علي سرور
في لحظةٍ تاريخية فارقة، تُصاغ فيها أبجدية الوجود الفلسطيني بالدّم في غزة والضفة الغربية، وتُعاد كتابة سيرورة التاريخ من خنادق المقاومة، انطلقت صرخة فكرية مدوية تجاوزت جدران الصالونات الليبرالية لتستقر في قلب الميدان.
في لحظةٍ تاريخية فارقة، تُصاغ فيها أبجدية الوجود الفلسطيني بالدّم في غزة والضفة الغربية، وتُعاد كتابة سيرورة التاريخ من خنادق المقاومة، انطلقت صرخة فكرية مدوية تجاوزت جدران الصالونات الليبرالية لتستقر في قلب الميدان. فقد أصدرت أخيراً مجموعة من الكتّاب والمثقفين المشتبكين بياناً حمل عنوان «من أجل ميثاق ثوري للتحرّر الشامل – نقد الكمبرادورية المعرفية ورفض الاستسلام كاستراتيجية نضالية لليوم التالي».
تفكيك «الكمبرادورية المعرفية»
يُحلّل البيان ما يُمكن تسميته بظاهرة «المثقف الوظيفي»، حيث يُرصد كيف استُبدلت خنادق النضال العضوي بتمارين أكاديمية تتماثل مع المركز الاستعماري. كما ينتقد النص أولئك الذين طوّعوا إمكاناتهم المعرفية لصياغة مفاهيم مهذبة ظاهرياً، مثل «تنظيم السلاح». مصطلحات يُراد بها في الجوهر نزع الصفة النضالية عن سلاح المقاومة وتحويله إلى مشكلة إجرائية أو خلل أمني يحتاج إلى ضبط إداري، تماشياً مع «الذوق الرسمي الغربي».
هذه الفئة وصفها بيان الكتّاب والمُثقّفين بـ «الكمبرادور المعرفي»، وهم الوسطاء الذين يتاجرون بالمفاهيم لتبرير الهزيمة. وفي المقابل، طالب البيان بـ «الانتحار المعرفي والطبقي» للنخبة، وهو مفهوم استحضره الموقعون من إرث المناضل أميلكار كابرال، حيث يُدعى المثقف للتخلي عن امتيازاته والالتحام كلياً بالجماهير الشعبية بوصفها الحاضنة الوجودية الوحيدة للفعل الثوري.
أنسنة المقاومة ورد الاعتبار للميدان
لم يغفل البيان الجانب الإنساني والملحمي، بل أُنسنت فيه التجربة النضالية عبر ربط المعرفة بـ «أبناء المخيمات والقرى والزنازين». فالمعرفة التي لا تُفهم في الأنفاق هي معرفة عقيمة. بالإضافة إلى ذلك، شدّد الموقعون، ومن بينهم سيف دعنا، غسان أبو ستة، وصلاح الحموري، أنّ شرعية أي مشروع سياسي يجب أن تُستمد من «حملة البنادق» ومن صمود الناس الذين يقاومون المعجزة بالعطاء والتضحية.
نحو إبستيمولوجيا المقاومة
اختتم المشاركون البيان بالتأكيد على جملة من الثوابت الجوهرية التي تضع حجر الأساس لإبستيمولوجيا المقاومة، إذ شددوا أولاً على ضرورة توطين المعرفة عبر اعتبار الميدان هو المختبر الوحيد والنهائي للحقيقة، بالتوازي مع الرفض المطلق لاستيراد القوالب الليبرالية الجاهزة التي تُغفل خصوصية الصراع الوجودي. كما طالبوا بضرورة التحرر الكامل من ريع التبعية وسلطة المانحين والتمويل المشروط الذي يُسهم في تدجين الوعي وتفريغ القضية من محتواها الثوري.
وفي سياق متصل، طالبوا تقويض المعجم الكولونيالي من خلال استبدال مصطلحات «الأبارتهايد»، التي قد تُبقي على بنية الاستعمار وتكتفي بالمطالبة بإصلاحه، بمفاهيم «الإبادة البنيوية» التي تقتضي الاجتثاث والتحرر الشامل.
إن هذا البيان في جوهره ليس مجرد نص سياسي عابر، بل هو مرثية للمثقف التابع وإعلان ولادة للمثقف المشتبك الذي يرى المعرفة سلاحاً حاسماً عوضاً عن تصنيفها بالترف الأكاديمي، كتأكيد على أن إرادة الشعوب لا تُهادن النسق القائم بل تسعى إلى تقويضه حتى النصر.















