د.ميلاد السبعلي
المقدمة
تقف الشام اليوم أمام لحظة تأسيسية تتجاوز سؤال من يحكم إلى سؤال أعمق: أي دولة يُراد بناؤها؟ هل هي دولة تقوم على مرجعية أيديولوجية تعتبر نفسها ممثلة لأكثرية مفترضة، أم دولة مؤسسات حديثة تستند إلى المواطنة المتساوية، والكفاءة، واحتكار شرعي للقوة، وتعدد سياسي منظم؟
السلطة الانتقالية القائمة، المرتكزة إلى مرجعية الإسلام السياسي، نجحت في ملء فراغ أمني وسياسي وفرض سردية جديدة في المجال العام، برغم التجاوزات التي حصلت وأسهمت في تعميق الشرخ الاجتماعي وتوسيع فجوة الثقة بين مكوّنات المجتمع.
غير أن إدارة المرحلة، حتى لو اقترنت بقدرة على الضبط وإعادة تنظيم المجال العام، لا تعني بناء دولة. الفارق بين النموذجين بنيوي: الأول يستند إلى شرعية مفترضة مشتقة من هوية “أكثرية”، والثاني إلى شرعية منتجة عبر مؤسسات وآليات ديمقراطية قابلة للتجدد.
يتناول هذا المقال طبيعة الحكم الراهن، وحدود المقبول سياسياً في ظلّه، والمعايير الضرورية لبناء دولة مؤسسات حديثة، ويطرح سؤالاً استراتيجياً: هل يمكن للسلطة أن تتحول إلى دولة؟
أولاً: من شرعية مفترضة إلى شرعية منتجة
لم يعد النقاش في الشام يدور حول القدرة على ضبط الأمن أو إدارة التوازنات، بل حول مصدر الشرعية ذاته. ثمة فارق جوهري بين تصورين للحكم:
التصور الأول:
يقوم على اعتبار السلطة ممثلة لأكثرية اجتماعية – دينية يُفترض وجودها سلفاً. في هذا المنطق، تستمد الشرعية من انتماء ديني أو طائفي يُعدّ “طبيعياً” أو يشكل “الأغلبية” الشعبية، ويُفهم الاعتراض عليها بوصفه خروجاً عن الإرادة العامة المفترضة. الأكثرية هنا ليست نتيجة عملية سياسية، بل نقطة انطلاق لها.
أما التصور الثاني:
فهو تصور الدولة الحديثة الذي يجعل المواطن أساس الشرعية. الأكثرية السياسية لا تُفترض، بل تُنتج عبر وعي اجتماعي وإرادة عامة تتشكل وانتخابات حرة ومتكررة، وتبقى قابلة للتغير. الدولة لا تعكس هوية جماعة، بل تؤسس إطاراً قانونياً يساوي بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم.
الانتقال من التصور الأول إلى الثاني يعني الانتقال من شرعية تُستمد من هوية وموازين قوة إلى شرعية تُنتج عبر مؤسسات. ومن دون هذا التحول، تبقى الدولة في حالة إدارة مرحلة، لا في مسار تأسيس طويل الأمد.
ثانياً: طبيعة الحكم – المرجعية الأيديولوجية وحدود الهوية الوطنية
تنطلق السلطة الانتقالية من مرجعية الإسلام السياسي بوصفها إطاراً ناظماً للفكر السياسي والإداري. هذه المرجعية لا تقتصر على الخطاب، بل تنعكس في المناهج، وفي رمزية الفضاء العام، وفي تعريف القيم التي يُفترض أن تؤسس الشرعية.
غير أن إشكالية بنيوية تبرز هنا: عقيدة الإسلام السياسي، بطبيعتها، تتجاوز الإطار القومي المحلّي، وترى في الأمة الإسلامية مجالاً أوسع للانتماء والولاء. في هذا المنطق، قد تُفهم الدولة بوصفها مساحة جغرافية تُطبّق فيها مرجعية كونية، لا كياناً وطنياً قائماً على هوية حضارية سورية جامعة تشكلت عبر التاريخ.
