هاني سليمان الحلبي
(ناشر منصة حرمون – عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين – عضو نقابة محرري الصحافة)
عزيز عيد المعلم، بخاصة عند من عانى رسالة التعليم وكابد في طلب العلم حتى تنفّسَه، وتحمّل في تحصيل الحرف الكثير، بدءاً من حرق كتبه وهو طالب في الصف العاشر، لأن والده كان يريده راعياً لبقرتين عنده، ومساعداً في إدارة فدّان الفلاحة. فاضطر بعد عمل طوال شهر في معصرة أخواله “سهام الجبل” بجوار جبل حرمون، ليشتري تلك الكتب المدرسيّة وبدل ثياب وما يلزمه من قرطاسية، للعمل مجدداً طيلة شهر تشرين الأول من العام 1978 بـ”الورقة” (إكساء الجدران بالطين) مع المعلم الشيخ حسن نقور في مبنى الدوائر العقارية (حالياً وكان سابقاً مستأجَراً لثانوية راشيا الرسمية) في راشيا الوادي ليجمع ثمن كتبه مجدداً ويعود إلى مقاعد الدراسة متأخراً شهراً عن زملائه.
لم تكن هذه التجربة الأقسى في العلاقة مع الكتاب والحرف. بل تلتها بعد سنوات أربع، تجربة من نوع آخر، إذ غدوتُ مدرّساً في مدرسة العرفان، فرع راشيا، لمادة الرياضيات، للصفوف الابتدائية، وكانت راشيا حينها تحت الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي، وكانت تجرحني قلة إحساس الناس أبناؤهم وبناتهم بثقل الاحتلال، بل وجد بعضهم فيه فرصة للتواصل مع أقاربهم في فلسطين والجولان المحتلين، ويتمنى دوامه لتبقى وشائج القربى قوية. وكنت أكتب حكمة اليوم على الزاوية العليا اليسرى للوح “الاحتلال إلى زوال”. وكثرت شكاوى الأهالي إلى الإدارة لمنعي من تسميم أخلاق أبنائهم وبناتهم. فلم أرعوِ، ولم تمض أسابيع حتى أخذت تمرّ بمحاذاة المدرسة دورية راجلة من عشرة جنود إسرائيليين على الأقل.. فيتهامس الأساتذة والطلبة… وزال الاحتلال.
وكانت تجربة ثالثة بانتظاري في مسار التعليم، أني لم أتمكن بعد سنوات من تحصيل وظيفة لا في التعليم الرسمي ولا في الخاص في منطقتي فاضطررت لمغادرتها ما يزيد عن 23 عاماً لأحصل لقمة عيش مغموس بالوجع. حتى جلتُ محافظات البقاع وجبل لبنان وبيروت في أكثر من 10 ثانويات ومدارس. وفي عام 1996 عندما تخرّجت بإجازة الفلسفة، ظننتُ أنني على موعد مع الاستقرار، فاستنسخت 10 نسخ عن شهادتي وجدول علاماتي طبق الأصل، وشرعت كل سنة عندما تعلن مصلحة التعليم الخاص استقبال طلبات تعاقد، أقدّم ملفي، حتى نفدت النسخ عندي، وكان ما ظننته زميلاً صديقاً، تشاركنا التعليم في مدرسة أول مفرق دوحة عرمون، الأستاذ أنور.. وكلما سألته عن ساعات التعاقد وأين سأدرّس، يقول لي لا يوجد طلب لك عندنا. وعندما أبرز له رقم الطلب وتاريخ تقديمه مكتوباً بخط يده، يكرّر استنكاره لا يوجد لك طلب.. ففهمت أنه ليس لي حق بالحصول على تعاقد في زمن العصابات الحزبية.
وفي تلك الفترة من أوائل القرن العشرين، اشتدّت الأزمة المعيشيّة وبرزت نجوميّة المسؤول النقابي اللامع حنا غريب قبل أن ينتقل إلى تولي الأمانة العامة للحزب الشيوعي اللبناني وداومنا على الإضراب والتظاهر والاعتصام، علّنا نحصّل ما يسند أيامنا في أربعينيات العمر حينذاك، وبعد سنوات مطالبة وعرائض لم تجد نفعاً، فإذا بالمجلس النيابي وبرئيسه العتيد، يُقرّ مطلباً من خارج جدول الأعمال بزيادة رواتب النواب وباعتماد اقتراح حق النائب لدورتين، كما أظن، براتب مدى العمر. بينما يتمّ تأجيل البتّ بأي زيادات للأجور من جلسة إلى جلسة ومن عقد إلى عقد ومن مجلس نواب إلى مجلس نواب يليه.. وعندما تزاد يتم امتصاص دماء الناس وجيوبهم بأضعاف عنها.
