في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، عاد مضيق هرمز إلى واجهة النقاش الاقتصادي العالمي بعد قرار غلقه منذ أيام، وهو الممر البحري الذي تمر عبره نسبة معتبرة من تجارة النفط والغاز في العالم.
ولم يتأخر تأثير هذه التطورات في الظهور على الأسواق الدولية، حيث سجلت أسعار النفط ارتفاعا متسارعا تجاوز عتبة 90 دولارا للبرميل، وسط توقعات ببلوغ مستويات أعلى في حال استمرار الاضطرابات وتعطل جزء من الإمدادات العالمية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على أسواق الطاقة فقط، بل تمتد أيضا إلى حركة التجارة الدولية وتكاليف النقل البحري، في ظل ارتفاع المخاطر المرتبطة بالملاحة عبر الممرات البحرية الحساسة، وهو ما ينعكس تدريجيا على أسعار الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، يجد الاقتصاد الجزائري نفسه أمام معادلة دقيقة، فمن جهة قد يستفيد من ارتفاع أسعار النفط باعتباره من كبار مصدري الطاقة، ومن جهة أخرى قد يواجه ضغوطا مرتبطة بارتفاع تكاليف الواردات واضطراب حركة التجارة الدولية.
وبين هذه المكاسب الظرفية والضغوط المحتملة، يطرح التساؤل حول طبيعة التأثيرات التي قد يخلفها غلق مضيق هرمز على الاقتصاد الجزائري، وما إذا كانت هذه التطورات تمثل فرصة ظرفية لتعزيز الإيرادات الطاقوية أم تحديا اقتصاديا جديدا.
مكاسب ظرفية وضغوط اقتصادية محتملة
من جانبه ، قال الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، إن أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز قد يحمل انعكاسات متباينة على الاقتصاد الجزائري، تجمع بين مكاسب ظرفية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وضغوط محتملة ناتجة عن اضطراب التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.
وأوضح هادف في تصريح لـ”الترا جزائر ” أنّ الجزائر قد تكون من بين الدول التي تستفيد على المدى القصير من أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق، باعتبار أن اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، ففي حال توقف جزء من صادرات الطاقة القادمة من دول الخليج عبر مضيق هرمز، قد ترتفع أسعار النفط في الأسواق الدولية بشكل حاد نتيجة المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات، وهو ما قد يرفع مداخيل الجزائر من صادرات المحروقات.
وأشار المتحدث إلى أن هذا الارتفاع المحتمل في الأسعار قد يمنح الجزائر هامشا ماليا إضافيا، إذ يمكن أن ينعكس إيجابا على ميزان المدفوعات وعلى احتياطات النقد الأجنبي، كما قد يتيح للحكومة إمكانيات أكبر لدعم برامج الاستثمار والإنفاق العمومي.
غير أن هذه المكاسب، بحسب الخبير، قد تقابلها تحديات اقتصادية لا تقل أهمية، خاصة على مستوى التجارة الخارجية، فالتوترات الجيوسياسية في الممرات البحرية عادة ما تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السفن، وهو ما قد يرفع فاتورة الواردات الجزائرية، خصوصا بالنسبة للمواد الغذائية والمنتجات الصناعية التي تعتمد عليها السوق الوطنية بشكل كبير.
وأضاف هادف أن زيادة تكاليف النقل البحري قد تنعكس بدورها على الأسعار داخل السوق الداخلية، ما قد يخلق ضغوطا تضخمية إضافية، كما قد يؤثر على تنافسية بعض الصادرات الجزائرية خارج قطاع الطاقة في الأسواق الدولية، خاصة في ظل المنافسة القوية التي تشهدها الأسواق العالمية.
وبالانتقال إلى التأثيرات العالمية، أوضح الخبير أن مضيق هرمز يعد أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، حيث تمر عبره يوميا كميات ضخمة من النفط تقدر بنحو 20 مليون برميل، أي ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرا على المستوى العالمي، كما يعبر المضيق جزء معتبر من صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة أساسا من دول الخليج.
وأشار إلى أن أي اضطراب كبير في حركة الملاحة عبر هذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى هزة قوية في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، إذ قد تتعطل صادرات الطاقة من دول رئيسية مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق وقطر، وهو ما قد يخلق فجوة كبيرة في العرض العالمي.
وتشير بعض التقديرات، وفق هادف، إلى أن أسعار النفط قد تقفز في مثل هذه الحالات إلى مستويات تتراوح بين 110 و150 دولارا للبرميل على المدى القصير، نتيجة المخاوف المرتبطة بتأمين الإمدادات العالمية من الطاقة.