هذا التوتر بين المرجعية العابرة للحدود والهوية الوطنية يطرح سؤالاً حاسماً: هل تُعرَّف الدولة انطلاقاً من تاريخها وتنوعها وتراكمها الحضاري، أم من انتماء ديني يُعتبر أكثرية وبالتالي مرجعية عليا؟
الإجابة عن هذا السؤال تحدد طبيعة العقد الاجتماعي المقبل وحدود الشراكة بين المواطنين.
ثالثاً: المجال السياسي بين المقبول والخطر
من خلال الممارسة، يمكن رصد حدود غير مكتوبة لما يُعدّ مقبولاً أو خطراً في المجال العام للحكم الحالي.
المقبول بأحسن الأحوال، هو حرية تعبير فردية لا تتحوّل إلى تنظيم، ونشاط ثقافي أو اجتماعي لا يتبلور في شكل تيار سياسي مستقل، ونقاش إداري أو اقتصادي يركّز على الأداء من دون المساس بتعريف الدولة أو مرجعيتها. يُحتمل التنوّع ما دام يتحرك تحت سقف السردية العامة التي يسوقها الحكم الحالي.
أما ما يُعدّ خطراً فهو التنظيم السياسي المستقل، والأحزاب العقائدية ذات المشروع الشامل، والخطاب الذي يعيد طرح سؤال المواطنة المتساوية ومصدر الشرعية. هنا تنتقل السياسة من تحسين الأداء إلى إعادة تعريف الدولة، ومن تنافس على السياسات إلى تنافس على المرجعية.
في هذا السياق تُفهم حساسية السلطة تجاه أحزاب تحمل سردية بديلة لهوية الدولة، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي يطرح تصوراً قومياً حضارياً علمانياً شاملاً. المسألة لا تتعلق بخلاف إداري، بل بصراع حول تعريف الدولة ذاتها.
المشكلة ليست في تعدّد الآراء، بل في تعدد المرجعيات. وعندما يُغلق باب التنافس على المرجعية، يُختزل المجال السياسي في إدارة داخل إطار مرسوم سلفاً.
رابعاً: الحياة السياسية وفق معايير دولة المؤسسات
الدولة الحديثة لا تقوم على هامش حرية يُمنح أو يُسحب، بل على منظومة قواعد تضمن تكافؤ الفرص. جوهر هذه المنظومة يتمثل في قانون أحزاب يساوي بين الجميع، وتمويل سياسي شفاف، وقضاء مستقل، وإعلام حر، وانتخابات دورية بإشراف مستقل، وتداول سلمي فعلي للسلطة.
السياسة في هذا الإطار ليست تهديداً، بل أداة لتنظيم الاختلاف وتجديد الشرعية. المشكلة لا تكمن في وجود عقيدة سياسية بعينها، بل في تحويل أي عقيدة إلى مرجعية حصرية غير قابلة للنقاش.
من خطاب الإصلاح إلى هندسة السلطة
أحد التحدّيات الجوهرية لا يتعلق بغياب الخطاب الإصلاحي، بل بالفارق بين الخطاب وبنية القرار. فالإصلاح الحقيقيّ لا يُقاس بحدة اللغة أو وعود التحديث، بل بمدى إعادة توزيع السلطة داخل المؤسسات، ووضوح قواعد اتخاذ القرار، وقابليّة السياسات للمراجعة والمساءلة.
دولة المؤسسات لا تُبنى بإعلان النوايا، بل بهندسة واضحة للسلطة: مَن يقرّر؟ وفق أي معايير؟ ما حدود الصلاحيات؟ ما آليات الرقابة؟ وما المؤشرات القابلة للقياس لنجاح السياسات أو فشلها؟
عندما يبقى القرار متمركزاً في دائرة ضيقة، ويتحوّل تفسير الأزمات إلى نقد لوعي المجتمع بدل نقد لبنية المؤسسات، يصبح الإصلاح علاقة عمودية لا عقداً اجتماعياً.
