د. نبيلة عفيف غصن*
في قلب لبنان، وعلى بعد أميال قليلة من أعين الدولة، يحدث ما لم يُصرّح به أحد رسمياً: مطار حامات تحوّل من قاعدة تدريب إلى قاعدة أميركية بامتياز. عشرون طائرة عسكرية تهبط خلال 24 ساعة؟ هذا ليس تدريباً، بل احتلال صامت لأرضنا، وتحويل لبنان إلى منصة لوجستية للقوة الأجنبية، بينما المسؤولون اللبنانيون يتفرّجون، والمنافقون يرفعون شعارات السيادة المزيفة صباح مساء.
إلى من يتغنون بالسيادة، نقول بصراحة: أين تُزرع سيادتكم بينما أنتم تجلسون في أحضان أميركا، وتتركون مطار لبنان تحت سيطرة القوات الأجنبية، وتغضون النظر عن المقاومة التي تصدّ العدو الإسرائيلي وتحمي لبنان؟
قاعدة الظل الأميركية: تدريب أم احتلال؟
حامات، المسمّى رسمياً قاعدة للجيش اللبناني، شهد على مدى سنوات تطويراً واسعاً بتمويل أميركي مباشر. ما يُسمّى “تدريب روتيني” لم يكن يوماً سوى واجهة. القاعدة تحوّلت عملياً إلى Forward Operating Base مجهّزة بالكامل للتحرّكات العسكريّة الأميركيّة، مع كل ما يلزم من تجهيزات لوجستيّة ومراقبة إلكترونيّة، استعداداً لأي مواجهة إقليمية محتملة، خصوصاً تجاه إيران.
النشاط الأخير في فبراير 2026 يؤكد أن حامات لم تعُد مطار تدريب، بل نقطة محوريّة لجسر جوي أميركي في شرق المتوسط، نقطة تزويد وإخلاء واستهداف، بينما المسؤولون اللبنانيون يبقون صامتين، والمنافقون يرفعون شعارات السيادة الفارغة.
انتهاك السيادة: أميركا تقرّر مَن يمشي على أرض لبنان
الأكثر صدمة كان إبعاد الجيش اللبناني والبلديات المحلية عن موقع تحطم طائرة مسيّرة. هذا ليس مجرد تجاوز بروتوكولي، بل إعلان واضح أن القوات الأميركية تملي من يمكنه التحرك على أراضينا، وتفرض إرادتها فوق سيادتنا الوطنية.
أي سيادة يتحدث عنها من يدّعون الوطنية بينما يتركون مطار لبنان يتحول إلى قاعدة أجنبية؟ أين كانت هذه السيادة عندما كانت المقاومة تحمي الوطن؟ أين كانت عندما كان العدو الإسرائيلي يستهدف لبنان، والمقاومة تصدّ هجماته؟
لبنان على خط المواجهة: أدوار حامات الحقيقية
القاعدة اليوم ليست للتدريب، بل للتجهيز لمواجهة محتملة مع إيران، وهو ما يفسّر حجم الحركة الجوية غير المسبوقة:
عمليات البحث والإنقاذ للطائرات (CSAR)، في حال أي ضربات على إيران أو سقوط طائرات أميركية أو حليفة.
الرصد والمراقبة الإلكترونية لسواحل المتوسط، لتأمين خطوط العدو والمصالح الأميركية، وتحويل لبنان إلى جزء من شبكة الاستطلاع الإقليمية.
الإخلاء السريع لمسؤولين رفيعي المستوى، بعيداً عن أي سلطة لبنانية، وتحويل القاعدة إلى مركز قيادة ميدانيّ مؤقت لأي عمليات عسكرية.
كل هذه المؤشرات تكشف أن الاعتذار الموجّه لعمدة المنطقة كان مجرد مناورة إعلامية، لكنه لم يغيّر حقيقة واحدة: أميركا تملي قواعد اللعبة في حامات، وأنتم تتغنون بالسيادة وتتركونها بلا قيمة على الأرض.
الطائرات تكشف الحقيقة: جسر جوي أميركي
بيانات رصد الرحلات وشهود العيان تكشف أن ما يحدث في حامات ليس تدريباً روتينياً بأي حال:
C-17 Globemaster III: خمس رحلات على الأقل خلال يناير وفبراير، قادرة على نقل دبابات، أنظمة دفاع جوي، وكم هائل من الذخائر. هذه الطائرات لا تهبط إلا في قواعد جاهزة لتدعيم عمليات واسعة النطاق.
