليار دولار لا توفرها الأسواق الخاصة حالياً»، بينما لا تملك مؤسسة تمويل التنمية سوى «154 مليار دولار متبقية» لاستخدامها، ما لم يُغيّر الكونغرس تفويضها.

يرفض سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، هذه الحسابات والأرقام ويصفها بأنها «مروعة» و«غير مسؤولة على الإطلاق». ويبدو أن الفارق في الأرقام يعكس حقيقة أن خطة بيسنت محدودة النطاق، وتقتصر، على سبيل المثال، على تغطية أضرار الهيكل داخل المضيق ومنطقة الخليج، بدلاً من تغطية المسؤولية الكاملة.

يقول تيد ديهيفن، من مركز كاتو للأبحاث: «لم تُنشئ الإدارة تأميناً شاملاً ورخيصاً ومباشراً لكل من يشحن، بل ارتجلت آلية دعم على نطاق ضيق كثيراً».

وربما سيطالب بيسنت وترامب الآن الكونغرس بتوسيع صلاحيات مؤسسة تمويل التنمية الدولية لإضافة مليارات أخرى. وقد تتدخل حكومات أخرى أيضاً، وقد بدأت الصين أخيراً في تطوير مجموعات إعادة التأمين التعاوني الخاصة بها، لكن في الوقت الراهن ثمة ثلاث نقاط جوهرية جديرة بالملاحظة:

أولاً: كان مخطئاً كل من اعتقد أن قرار ترامب بتقليص صلاحيات وكالة التنمية الدولية الأمريكية (USAID) ينذر بإلغاء شامل للهيئات الحكومية المماثلة في واشنطن، فمجموعات مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية تزداد أهمية، لا العكس، كأداة للسياسة الخارجية.

ثانياً: يكمن سبب أهمية هذه المؤسسات في أن تبني ترامب الصريح للجيواقتصاد يفضي إلى مزيد من التدخل الحكومي.

ثالثاً: عندما يتعلق الأمر بمعركة بين ترامب وخبراء التأمين العالميين، فليس من الواضح دائماً ما إذا كان الرئيس سيفوز، على الأقل ليس فيما يتعلق بمخاطر التداعيات الخطيرة، وهنا تكمن المشكلة.

ويقول كريغ تينديل، المحلل الأسترالي الذي يحظى بمتابعة دقيقة في أوساط ترامب: «إذا لم يعاد تنظيم عبور مضيق هرمز إلى مستوى يشبه المخاطر التجارية الطبيعية.

فإن النظام الاقتصادي العالمي سيتحول من التركيز على الأسعار إلى ترشيد الاستهلاك، ومن نظام الإنتاج في الوقت المناسب إلى التخزين الاستراتيجي، ومن التحسين العالمي إلى لوجستيات الكتل المحمية بالقوة العسكرية». وبعبارة أخرى، يعني هذا ببساطة ارتفاع التضخم وانخفاض النمو

 

الشرق الأوسط

ملاحظة

  • الخبير الإكتواري (Actuary) هو متخصص محترف يستخدم النظريات الرياضية، الإحصاء، والعلوم المالية لتحليل وإدارة المخاطر المالية وعدم اليقين، خاصة في شركات التأمين والمعاشات، يطبقون الاحتمالات لتسعير وثائق التأمين، حساب الاحتياطيات المالية، وتطوير استراتيجيات إدارة المخاطر لضمان الاستقرار المالي طويل الأجل.