التجارب الأحادية، أياً كانت أيديولوجيتها، تؤدي إلى النتيجة ذاتها: احتكار المجال العام وإفراغ الدولة من مضمونها المؤسسي. الدولة لا تُبنى على إقصاء العقائد، بل على مساواتها ضمن إطار قانوني جامع.
السلطة والدولة: إشكالية التمايز المفهومي
لفهم مأزق الدولة في السياق العربي، لا بدّ من التمييز بين السلطة والدولة. السلطة هي وظيفة حكم مؤقتة تمارسها جهة أو تيار وفق موازين قوة معينة، أما الدولة فهي كيان قانوني مؤسسي دائم، يقوم على قواعد مجرّدة تنظّم ممارسة السلطة وتقيّدها وتستمر بعد تغيّر من يتولاها.
في الدولة الحديثة، هذا الفصل حاسم: الحكومات تتبدّل، والدولة تبقى. أما في التجربة العربية، فلم يتبلور هذا التمايز بالوضوح نفسه. في كثير من الأدبيات والممارسات، جرى التعامل مع الدولة بوصفها امتداداً للسلطة الحاكمة، لا إطاراً أعلى منها. فارتبطت الشرعيّة بشخص الحاكم، أو بالحزب، أو بالإيديولوجيا، أكثر من ارتباطها بقواعد مؤسسيّة مستقلة.
وعلى اختلاف الأنظمة في الدول العربية – ملكية أو جمهورية أو قومية أو دينية – ظل هذا الخلط قائماً بدرجات متفاوتة. تغيّرت الأيديولوجيات، لكن بقيت الدولة في كثير من الحالات متماهية مع السلطة، بحيث يُفهم نقد الحكم كأنّه مساس بالكيان ذاته.
إن التحوّل المطلوب ليس سياسياً فقط، بل مفاهيمي أيضاً: إعادة تأسيس الدولة كإطار قانونيّ مستقل يحتضن تعدّد المرجعيات، بحيث يمكن أن تتغير السلطة من دون أن تهتز الدولة. عندها فقط يصبح تداول الحكم تجديداً للنظام العام، لا تهديداً له.
خامساً: معيار الكفاءة – من جهاز ولاء إلى جهاز مؤسسات
الشرعية السياسية لا تكفي لبناء دولة فعالة. فعالية الدولة تُنتج عبر الكفاءة. عندما يُعيَّن المسؤولون بناءً على انتمائهم أو على موقع رمزيّ لا على الجدارة، تتحوّل الدولة تدريجياً إلى جهاز ولاء.
المعيار الحاسم هو الجدارة المهنية القابلة للقياس، عبر قواعد واضحة للتعيين والترقية، وتقييم موضوعي للكفاءات، وفصل فعلي بين الموقع الديني والموقع الإداري، وتكافؤ فرص حقيقي بين جميع المواطنين.
حين يصبح الانتماء بديلاً عن الكفاءة، يتراجع الأداء وتتآكل الثقة بالمؤسسات. الدولة الحديثة لا تسأل المسؤول عن طائفته، بل عن قدرته وأهليته.
سادساً: احتكار القوة والسيادة المؤسسية
لا يمكن بناء دولة من دون احتكار شرعيّ ومنظم للقوة. وجود جيش وطني محترف وغير طائفي شرط بنيوي. الجيش في دولة المؤسسات مؤسسة سيادية تحمي الوطن والدستور والقانون، لا جماعة أو أيديولوجيا.
حتى لو مرّ التأسيس بمرحلة انتقاليّة يتم فيها دمج مجموعات سابقة، فإن الهدف النهائيّ يجب أن يكون واضحاً: مؤسسة موحدة بعقيدة وطنية ومهنية.
جوهر دولة المؤسسات هو ألا يكون هناك سلاح خارجها، ولا قرار عسكرياً خارج تسلسل مهني خاضع للرقابة القانونية، ولا مجموعات وفصائل وعشائر مسلحة.