C-130 وMC-130: طائرات مخصصة للقوات الخاصة، تستخدم للتسلل والإخلاء والإمداد اللوجستي الخفي، وتهيئة الأرضية لعمليات سرية.
F-35 Stealth Jets: انتشارها في قواعد إقليمية مجاورة، مثل الأردن، يوحي بتحضيرات لضربات محتملة على إيران، وحامات نقطة دعم محتملة لهذه العمليات.
هذا الجسر الجوي الأميركي على أراضينا يكشف الحقيقة المرّة: لبنان بات محطة استراتيجية للقوة الأميركية في شرق المتوسط، والمنافقون يرفعون شعارات السيادة الفارغة صباح مساء.
السياسة اللبنانية عاجزة.. والمنافقون يرفعون شعارات
المشهد السياسي الداخلي يكشف هشاشة الدولة:
حزب الله حذّر من أن القواعد الأميركية أهداف مشروعة إذا شُنّ هجوم على إيران.
الحكومة اللبنانية تتلقى انتقادات حادة لفقدان السيطرة على حامات لصالح القوات الأجنبية، بينما المبررات الرسمية للجيش بأن النشاط يهدف إلى “مكافحة الإرهاب وتفكيك القوى غير النظامية” لم تعد مقنعة أمام الواقع على الأرض.
مع اقتراب الانتخابات في 2026، تحوّل حامات إلى ساحة صراع حول حياد لبنان أو تورّطه في الصراع الأميركي -الإيراني، بينما المنافقون يرفعون شعارات السيادة الفارغة ويتحدّثون عن الدفاع عن الوطن من المنابر الإعلامية، لكنهم في الواقع يجلسون في حضن القوة الأجنبية.
إلى هؤلاء، نقول بصراحة: أين سيادتكم التي تتغنون بها؟ هل في حضن أميركا أم على أرض المقاومة التي تصدّ العدو الإسرائيلي وتحمي لبنان؟
التقييم الاستراتيجي: تجهيز للمعركة
المحللون العسكريون يؤكدون أن النشاط الحالي في حامات يختلف عن السنوات السابقة؛ لم يعد مجرد “إجلاء دبلوماسي”، بل أصبح تخطيطاً عملياً منهجياً. وجود مزيج من الطائرات الثقيلة وطائرات العمليات الخاصة يشير إلى أن القاعدة مُعدّة لتصبح منصة انطلاق أو محور لوجستي سريع إذا أُغلق المجال الجوي الإقليمي خلال مواجهة محتملة مع إيران.
كما أن التوسّع في قدرات القاعدة، مع مراقبة جوية وإلكترونية متقدمة، يجعل حامات نقطة ضغط استراتيجية، تمكن القوات الأميركية من تأمين خطوط إمداد سريعة، ونشر قوات إضافية دون الاعتماد على البنية التحتية اللبنانية. هذا التحول يعكس حقيقة مؤلمة: لبنان لم يعد دولة محايدة، بل محطة عسكرية أميركية على أرضه.
الخلاصة: لبنان خارج السيطرة
مطار حامات لم يعد قاعدة تدريب، بل قاعدة أميركية تتحرّك فيها القوات الأجنبية بلا مساءلة لبنانية. الهبوط المكثف للطائرات، السيطرة على الوصول، والتنسيق المباشر مع واشنطن، كل ذلك يؤكد أن لبنان لم يعد دولة تتحكّم بأراضيها، بل محطة استراتيجية للقوة الأميركية في شرق المتوسط.
كل يوم يمرّ دون مساءلة، يتحوّل فيه مطار حامات من “قاعدة وطنية” إلى مسرح حرب على أرضنا، بقرار خارجي وليس داخلي.
إلى من يرفع شعارات السيادة، نقول بصراحة:
أين تُزرع سيادتكم التي تتغنون بها؟ هل في حضن أميركا أم على أرض المقاومة التي تصدّ العدو الإسرائيلي وتحمي لبنان؟
إذا لم يتحرك لبنان فوراً لفرض سيادته، فإن ما بدأ كقاعدة تدريب قد يتحول إلى مسرح حرب على أرضه، بقرار خارجي، وبصمت داخلي مخزٍ.
*باحثة في علم الاجتماع المعرفي والثقافي
23/2/2026.