حتى أعلنت إدارة الأوقاف المذهبية الدرزية حينذاك برئاسة الدكتور المهندس سامي عبدالباقي، حاجتها لمدير لمعهد راشيا التقني، الذي تم إنشاؤه بريع صندوق النبي أيوب (عليه السلام)، فتقدّمت بملفي من حوالي 40 وثيقة، ولما رآه الموظف المعني، قال لي إنه أقوى ملف بين ملفات المتقدمين. ولما ذاع خبر تقدمي للوظيفة بدأ الضغط الحزبي والسياسي لرفض الطلب، لكن الجهة المعنية بالأمر لا تخضع للضغط السياسي الحزبي. وكانت المرحلة الأخيرة بمقابلة مع لجنة الأوقاف في دار الطائفة الدرزية في أيلول 2002، وحينها أخبرني المتصل أنهم يريدوني للتعرف المباشر إليّ لحوالي ربع ساعة. فإذا بالمقابلة تمتد 5 ساعات. انتهت في التاسعة إلا ربعاً مساء باعتذاري عن المتابعة بسبب حلول دوامي في جريدة السفير ويلزمني 10 دقائق للانتقال من دار الطائفة الدرزية إلى مبنى السفير في نزلة السارولا. في اليوم التالي أخبرني الدكتور عبدالباقي إعجاب اللجنة بالمقابلة واتخاذها القرار بالإجماع على تكليفي بإدارة المعهد. ويا فرحة ما تمت. فلم تحافظ اللجنة على إجماعها سوى بضعة أيام حتى أتى أحد أعضائها السيد أبو حسان البعيني ليفلح الطريق المؤدي للمعهد بجرافة “نمرة 9” لتستقلع الصخور الشاهقة فتغلقه أمام سيارات الطلاب والأهالي. فاعتذر رئيس اللجنة أنه أسقط بيده، وامتنع وزير التربية حينذاك الأستاذ عبدالرحيم مراد عن إعطاء رخصة بمزاولة التعليم المهني للمعهد الشهيد.
سيرة التعليم في لبنان من العلقم بصيت العسل. سنوات قليلة اقتنعت بضرورة ترك التعليم.
نموذج خاطف من سيرة مدرّس، وهذا الوصف الأدق لمن يدخل الصف ليقوم بواجب التدريس.
المدرس، وفي مرتبة أعلى المعلم، مسيح متواضع كل من جهته يدق فيه مساميره، الأسرة تدقها في يديه، الأحزاب تدقها في رقبته، الحكومة تدقها في ظهره، بينما المسيح واجه دق مسامير سلطة الرومان ومن خلفهم رجال الدين اليهود، في يديه فقط.
ويُكثرون من الثناء على مَن يسمّونهم معلمين، رسل علم، شموع أبجدية، أبطال رسالة، شهداء حرف.. حسناً، لكن لماذا هذا الانحطاط الأخلاقيّ المستشري في أجيالنا؟ والتدخين والنراجيل والمخدرات والشتائم وغيرها من عيوب السلوك المذموم تزكم الأنوف وتصمّ الآذان وتعمي العيون؟ لماذا يكثر رواد هذه الحانات بينما تقفر المكتبات من الزوار والداخلين فتكسو طبقات الغبار كتبها ورفوفها؟
المعلمون ندرة نادرة. استثناء في طور الانقراض، لأن الحكومات والأحزاب والطوائف لا تريدهم سوى معلمي صبية، كما كان يراهم العثمانيون، يلاعبون أبناءهم وبناتهم في أماكن مخصصة تسمى مدارس، ولذلك الأهل تضيق بهم البيوت في أيام الفرص والأعياد والعطل. فيكفرون بكل اللغات لأبنائهم وبناتهم متمنين ألا تقفل مدرسة أبوابها طيلة العام.
أما المدرّسون فكثرة متكاثرة تتناسل من جيل لجيل، حملة شهادات مزيّنة وممهورة بتواقيع رئيس الجامعة ومسؤولوها، لتشهد لحاملها أنه أتم مقررات التلقين في تلك الجامعة. ومن تلقن تلقيناً لا يمكنه التعليم إلا كما تعلّم تلقيناً. لأنهم يخشون من الفكر، ويشيطنون العقل. فالعقل فعل نقد ودحض ونقض، وليس إقرار وإيقان وخنوع وانحناء..
لمعلمي بلادي القلائل، أحييكم في عيد المعلم، مَن انقرض منكم ومَن هو في طور الانقراض، يشهد هول الفاجعة، الانهيار بأعمق معانيه، التفاهة المستشرية بأوسع أبوابها:
– عندما احتل كيان الاحتلال ثلثي لبنان، دعا الناس إلى تسليم أسلحتهم على بيادر الضيع، وقبل أن يقفل زر الميكرفون حتى بدأت قوافل الناس تحمل الأسلحة التي تقاتلوا على اقتنائها من أحزابهم، يحملونها بسياراتهم وأيديهم وعلى ظهور حميرهم لتسليمها شاكرين للمحتل. وأتى جيشه بشاحنات بندورة لبعض القرى، وخلال ساعة فقط، كانت الشاحنة التي تحمل 15 طناً تفرغ من حمولتها، ويتقاتل أهل تلك القرية على حمل أكبر عدد من صناديق البندورة.
– 50 ألفاً طالبوا إيمانويل ماكرون لما زار بيروت في اوائل آب 2020 بعودة الانتداب الفرنسي. صفعة على وجوه كل مَن قادوا لبنان، وكل مَن دخلوا صفاً، ودرّسوا أجيالاً في مدارسه وجامعاته طيلة مئة عام (1920 – 2020). لذلك أتّهم الجميع!
أي عيد تعايدون فيه أهل التعليم، وهم ضحايا مهشّمة بين سندان الفقر والزبائنية والتسييس والتطييف والإقصاء والتهميش والفساد الحكومي والتغريب التربوي والاقتلاع الوطني والتعمية النفسية، وكان ينقصهم النزوح والتشريد والخطر الصهيوني الداهم بعد الاجتياح الطائفي التكفيري الغاشم؟!!
اللهم أشهد أني لم أدخل صفاً إلا لأثبت قيمة ولم أعمل في مدرسة إلا لأكرّس أمثولة.
في ملف حرمون 41 – هنا بيانات تهانئ من وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي، السيدة بهية الحريري، ومكتب أمل التربوي، ومؤسسات المبرات ومن اتحادي المعلمين وغيرهم..
*مقدمة لملف حرمون 41 المنشور في منصة حرمون – يوم الاثنين 9 آذار 2026، لمناسبة عيد المعلم في لبنان.