السيادة: من السيطرة إلى القدرة على الحياة
السيادة لا تُختزل في البعد العسكريّ. فالدولة لا تثبت حضورها فقط عبر ضبط الحدود، بل عبر قدرتها على جعل الأرض قابلة للحياة. الأمن، والتعليم، والصحة، والخدمات الأساسية، هي أدوات تثبيت الانتماء الوطني.
عندما تتوزع الخدمات وفق خرائط نفوذ غير متجانسة، تصبح السيادة مجزأة حتى لو بقيت الخرائط موحدة. السيادة المؤسسية هي التي تحول الجغرافيا من مساحة صراع إلى مساحة استقرار.
غير أن هذا البعد يواجه اختباراً إضافياً في ظل اعتداءات خارجية متكررة ووقائع مفروضة من قوة احتلال.
السيادة في ظل الاحتلال
استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتوسّع اعتداءاته يضع مفهوم السيادة أمام اختبار مزدوج: قدرة الدولة على حماية مجالها الحيوي، وقدرتها على إدارة هذا التحدّي ضمن إطار مؤسسي لا ارتجالي.
غير أن التهديد الخارجي لا يبرّر إغلاق المجال الداخلي. فالسيادة الحديثة تُبنى عبر مؤسسات دفاعية محترفة، واستراتيجية واضحة، وإجماع وطني منظم، لا عبر حالة طوارئ دائمة.
الدولة القوية هي التي تواجه التهديد الخارجي من دون أن تُفرغ عقدها الاجتماعي من مضمونه.
سابعاً: المواطنة والديمقراطية – الاختبار الحاسم
المواطنة تعني مساواة كاملة في الحقوق السياسية. والديمقراطية آلية إنتاج الأكثرية، لا إعلانها.
الأكثرية تُنتج عبر انتخابات حرة، وتتغيّر. كما تُبنى الإرادة العامة عبر عمل سياسي مستمر يسمح للأحزاب العمل بحرية وتنظيم المواطنين حول برامجها.
حتى الآن، لم تُختبر ادعاءات تمثيل “الأكثرية” عبر عملية انتخابية شاملة تضمن تكافؤ الفرص وحرية العمل السياسي. ومن دون هذا الاختبار، تبقى الشرعية افتراضاً لا تفويضاً.
ثامناً: هل يمكن للسلطة أن تبني دولة؟
السلطة قادرة على إدارة أزمة، لكنها لا تبني دولة بمجرد قدرتها على التحكم. بناء الدولة يتطلب انتقالاً من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن شرعية مستندة إلى الهوية أو القوة إلى شرعية مستندة إلى عقد اجتماعي وإرادة عامة متجددة.
وهذا يقتضي قبول التعدد السياسي، ومساواة فعلية، واعتماد الكفاءة معياراً، وجيشاً وطنياً محترفاً، وأجهزة خاضعة للقانون، وانتخابات حرة.
من دون هذا التحوّل، تبقى السلطة تدير واقعاً، لكنها لا تؤسس دولة مؤسسات. أما إذا قبلت أن تخضع للقواعد نفسها التي تُخضع غيرها، يبدأ التحول الحقيقي.
خاتمة: الدولة كمدخل للنهوض
الشام أمام استحقاقات إعادة الإعمار، واجتذاب الاستثمارات، وبناء الاقتصاد، وتوحيد المؤسسات، وترميم النسيج الاجتماعي.
كل ذلك يتطلب دولة مؤسسات تقوم على القانون والكفاءة والمواطنة المتساوية. المستثمر يبحث عن استقرار قانوني، والمواطن عن عدالة، و”المجتمع الدولي”، برغم انحيازاته، يتعامل مع مؤسسات لا مع سرديّات.
المستقبل خيار مؤسسي. والخيار الحقيقي أمام الشام هو الانتقال من سلطة تدير الواقع إلى دولة تبني الغد. فهل يستطيع الحكم الانتقالي الحالي، برغم الدعم الدولي والعربي له، أن يحقق هذا الانتقال، أم أن طبيعته وبنيته وخلفيته الإيديولوجية تقف عائقاً أمام ذلك؟