ومع ذلك، حذر الخبير من أن تأثيرات الأزمة قد لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، بل قد تمتد أيضا إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية، وهو ما قد يؤدي لاحقا إلى تراجع الطلب على الطاقة وتقلبات حادة في الأسعار بعد الارتفاع الأولي.
وفي السياق نفسه، قد يؤدي اضطراب حركة الملاحة البحرية إلى اختلالات في سلاسل الإمداد العالمية، ما قد يؤثر على توفر بعض المنتجات الصناعية والمواد الأولية في الأسواق الدولية، ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة.
وخلص هادف إلى أن هذه التطورات تعيد التأكيد على أهمية تسريع مسار تنويع الاقتصاد الجزائري وتقليل الاعتماد المفرط على العائدات الطاقوية، من خلال تطوير القطاعات الإنتاجية والصناعية وتعزيز الصادرات خارج المحروقات، بما يسمح للاقتصاد الوطني بالتكيف بشكل أفضل مع التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم.
هذه انعكاسات غلق مضيق “هرمز”
وفي السياق يؤكد نائب رئيس الجمعية الوطنية للمصدرين الجزائريين، علي باي ناصري، في تصريح لـ”الترا جزائر”، أن التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها غلق مضيق هرمز منذ أيام، بدأت بالفعل تلقي بظلالها على الأسواق العالمية، خاصة أسواق الطاقة والنقل البحري، وهو ما ستكون له انعكاسات متفاوتة على الاقتصاد الجزائري.
وأوضح ناصري أن أولى التداعيات المباشرة لهذه التطورات تمثلت في الارتفاع السريع لأسعار النفط في الأسواق الدولية، حيث تجاوز سعر البرميل عتبة 90 دولارا، مع توقعات متزايدة بإمكانية بلوغه مستوى 100 دولار إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وتعطل جزء من حركة الإمدادات العالمية. وأضاف أن هذا الارتفاع يمثل في الظاهر عاملا إيجابيا بالنسبة للجزائر، باعتبار أن المحروقات تبقى المصدر الرئيسي لمداخيل العملة الصعبة وتمويل الخزينة العمومية.
وأشار المتحدث إلى أن ارتفاع أسعار النفط يمنح الجزائر هامشا ماليا إضافيا، سواء من حيث تعزيز احتياطات الصرف أو تحسين الإيرادات الجبائية المرتبطة بالمحروقات، غير أنه شدد في المقابل على أن الأزمات الجيوسياسية غالبًا ما تحمل معها انعكاسات سلبية موازية، خاصة في ما يتعلق بكلفة التجارة الدولية.
وفي هذا السياق، أوضح نائب رئيس الجمعية الوطنية للمصدرين الجزائريين أن قطاع النقل البحري يشهد عادة اضطرابات واضحة في مثل هذه الظروف، إذ ترتفع تكاليف الشحن وأسعار تأجير الحاويات نتيجة ارتفاع المخاطر والتأمين على السفن،حيث ارتفع سعر تأجير الحاوية من 5 آلاف إلى 20 ألف دولار فضلا عن إعادة توجيه بعض الخطوط البحرية العالمية لتفادي مناطق التوتر.
وقال إن هذه الزيادات قد تنعكس بشكل مباشر على فاتورة الاستيراد بالنسبة للمؤسسات الجزائرية، خاصة تلك التي تعتمد على المواد الأولية أو التجهيزات المستوردة.
كما لفت ناصري إلى أن الأسواق المالية وسوق الصرف تتفاعل بدورها مع هذه التطورات، موضحًا أن العملة الصعبة في السوق الموازية بالجزائر شهدت في الأيام الأخيرة تراجعًا نسبيا، حيث انخفض سعر اليورو إلى حدود 275 دينارا للوحدة، وهو ما يعكس حالة من الترقب وإعادة تموضع في السوق مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد تدفق العملة الصعبة المرتبط بقطاع الطاقة من جهة وتراجع الاستيراد نتيجة غلق المضيق.
وأضاف أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يساهم نسبيا في تخفيف الضغط على سوق الصرف الرسمي، غير أن العوامل المرتبطة بالتجارة الخارجية وتكاليف النقل تبقى مؤثرة في المدى المتوسط.
وختم ناصري تصريحه بالتأكيد على أن مثل هذه الأزمات العالمية تبرز مجددًا هشاشة الاقتصاديات المعتمدة على مورد واحد، داعيا إلى تسريع جهود تنويع الصادرات وتعزيز حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية، وهو ما تعمل عليه السلطات الجزائرية حسبه، حتى لا تبقى البلاد رهينة لتقلبات أسعار الطاقة أو الاضطرابات الجيوسياسية في الممرات البحرية الدولية.
الترا الجزائر














