
مأمون ملاعب
منذ سنوات وقطر دولة عربية بل إقليمية وازنة، وتبدو أنها تملك دوراً محورياً. هي ليست فقط وسيطاً بين المقاومة الفلسطينية والعدو أو بين إيران والولايات المتحدة، هي ليست مجرد قاعدة عسكرية أميركية، وليست مجرد مصرف برأسمال كبير، بل هي دولة القاعدة الآميركية ودولة المصرف الأميركي ودولة الاستثمارات الأميركية في شتى الشؤون السياسية.
هذه الدولة بالمعنى العلمي ديمغرافياً وجغرافياً تقتصر على مدينة الدوحة والباقي ملحقات أو صحراء وعدد السكان (المواطنين) بحدود 350000 نسمة أي 11% من عدد المقيمين. أصلهم من قبائل البدو الرحّل إلا القليل منهم من قبائل الدوحة. لم يكن لهم أي دور أو تأثير في كل دول الخلافات الإسلامية المتعاقبة. دخلت الدوحة وهي قرية صغيرة تحت الحماية البريطانية منذ القرن التاسع عشر حين كانت بريطانيا تحاول تطويق السلطنة العثمانية بالقواعد. اكتشفت بريطانيا فيها النفط فأبقتها تحت الحماية ثم جعلت منها دولة مستقلة عام 1971 دون أن تمتلك الحد الأدنى من مؤسسات الدولة باستثناء المال.
من البديهي أن يكون كل مواطن قطريّ غنيّ مالياً وأن الجميع في حالة من الرضى، إنّما القضية هي الدولة ووظيفتها. لقد وجدت لتكون أداة طيعة في يد مشغلها وأداة حادة في وجه المستهدف.
سمحت بريطانيا لـ عبد العزيز آل سعود بضم الحجاز إلى نجد وأن يقيم المملكة السعودية من دون المحميات البريطانية في الإمارات وعمان وقطر والبحرين. وكان ممكناً لبريطانيا أن تبقيها محميات لكن الحاجة أن تكون هذه المحميات دولاً جعل بريطانيا تصنعها وتغادرها.
مع بداية الستينيات من القرن الماضي طالبت دولة العراق أن تكون قرية الكويت عراقية، لكن بريطانيا أعلنت دولة الكويت وأعطتها استقلالها 1961. في التسعينيات تحوّلت الكويت إلى فخ للعراق وأزمة لكل الدول العربية ومعها بداية التحولات الكبيرة لصالح العدو. في 2011 كانت القضية الأساسية لقطر تغيير النظام في الجمهورية العربية السورية. لو أن الأموال التي صُرفت على الفتنة “الثورة” قدّمت للشعب السوري لكان وضعه في أحسن حال، ولو قدّمت الأسلحة المقدمة لـ “الثوار” إلى المقاومة الفلسطينية لتحرّرت فلسطين، لكن “ديكتاتور” دمشق كان يقضّ مضجع أمير الدوحة فصرف المليارات لإسقاطه علّه ينام بسلام.
السعودية والإمارات أعلنتا الحرب على اليمن دفاعاً عن الشرعية!! ثم اختلفتا على الغاية. الإمارات غارقة في المال ولا يمكن أن يكون لها أطماع في اليمن، وشعبها مثل شعب قطر مستحيل عليه أن ينشئ جيشاً. كل الجيش مرتزقة، وكان بالإمكان الاستغناء عنه. الدولة ليست في خطر وحمايتها تأتي من مشغليها.
لا يمكن الفصل بين إنشاء دولة لليهود على أرض فلسطين وبين صنع كل دول المنطقة. إن فكرة إنشاء الكيان الصهيوني تتضمّن المغامرة والخطر، كانت فلسطين تحت الاحتلال الذي سهّل انتقال بعض اليهود إليها وأمّن مساحات استيطان وأضعف مقاومة الشعب لصالح المهاجرين المغتصببن، لكن الفكرة تقضي اقتلاع قسم من الفلسطينيين ومن ثم إبعاد الأخطار التي قد تهبّ في ما بعد من المحيط المعادي الرافض. من هنا سقط وعد الحسين مع مكماهون ولم يسقط وعد بلفور. وعد الشريف حسين بمملكة سورية إذا تعاون في الحرب على العثمانيين. تعاون وبعد الحرب تحوّلت المملكة الموعودة إلى دويلات كلها ضعيفة عاجزة أمام الكيان المستحدث، بل إن الملك الحسين نفسه في الحجاز سقط لصالح عبد العزيز بتواطؤ بريطاني. ضمان ديمومة الكيان الصهيونيّ تحتاج إلى إضعاف كل الخصوم واجتثاث أي مقاومة واستباق المخاطر. الغاية من صناعة تلك الدول في الخليج هي ضمن خطة ديمومة هذا الكيان وهذه الدول في جهوزية الاستعمال. دولة الإمارات مستعدة لقصف الإسلام كدين وليس فقط لقصف اليمن. كانت جاهزة في الحرب الأخيرة لمساعدة “إسرائيل” وليس غزة، وقامت بمساعدة “مملكة الخير” ومملكة الضفة الشرقية بتأمين ممر برّي بديل عن البحريّ لصالح العدو. المملكتان شكلتا خط الدفاع الأول عن الكيان الصهيوني في وجه الصواريخ والطائرات المسيّرة اليمنية وكذلك الإيرانية.
صناعة الدول أظهرت نتائج إيجابية ودرّت أرباحاً كثيرة للصهيونية والولايات المتحدة، والمصنع ما زال قائماً يعدّ منتجات جديدة فقد نشهد قيام دويلات درزية أو كردية أو علوية وهي في طور المخاض أو نشهد فدراليات أو أي شكل آخر من دول الفتنة.
10-1-2026
*مقالة مستعادة لأهميتها. أرتأينا نشرها مجدداً هنا.


